تبادلت الجزائر والرباط في المدة الأخيرة الرسائل بما يبعث على الاعتقاد بوجود نية مشتركة للتواصل حول ملفات ثقيلة ظلت مؤجلة لسنوات طويلة.

بداية «النزول إلى الميدان» كانت بزيارة قام بها كاتب الدولة (وزير) الجزائري لشؤون الجالية في الخارج بن حليم بن عطا الله إلى الرباط حملت في الظاهر صبغة اقتصادية اجتماعية وإنسانية، التقى خلالها مسؤولين مغاربة وممثلين عن الجالية الجزائرية المقيمة بالرباط والدار البيضاء ووجدة والمسؤولين في السفارة والقنصليات الجزائرية بالمغرب.

وجاءت الزيارة تجسيداً لطلب قدمته الخارجية الجزائرية رسمياً للسلطات المغربية يتعلق بممتلكات الجزائريين من أراض وعقارات ومنقولات خلفوها وراءهم حين رحّلوا قسراً من المغرب بعد اندلاع أزمة الصحراء الغربية العام 1975.

وجاء بيان صدر عن الخارجية بأن هذه الزيارة الأولى من نوعها «تشكل في حد ذاتها إشارة قوية باتجاه سلطات بلد الاستقبال.. وتعد أيضاً التفاتة تضامنية باتجاه جاليتنا المقيمة بالمغرب التي تعد ظروفها الاقتصادية والاجتماعية جد صعبة»، وجاء فيه أيضاً إن «الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لجاليتنا يكتسي بالنسبة للجزائر أهمية قصوى».

ونقلت صحف جزائرية وأوروبية أخباراً وتقارير تفيد بأن ما خسره الجزائريون خلال ترحيلهم يتجاوز ملياري يورو وبلغت مساحات الأراضي التي صودرت منهم 20 ألف هكتار.

وبحسب التقارير الصحافية والتصريحات من المسؤولين فان الزيارة عبّدت الطريق لعمل متواصل حول الموضوع، وبالمقابل ينتظر أن يقوم الوزير المغربي المنتدب للجالية محمد عامر بزيارة مماثلة للجزائر بعد شهر رمضان الكريم لدراسة المسألة بعمق وطرح موضوع حقوق المغاربة الذين هجروا من الجزائر في الفترة نفسها وبذات السبب، وتقوم جمعيات مغربية في الوقت الحالي بجمع المعلومات الكاملة لطرح ملف التعويضات في حال استحال استرجاع الممتلكات بعينها.

ولئن كانت مثل هذه الزيارات امراً عادياً على اعتبار أن البلدين مع التشنج طويل المدى بينهما لم يقطعا التواصل وتبادل الوفود، فان توقيتها هذه المرة طرح على المتتبعين سيلاً من التساؤلات تصب في معظمها بخانة التقارب.

فعلى الصعيد المحلي جاءت بعد أيام قليلة من خطاب مفعم بالمودة أرسله الملك محمد السادس للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة بمناسبة عيد استقلال الجزائر في الخامس من يوليو الماضي أكد فيه سعيه الدائم لتعزيز أواصر الأخوة وحسن الجوار والتلاحم بين الشعبين، تلاه خطاب قوي من بوتفليقة للعاهل المغربي في العشرين من أغسطس الماضي بمناسبة عيد الملك والشعب، أعرب فيه من جهته عن التزامه التام بتطوير العلاقات وتجاوز كل ما يمكن أن يعطل بناء المغرب العربي الكبير المزدهر.

رسالتا الزعيمين حملتا لغة مشتركة وتقاطعتا في نقطة الالتزام بتجاوز العقبات التي صمدت طويلاً أمام مساعي إنهاء خلافات عمرها بعمر استقلال الجزائر.

ويضاف لهذا الاستعداد الذي أعرب عنه زعيما البلدين عاملان غاية في الحساسية والأهمية خاصة وان مصدرهما اكبر قوة في العالم وهي الولايات المتحدة التي «مسكت العصا من الوسط» منذ اندلاع الأزمة وتتمتع بعلاقات اقتصادية ضخمة مع الجزائر وعلاقات سياسية ممتازة مع الرباط.

فبالأمس اقتصر الحديث على فتح الحدود وموضوع الصحراء واليوم تشعب إلى الممتلكات المسلوبة من أصحابها في البلدين، ومستجدات أخرى تطرح سيلاً من الأسئلة قد يحتاج الجواب عنها مزيداً من الانتظار.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي