لا شك وأن الكثير من الناس باتوا يعتبرون شهر رمضان الكريم هو الشهر المخصص للسهر والسمر والأكل والمصاريف الباهظة والتبذير، بعد أن كان يمثل للأمة الإسلامية شهر العبادات والصلاة والقيام وختم القرآن والصيام عن كل الشهوات، لتهذيب النفس البشرية.

ولكن للأسف الشديد فان، العبادات غابت لصالح العادات السيئة الرمضانية، التي روجتها وسائل الإعلام لتصبح تلك التصرفات نجمة الشهر الكريم، فالكثير من الناس لا يعرفون من العبادة الرمضانية إلا الحرمان من الأكل والشرب لبضع ساعات، يقضيها أغلبهم في النوم لتبديد الإحساس بالجوع، البيان أمضت ثلاثة أيام تتجول في تونس العاصمة لترصد كيف يقضي المواطن التونسي يومه الرمضاني:

شارع بورقيبة

البداية كانت من شارع الحبيب بورقيبة قلب العاصمة النابض بالحياة، الحركة عادية والشارع مليء بالناس كما هو الحال في الأيام العادية، المقاهي المصطفة يمينا وشمالا معظمها مغلقة وأخرى موشحه بالسواد ومفتوحة.

حيث يغطي السواد المرايا الكبيرة التي تظهر ما بداخل المقاهي، وعندما حاولنا اختلاس النظر وجدنا المقهى ملئ بالزبائن الذين يشربون القهوة ويأكلون «الكرواسون»، ويدخنون السجائر، ومعظمهم من الشباب.

وقد صرح لنا صاحب المقهى الذي رفض تصويره ورفض تصوير المقهى السيد حسني، أنه لا يستطيع إقفال مقهاه في شهر الصيام خاصة وأنه في الأساس يفتح المقهى من أجل السياح الأجانب إلا أن بعض الشبان يدخلون للمقهى ولا يحب إخراجهم حتى يجنب نفسه من الصدام معهم، ويضيف:» أنا لا أستطيع محاسبة أحد فالله وحده هو من سيحاسبنا جميعاً.

كما أن ديوني الكبيرة تفرض علي أن أفتح المقهى في كل الأوقات، ولا يجب أن ننسى أن هناك أعدادا كبيرة من المرضى الذين وجب عليهم إفطار رمضان».

يبدو أن السيد حسني لا يعلم بأن الساكت عن الحق شيطان أخرس.

ابتعدنا من المقهى لندخل لسوق بيع الخضار المركزي حيث يتحول السوق إلى خلية كبيرة من النحل، فالكل يشتري أكثر مما يأكل، وتكسر أصوات الشجار المنبعث من هنا وهناك أصوات الباعة، فالكل يشتري والكل يتشاجر بعذر الصيام، وعادة ما يتحول الشجار إلى إطلاق ألفاظ نابية.

وهكذا دواليك وكأن الصيام لا يردع الصائم عن الأقوال والأفعال المشينة، يقول بائع الخضار رضا:منذ أن حل شهر الصيام حتى تجد أن أعصاب الناس أصبحت متوترة وعادة ما يسبب ازدحام السوق الشديد إلى توتر المتسوقين.

واللافت أنه في الماضي كانت النساء هن اللاتي يتسوقن عادة، إلا أنه في الوقت الحالي أصبح جمهور السوق من الرجال، ويشتد ازدحام السوق حسب البائع رضا قبل موعد الإفطار بساعتين، حيث يحاول الرجال تبديد بعض الوقت الذي يسبق الإفطار في الشراء والتجول بين الباعة.

وفي السابق كان الرجال يتجمعون قبل موعد الإفطار في المساجد لحفظ القرآن الكريم، والصلاة وقراءة الأذكار النبوية الشريفة، أما الآن فأصبحت أسواق الخضار عامرة أكثر من المساجد.

شواطئ عامرة في نهار رمضان

تشهد الشواطئ التونسية ركودا كبيرا منذ حلول الشهر الكريم، ولكن بسبب درجات الحرارة المرتفعة في تونس والتي وصلت إلى 45 في العاصمة في الأيام القليلة الماضية توقعنا أن نجد جمهورا كبيرا في البحر فتوجهنا إلى الضاحية الشمالية للعاصمة «حلق الوادي»، لنرصد حركة الناس على الشواطئ، فصادفنا المشهد التالي فتاة تونسية محجبة تسبح برفقة مجموعة من الشباب سألناها في البداية عن التناقض الذي تعيشه فكيف هي محجبة وكيف تسبح مع مجموعة من الشبان؟؟

فأجابت: هؤلاء هم شبان الحي الذي أسكن فيه، ونحن نسبح سوية قبل موعد الإفطار، حتى نلطف حرارة أجسادنا، فأنا أصحو بعد الظهر لأساعد أمي قليلا في الأعمال المنزلية، ومن ثم أتوجه مع أصدقائي للبحر حتى نستمتع بالسباحة إلى حين موعد أذان المغرب، ونحن نقوم بذلك بصفة يومية، ولا علاقة لحجابي بالسباحة فأنا لا أرى في ذلك أي مشكلة، فالإسلام دين يسر وليس بدين عسر.

