طلبت المعلمة من أحد تلاميذها في الصف الثاني الابتدائي الخروج إلى لوحة الكتابة لتمليه ما يكتبه. خرج الطفل مترددا مذعورا، حتى عجزت أصابعه عن الإمساك بالطبشورة، فاقتربت منه لتبثه الطمأنينة وربتت على كتفه، غير أنها لاحظت خيطاً يتدلى من رقبته إلى داخل صدره فيما يشبه السلسلة، ورأت في نهايته مفتاحا كبيرا، وحين سألته المعلمة عنه أجابها الطفل ببراءة: إنه مفتاح المنزل.

ولم تندهش في تلك اللحظة بقدر ما اندهشت حين عرفت أن أربعة تلاميذ آخرين داخل فصلها بينهم فتاة يعلقون في رقابهم مفاتيح مشابهة!

المعلمة هي نجلاء أحمد، تدرس اللغة عربية بإحدى المدارس الخاصة بوسط القاهرة، استرعى هذا الموقف انتباهها فقررت اختيار ظاهرة أطفال المفاتيح موضوعاً لأطروحة الماجستير التي حصلت عليها من قسم الاجتماع بجامعة القاهرة.

وبسؤالها عن سبب انتشار تلك الظاهرة قالت: لا شك أنها ظاهرة في غاية الغرابة على مجتمعاتنا العربية التي ظلت تتميز بقوة الروابط الأسرية والعلاقات الاجتماعية الحميمة بين أفرادها، وما عرف عن الأم الشرقية من خوف مبالغ فيه على أبنائها إلى الحد الذي كان أحياناً يعوق تقدمهم وانطلاقهم، لكن يبدو أن دوام الحال من المحال، وأن الزمن بالفعل قد تغير وتغيرت معه طبائعنا ومشاعرنا.

فما كنا نفاخر به ونعده من نقاط تميزنا فقدناه تحت وطأة ضغوط الحياة المادية التي دفعت الأم إلى محاولة مشاركة الزوج تحمل تكاليف المعيشة الباهظة، وتوفير مستوى مناسب لأبنائها وتأمين حاجاتهم الأساسية، فخرجت للعمل وتركت الأبناء يواجهون الصعاب معتمدين على أنفسهم.

وفي هذا السياق تناست الآثار السلبية التي تترتب على ذلك، وما يمكن أن يعانيه أطفالها جراء ابتعادها عن تفاصيل حياتهم وانشغالها بالعمل، بل والكارثة الأكبر عندما سافرت الأم لتعمل خارج البلاد مخلفة وراءها أطفالاً في سن الزهور.. هنا لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يقع، لأن الأب، مهما بلغت درجة وعيه واهتمامه فلن يملأ مكان الأم.

تغيرات غير طبيعية

مؤمنة عبدالفتاح (موظفة)، شاركت برأيها قائلة: لدي طفل في السابعة، لم أكن أعمل حين أنجبته، وبعدما اعتقدت أنه كبر بدرجة كافية بحثت عن عمل وبالكاد حصلت عليه، وكان قد التحق بالسنة الأولى بالمدرسة، وحتى ذلك الوقت كانت جدته لأبيه تقيم معنا في نفس الشقة لكنها توفيت بعد شهور قليلة من بداية عملي.

وكان أمراً طبيعياً أن أتركه يعتمد على نفسه خلال ساعات العمل، لأن استقدام مربية يعني ببساطة التخلي عن ثلاثة أرباع الراتب خاصة وأن زوجي يعمل في إحدى القرى السياحية بشكل موسمي غير مستقر.

لكن بعد السنة الأولى لاحظت على طفلي كثيراً من التغيرات غير الطبيعية، مثل السرحان الطويل، وعدم التركيز، والتهتهة، في البداية اعتقدت أنها مسألة طبيعية بعد وفاة جدته التي ازداد تعلقه بها في الفترة الأخيرة قبل وفاتها، حتى إنه كان يناديها «أمي»..

ويبدو أن بقاءه وحيدا لفترات طويلة داخل المنزل زعزع ثقته في نفسه وأكسبه عادات غريبة، وبدا لي كأنه كبر فجأة عدة سنوات في سنة واحدة ولا أدري ماذا أفعل؟ فمن ناحية لا أستطيع أن أترك العمل الذي أصبح الحصول على مثله حالياً في غاية الصعوبة، وفي نفس الوقت أخشى أن ينشأ ابني نشأة غير سوية أندم عليها طوال حياتي.

قلق نفسي

بينما تقول نادية حماد الأخصائية الاجتماعية بإحدى مدارس اللغات: كل طفل صغير يرى في اللحظة التي ستستقبله فيها أمه جائزة اليوم الذي قضاه في مدرسته أو حضانته، فمن خلال يومه المليء بالأحداث الصغيرة مع أقرانه ومدرسيه يحلم أن يعود إلى المنزل ليجد أمه في انتظاره ليقص عليها تفاصيل يومه، فيخبرها بكلمات الثناء التي حصل عليها من مدرسته.

ويتوقع أن يجد لديها آذانا صاغية وكلمات ثناء أخرى تكون حافزاً جديداً له على التفوق والاستمرار، فإذا لم يجد هذا الاهتمام وهذه الأذن الصاغية سيفقد الحافز ويفتر حماسه وتصبح رغبته في التفوق أقل حدة.

