على مدى عقد من الزمان، تقريبا، سعت تحالفات دولية تقودها الولايات المتحدة إلى دعم وتأييد جهود لبناء نظم ديمقراطية في أفغانستان والعراق. نظر المجتمع الدولي إلى مسألة بناء نظام سياسي ديمقراطي على أنها عنصر أساسي في نجاح عملية إعادة بناء كل من الدولتين، اعتقادا بأن وجود نظام ديمقراطي سيكون أكثر شرعية وعدلا.
وبالإضافة إلى ذلك، كان صناع السياسة الأميركية يأملون في أن نجاح الديمقراطية في هاتين الدولتين سيطلق عملية تحولات واسعة في منطقة الشرق الأوسط الكبير، التي أفرزت سلبيات واقعها السياسي والاجتماعي والجيوسياسي، التشدد والإرهاب العالمي، والصراعات العنيفة.
كانت الجهود لدعم الديمقراطية في أفغانستان والعراق تجري، بينما كانت الدولتان تتعاملان مع التحديات الأخرى المتعلقة بإعادة البناء. ومن أجل إعادة توحيد كل من الدولتين المنهارتين عمل المجتمع الدولي على تطوير مواثيق وطنية، فيما بين عرقيات مختلفة وجماعات رئيسية.
بناء الدولة كان ضروريا أيضا. ميراث الطغيان الذي استمر لعقود في الدولتين منع ظهور مؤسسات يمكنها أن تؤدي وظائف الدولة الطبيعية، وأن تكسب ثقة شعوبها.
واجهت الدولتان، أيضا، تحديات تفكيك وحل الميليشيات وحركات التمرد. تحقيق التنمية الاقتصادية وإعادة البناء مثل بؤرة اهتمام أخرى. كان الهدف هو تحسين مستوى المعيشة وإظهار أن النظام الجديد يمكنه أن يحقق رخاء أكبر.
طموحات
بذلت جهود من أجل تحقيق هذه الطموحات، رغم أن الكثير من الأطراف حاربت ظهور النظام الديمقراطي المأمول. فلول الأنظمة السابقة، والمتمردون الجدد، والإرهابيون الإقليميون شكلوا تحديات أمنية متواصلة.
ولا تزال تظهر تعقيدات وتداعيات جديدة بسبب الصراعات بين القوى المتدينة وتلك الأكثر علمانية، وبسبب رفض النخب القوية تقاسم السلطة مع الآخرين، أو الانصياع لقواعد النظام الجديد، وبسبب بيئة إقليمية غير مرحبة.
الملامح الرئيسية لعملية إحلال الديمقراطية تمثلت في ترتيبات سياسية انتقالية مبدئية، وخريطة طريق انتخابية، وصياغة دساتير جديدة، وتنمية المجتمع المدني، وترسيخ مبادئ حقوق الإنسان الأساسية، وتأسيس مبدأ سيادة القانون، وتأسيس أحزاب سياسية، وبناء مؤسسات حكومية فاعلة.
كلتا الدولتين حققت تقدما على الكثير من تلك الجبهات. غير أن مستوى التقدم لم يكن منتظما، كما حدثت بعض النكسات. وهناك تشابهات وتناقضات بين مساري العمليتين في أفغانستان والعراق.
وبالنظر إلى التحديات التي تواجه إحلال الديمقراطية، في ظروف فترة ما بعد الحرب، فان مناطق التركيز الرئيسية يجب أن تتمحور حول تحقيق استقرار من خلال اتفاقات سياسية بين الجماعات المهمة، وتحقيق استقرار المؤسسات الدستورية والحكومية، والاهتمام بكفاءة النظام الانتخابي والأحزاب السياسية، وظهور قيادة سياسية مخلصة للمصالح الوطنية وليس المطامع السياسية الضيقة.
لا شك أن ما يحتاجه البلدان بشدة هو فترة انتقالية من أجواء الحرب إلى أجواء السلم. فبعد أن تهدأ نيران الصراعات الداخلية، تدخل الأوضاع السياسية «مرحلة زعماء الحرب»، حيث تصل السلطة إلى أيدي هؤلاء الذين يسيطرون على البلاد بقوة السلاح.
ويمثل هذا مشكلة بالنسبة للذين يسعون لانجاز العملية الانتقالية، الذين يجب أن يعملوا على تقليص نفوذ الجماعات المسلحة. وفي هذا الإطار يمكن استخلاص ثلاثة دروس رئيسية من العملية الانتقالية نحو الديمقراطية في أفغانستان والعراق.
دروس مستقاة
أولا، يجب صياغة وتصميم قواعد اللعبة بطريقة تجعلها تنتج آليات سياسية تستجيب لاحتياجات وظروف الدولة المعنية. ثانيا، على الأطراف الخارجية أن تنخرط بشكل مستمر في نقاش مع القادة المحليين، وتحفزهم نحو تبني استراتيجيات سياسية تقود بلادهم إلى الأمام. هذه مشاركة غير ملموسة لكنها حاسمة في اتجاه تحقيق انتقال ناجح نحو الديمقراطية.
ثالثا، يجب، وبشكل حاسم، تشكيل وتعبئة قوى سياسية بناءة. وعلى الأقل، يجب على الولايات المتحدة أن تبذل المزيد من الجهد لتشجيع القوى الديمقراطية على الترابط حتى تكتسب نفوذا أكبر. هذا الأمر ضروري من أجل دعم قيام نظام ديمقراطي.
وفي نواح أخرى من عملية إحلال الديمقراطية، كان التقدم كبيرا في كل من أفغانستان والعراق. وتعمل، الآن، مئات الصحف، وعشرات من محطات التلفزة والراديو، بمستويات غير مسبوقة من الحرية.
ورغم أن ضعف مستوى الأمن والتهديدات، التي تأتي من الميليشيا والمتمردين، لا تزال تمثل تحديات لوسائل الإعلام، فان الرقابة الحكومية تكاد تكون معدومة.
كما أن المنظمات غير الحكومية تتكاثر هي الأخرى بشدة كالفطر. ويعمل الألوف من مثل هذه الجمعيات حاليا في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، والمطالبة بقوانين عمل أكثر عدالة، وتعليم أفضل، وفي مراقبة الانتخابات، وحتى في مجال حماية البيئة.
تقدم عراقي
حقق العراق تقدما أوضح وأسرع مما تحقق في أفغانستان، فيما يتعلق بدعم مبدأ سيادة القانون. توضيح الظروف الجارية في كل من الدولتين يفسر هذا الاختلاف.
العراق يملك موارد طبيعية وبشرية أكبر كثيرا مما تملكه أفغانستان، وهو ما يمكن تسخيره لإصلاح مؤسسات الدولة العراقية وقوات الأمن. على العكس من ذلك، فان الأطراف الخارجية تعهدت بتقديم موارد محدودة لمهمة إعادة بناء قوات الأمن الأفغانية والمؤسسات القانونية، على الرغم من أن هذه المؤسسات يجب أن تبنى من لا شيء.
في البداية، صاغت الأطراف الدولية خططا لبناء قوات الأمن الأفغانية اعتمادا على حجم الموارد والمساعدات التي تعهد المانحون بتقديمها، وعلى العوائد التي يتوقع أن تحققها الحكومة الأفغانية. كانت أهدافهم فيما يتعلق بقوات الأمن متواضعة، اعتمادا على التوقعات الأولية المفرطة في التفاؤل بأن هذه القوات ستعمل في بيئة أمنية هادئة.
ورغم أن أفغانستان والعراق بهما الكثافة السكانية نفسها تقريبا، فقد افرز العراق عددا من القوات الأمنية يفوق ما توفر في أفغانستان بثلاث مرات. وربما السبب في ذلك أن تضاريس أفغانستان الصعبة ومساحتها الأكبر وتفرق التكتلات السكانية، وصعوبة الاتصالات، يصعب من مهمة القوات الأمنية فيها.