وبعيدا عن مريم المحجبة، يشهد شاطئ «حلق الوادي» حضور العديد من الناس الذين وجدوا في البحر طريقة لتبديد الوقت في السباحة لا العبادة.

بعد أذان المغرب

تهدأ حركة الشوارع فجأة قبل غروب الشمس بدقائق، فيعم هدوء تام يقطعه فجأة صوت أذان المغرب الذي يتعالى من هنا وهناك والذي يمتزج بصوت مدفع رمضان، وبعد أقل من ساعة على موعد الإفطار تعود الحركة كما كانت وربما أكثر فيتسارع الكثير من الناس للمسجد من أجل صلاة التراويح، وآخرون يفضلون التسكع بين المقاهي والشوارع.

ولم نستطع حصر عدد المصلين مقارنة بعدد المتسكعين في غياب إحصائيات رسمية، ولكن نستطيع القول أن الجوامع تغص بعباد الله من الرجال والنساء على حد سواء.

وبما أن جامع العابدين يعتبر أكبر جامع في العاصمة تونس، توجهنا له لنرصد حركة المصلين هناك، فبعد انقضاء صلاة التراويح وانصراف الناس من الجامع بربع ساعة، تتعالى أصوات الموسيقى المنبعثة من خلف المسجد حيث يقع المسرح الروماني العتيق، والذي يقام فيه مهرجان قرطاج الدولي كل صيف، وتستمر الحفلات فيه حتى بعد انقضاء المهرجان.

وقد حرصت سلطة الإشراف في المنطقة على أن تبدأ الحفلات بعد مغادرة آخر مصل من المسجد احتراما للمصلين وللشهر الفضيل، أما داخل أسوار المهرجان فالمشهد يتكرر يومياً حضور يتجاوز عدده ال6000 ورقص وموسيقى وغناء حتى ساعات الصباح الأولى، دون أدنى مراعاة لقدسية الشهر الكريم.

واللافت أن مهرجان قرطاج ليس وحده الذي يستقطب الجمهور بل أيضا مهرجان المدينة الذي بدأت فعالياته في الرابع من الشهر الكريم، والجدير بالذكر أن كل ولاية أو منطقة في تونس يقام فيها «مهرجان المدينة» والذي عادة ما تتميز سهراته بالأناشيد الصوفية والأغاني الدينية.

الدراما الرمضانية تفرغ الشهر الكريم من مضمونه

وتبقى أم العادات السيئة في الشهر الكريم هي إدمان المسلمين على الدراما الرمضانية والحرص الشديد على متابعتها منذ أذان المغرب وحتى صباح اليوم التالي، فالمسلسلات لا تهدأ وتتسابق القنوات التلفزيونية على جذب أكبر عدد من المشاهدين وعلى عكس الماضي فان قرابة الـ 50 مسلسلا مصريا وسوريا وتونسيا وخليجيا لا نجد مسلسلات دينية هادفة سوى اثنين تقريبا أحدهما مسلسل «القعقاع بن عمر التميمي»، هذا ما قاله الناقد الصحفي حسن بن ضياء.

وأضاف: «كما أن الدراما الرمضانية اتفقت في مجملها على تقديم الجنس والقتل والخيانة والدماء وصورة سيئة للمرأة مثل زهرة وأزواجها الخمسة، أو صور مخلة للأداب وتتنافى مع عادات وتقاليد المجتمع التونسي كما هو الحالي في مسلسل «كاستنغ» الذي يصور علاقات الحب التي تتحول سريعا إلى حياة مشتركة خارج إطار الزواج، وغيرها من الصور الخاطئة، التي تتسرب شيئاً فشيئاً إلى عادات مجتمعنا.

دراما جديدة

كما توجد ظاهرة جديدة في الدراما وهي تجسيد الأنبياء كما حدث مع «يوسف عليه السلام» و«المسيح عيسى» فمن وجهة نظري الشخصية هناك حملة كبيرة للتلاعب بمشاعر المسلمين واعتقاداتهم الدينية، وكلها عوامل حولت ذلك الصندوق الصغير «التلفزيون» إلى مفسد أخلاق كبير، وكل خوفي أن نرى مسلسلات قادمة تصور أنبياء آخرين أمثال إبراهيم، ونوح، وغيرهما..

يذكر إن إحصائيات شركة سيغما الخاصة بنسب مشاهدة التونسي إلى التلفزيونات المحلية وصلت إلى 97 بالمئة موزعة على الأربع قنوات التونسية الموجودة على الساحة وهما القناتان الحكوميتان تونس 7 وقناة 21 والخاصتان نسمة وحنبعل، هذا وتعتبر النساء الأكثر إدمانا على مشاهدة المسلسلات الرمضانية والتأثر بمضامينها.

تونس ـ ضحى السعفي