وتضيف أن لحظة عودة الطفل إلى منزله لها دلالات مهمة في حياته، فإذا عاد ولم يجد أحداً شعر بالوحدة والوحشة وربما الخوف، لأن الأم حين تعود من العمل تكون منهكة وليس لديها القدرة على الإصغاء والتركيز.

وقد حكت لي زميلة تعمل موظفة بالشؤون الإدارية أنها كانت تعود يوميا من العمل فتجد ابنها في هيئة رثة في ملابس المدرسة دون أن يقوم بأي نشاط مفيد منذ عودته، وحين كانت تسأله متى عدت؟

يقول: (من بدري) لكنها اكتشفت أنه كان يكذب باستمرار، والحقيقة أنه بعد المدرسة كان يذهب للعب في الشارع ويتسكع حول البيت ولا يعود إلا قبل عودتها بدقائق. وهذا الرأي يتفق مع دراسة اجتماعية حول آثار بقاء الأطفال بمفردهم لفترات طويلة داخل المنزل، حيث توصلت إلى أن التبول الإرادي للأطفال من 6-12 عاما أحد أهم هذه المظاهر، ويمثل نسبة كبيرة بين الأطفال المصريين ويليه التعلثم والتهتهة بينما يشكل القلق النفسي القاسم المشترك بين غالبية أبناء المرأة العاملة.

وتقول الدارسة ان من أهم سلبيات ابتعاد الأم عن طفلها سواء للعمل أو للسفر الدائم التأثير على الصحة النفسية للطفل، وأهم مظاهره عدم التحكم في التبول واضطرابات الكلام والعجز في عملية التحصيل الدراسي، وبعض الاضطرابات السلوكية مثل العناد والعنف والكذب والسرقة والتشتت والحركة الزائدة على طريق (إن غاب القط، العب يا فار).

حب ورعاية

وتعلق د. سامية الساعاتي، أستاذ علم الاجتماع على هذه الظاهرة فتقول: ليس هناك مكان سوي يمكن أن ينمو فيه الطفل مثل الأسرة بقطبيها الأم والأب، ففي سنوات عمره الأولى ينمو ويتطور معتمدا عليهما ومتوحدا معهما، فيفعل كما يفعل والده ويتصرف مثله.

ومن ثم فالآباء يلعبون دوراً مهماً في توافق أولادهم خصوصا فيما يتصل بنموهم وكينونتهم، فالعلاقات الأبوية الحميمة تؤدي إلى التوافق النفسي لأولادهم، وإهمال هذه العلاقة يؤدي إلى سوء التكيف والتوافق، فالأبوة تعني الحب والرعاية وهي وظيفة تؤدي بطرق متنوعة وأساليب مختلفة.

وغياب الأم بالذات عن طفلها يؤدي إلى اختلال توازن الطفل النفسي وبشكل خاص في مرحلته العمرية الأولى، لأنه يعتمد عليها ويتعلم منها فإذا افتقدها فلابد له من بديل فإن لم يكن هناك بديل تعرض لأزمة.

أما د. محمد المهدي، أستاذ علم النفس بالقاهرة فيؤكد أن الطفل في حاجة إلى نوع من الوجود الإنساني المشبع من جانب الكبار في كل مرحلة من مراحل حياته العمرية حتى يكون قادرا على استبدال ضعفه بسلوك ثابت متزن، كما أن نموه يتأثر بالبيئة المحيطة نفسيا واجتماعيا.

ويعاني من قصور شديد في حالة تعرض بيئته الأسرية إلى أزمات أو توترات، لذا فالطفل حين يعاني من ظروف قاسية فإنه لا يتحملها، وحين يحرم من عطف الكبار ويعاني في طفولته من نقص الخبرة الاجتماعية فإنه يظهر عجزاً في الاتصال وفي العديد من أنواع السلوك السلبي.

دور الأمهات

وكشف دكتورة نجوى عبدالجواد، أستاذ الاقتصاد المنزلي بجامعة حلوان في دراسة لها بعنوان «دور الأمهات في حماية الأطفال من الأخطار المنزلية» عن بعد آخر لظاهرة أطفال المفاتيح، وهي ما يتعرض له هؤلاء الأطفال من حوادث منزلية من جراء وجودهم بمفردهم، ما ينتج عنه عجز وتشويه أو وفاة.

فتذكر الدراسة أن الأطفال يتعرضون للكثير من الأخطار والحوادث التي تشكل خطرا على حياتهم في محيط الأسرة وما تتصوره الأم أشياء عادية، متناسية أن الطفل في هذه المرحلة تقوم حياته على اكتشاف ما حوله، وقد أشارت بعض الأبحاث إلى أن ثلاثة آلاف طفل يموتون جراء حوادث داخل المنزل، وذكرت موسوعة التربية أن نسبة الحوادث المنزلية بلغت ضعف نسبة حوادث الطرق والعمل.

كما أوضحت دراسة حديثة بمركز رعاية الطفولة بجامعة عين شمس، أن حوادث المنزل غالبا ما تقع بنسبة أكبر بين الإناث عن الذكور، وأن إصابات المنزل تشكل ثلث أسباب وفيات الأطفال في مصر وتشمل مسبباتها الحروق والجروح أو السقوط من أعلى أو التسمم.