أهمية القيادة
كان للقيادة السياسية أثر فعال على سير الأحداث في كلا البلدين. الاختلاف في نوعية القيادتين وكفاءتهما له علاقة شرطية معقدة بمستويات التقدم، التي تحققت، في مجال بناء الدولة، والديمقراطية، وسيادة القانون. ومن الواضح أيضا، أن الأطراف الدولية يمكنها مساعدة الزعماء المحليين، لتحسين أدائهم بشكل واضح.
الرئيس الأفغاني حامد قرضاي نموذج واضح في هذا الصدد. في السنوات الأولى بعد سقوط نظام طالبان، تم تقديمه على أنه زعيم كفء ومؤثر يمكنه تحقيق الوحدة السياسية والتقدم إلى درجة اعتقد نفر قليل أنه بالإمكان تحقيقها. وفي الآونة الأخيرة، واجه قرضاي اتهامات بأنه يسترضي زعماء الحرب، وأنه غير قادر أو غير راغب بمواجهتهم. والواقع أن الأمر معقد.
فبين العامين 2003 ،2005 قاد قرضاي عملية سياسية دعمتها الولايات المتحدة نجحت في تفكيك الميليشيات في أنحاء البلاد، وضم الشخصيات المهمة، التي أيدت الدستور وعارضت المتشددين مثل طالبان، في العملية السياسية. كان هذا انجازا رئيسيا، وسانده الشعب الأفغاني.
ولكن، في السنوات التالية، لم يحافظ قرضاي، ولا الولايات المتحدة، ولا الأطراف الخارجية الأخرى، على هذا الزخم نحو إعادة سياسة أفغانستان إلى طبيعتها، وتحسين أداء نظام الحكم.
كان هذا هو السبب الذي قلص التأييد لقرضاي. ولذلك فالكثيرون متشائمون بشأن ما يمكن لقرضاي أن يحققه. ويمكن لأميركا أن تساعد في إحياء أجندة إصلاحات قرضاي من خلال شراكة وثيقة مع حكومته.
حركة التفافية
كان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي هدفا لانتقادات مماثلة في العامين 2006 و 2007. وخلال العام 2007 كان قد تقارب مع ميليشيا دينية مثل، جيش المهدي، وقوات جماعة مقتدى الصدر.
ولكن بحلول ربيع أو صيف العام 2008، قام المالكي بحركة التفافية عنيفة، وغير توجهه من الاسترضاء إلى المواجهة العنيفة. ووجه ضربات عنيفة إلى ميليشيات مسلحة عدة في مناطق مختلفة. ولم يكن للمالكي أن يحقق مثل هذا التغيير، من دون نمو كبير في قدرات القوات الأمنية العراقية.
ورغم نمو القوات الأمنية الأفغانية، هي الأخرى بشكل كبير، لم يشعر قرضاي بالقوة الكافية لمواجهة زعماء الحرب والمتمردين. وفي الانتخابات الأخيرة، تحالف مع زعماء الحرب، معتبرا ذلك ضروريا لفوزه.
كما كان يفكر في مهاجمة حلفائه السابقين، بينما كانت طالبان تمثل خطرا أكبر. كان ذلك بكل تأكيد من أسباب تردي علاقته بالولايات المتحدة، في العامين الماضيين. وعلى واشنطن أن تحسن علاقاتها بقرضاي، إذا أرادت تغيير هذه الأوضاع.
إحلال الديمقراطية في أفغانستان والعراق حقق نجاحات ونكسات. والتجارب التاريخية تثبت أن الديمقراطيات تحتاج لوقت حتى تنضج. وبكل المقاييس فان الديمقراطية في البلدين لا تزال غضة.
وبالإضافة إلى كل التحديات الداخلية، يحيط بكلتا الدولتين جيران يقلقهم ظهور ديمقراطيات قوية ومستقرة بالقرب منهم. وحاول بعضهم، سرا وعلانية، تقويض تقدمهما. وعلى كل حال فان النجاحات كانت أكبر من النكسات حتى الآن، وتظل فرص النجاح أكبر من فرص الفشل، بمساعدة ديمقراطيات العالم المتقدمة.
بقلم: زلماي خليل زاد - ترجمة: عصام بيومي
