كل فرد يستقبل الشهر الكريم على طريقته الخاصة؛ ففي حين يرى البعض أنه مناسبة دينية محضة تتطلب من الإنسان المسلم أن يقضي النهار صائما والليل قائما، إلا أن كثيرين يرون فيه إلى جانب أنه شهر تعبد وقيام وصيام فرصة للسمر وتزجية الوقت الطويل بأمور لا يحبذها البعض الآخر، وبين أولئك وأولئك من يرى أن الوسطية في حياة المسلم هي الأولى بالاتباع في ممارسة المسلم لحياته باعتبار أن الدين الإسلامي هو دين الوسطية.

الداعية الشيخ عبدالرب حميد علي في تعليقه على الانصراف عن اغتنام الشهر الفضيل يقول: الذين لا يسعون إلى استغلال هذه الفرصة الروحية هم في غفلة عن إدراك ذواتهم، موضحاً ذلك بقوله: «الإنسان قيمة عليا، خلق الله له كل شيء وسخره لأجله، بما فيه الوقت الذي لو استغله في ما يعود بالنفع عليه كفرد وعلى مجتمعه لأعطى لتلك القيمة معناها ومضمونها، على اعتبار أن إدراك الذات مقصد ينبغي أن يبلغه كل مسلم، لما لذلك من انعكاس إيجابي على علاقته بخالقه وبمجتمعه، وكما قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه:

أتزعم أنك جرم صغير.. وفيك انطوى العالم الأكبر»

وعليه إذا استحضر المرء هذا المعنى لوجوده كما يستطرد الشيخ عبدالرب: يزداد تقربه إلى خالقه، ثم يفيض بفعل الخير وبالعطاء المتدفق على من حوله، وهو العمل المحبب للخالق في هذا الشهر الكريم، لكن الذين لا يدركون ذواتهم يغفلون عن مغزى الوجود وعما يمثله لهم شهر رمضان من فرصة ربانية وفسحة روحية لمراجعة الذات وتحريرها من ثقل الشعور بالتقصير.

والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول : «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»، وأيضاً: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»، وهذه فرصة على الإنسان أن يستغلها لذاته هو.

أما كيف ذلك؟ يرى شيخنا: أن على الإنسان المسلم أن يفتش ويتأمل في الاجتهادات المتراكمة للمجتهدين الذين اجتهدوا وأثروا الثقافة الإسلامية بكل ما يؤدي إلى التمييز بين السلوك الذي يعود على المرء بالنفع والفائدة وبين السلوك الذي يؤدي إلى إهدار الوقت وتبديد الطاقات الخلاقة في أمور لا طائل منها ولا نفع، لكن هذه الأمر حسب ما يقول: «لا يتحقق إلا ببذل الجهد والعناية.

أما الذي لا يريد أو لا يرغب أن يتعب نفسه - وأقصد هنا على وجه الخصوص كما يوضح الشيخ عبد الرب من يقع على عاتقهم توعية الناس من المجتهدين والوعاظ والمرشدين وكل راع ومسؤول عن رعيته - نيابة عمن لا يعرف ومن لا يقدر، فيبادروا إلى توجيه الناس باللين والموعظة الحسنة والأخذ بيد الغافلين منهم ليرشدهم إلى طريق السداد بتناغم مجتمعي قوامه الرحمة والتوادد..

إذ نجد أن منظمة ألمانية يقطع العاملون فيها مسافات طويلة ويتجشمون العناء بحثا عن المحتاج والمعوز في ريف اليمن أو في غيره فيحولون المعاق إلى إنسان خلاق ومبدع، وهذا ما نحن بحاجة إليه في مجتمعنا».

صنعاء ـ عبدالكريم سلام