زرت العراق أخيرا. كانت تلك زيارتي العاشرة له منذ سقوط نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين. في هذه الرحلة كانت لي ملاحظات، وانطباعات، واستنتاجات، وتحليلات مختلفة للعملية السياسية المعقدة في العراق.
بداية، وبالنسبة للعملية السياسية المعقدة. كانت نتائج انتخابات مارس الماضي انتصارا مدويا للعراق، وللمصالح الأميركية، لأن العراقيين صوتوا لحزبين يعتبران بصفة عامة الأكثر علمانية، والأكثر بعدا عن الميليشيات، علاوة على أنهما الأقل ارتباطا بالعنف الطائفي، والأكثر تطلعا لتحقيق آمال الشعب نحو التقدم السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي.
ولكن، لسوء الحظ، ولاعتماد العراق نظام القائمة النسبية في التصويت الانتخابي، فلم يفز أي حزب بأغلبية واضحة. بدلا من ذلك، فاز حزب «القائمة العراقية» بزعامة إياد علاوي ب91 مقعدا من مقاعد البرلمان ال325، بينما فاز حزب رئيس الوزراء نوري المالكي، «ائتلاف دولة القانون»، ب89 مقعدا.
ولم تفز الأحزاب الأخرى إلا بالفتات. لم يفز أي منهما بالأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة وهي 163 مقعدا. علاوة على ذلك، فان الخلاف يدور بشدة حول منصب رئيس الوزراء.
وفي غضون ذلك تقف الأحزاب الصغيرة في موقف المتفرج في انتظار الحزبين الكبيرين لتقديم عروضهما لتشكيل ائتلاف قوي يستطيع الإمساك بالسلطة. هذه الأحزاب تتحفظ في إبداء مواقفها حتى لا تذهب مع الفريق الخاسر، وتفقد فرصة المشاركة في المناصب الحكومية. والمشكلة أن أيا من حزبي علاوي والمالكي، لم يستطع، حتى الآن، إقناع عدد كاف من تلك الأحزاب بمساندته.
وبدا أن المالكي حقق تقدما طفيفا، عندما تحالف مع الائتلاف الوطني العراقي، الذي يعد هو نفسه بمثابة زواج قسري، بين الصدريين والمجلس الأعلى الإسلامي في العراق. لكن هذه الصفقة افتقرت إلى اتفاق حاسم حول من سيكون مرشح الكيان الجديد لرئاسة الوزراء.
فالصدريون والمجلس الأعلى الإسلامي يرفضان ترشيح المالكي، بينما يفضل الصدريون إبراهيم الجعفري، ويفضل المجلس عادل عبد المهدي. والمالكي من جانبه لا يقبل بأن يكون أحد غيره رئيس الوزراء.
وبالتالي فهو لم يستفد كثيرا من هذا التحالف في صراعه الرئيسي مع حزب علاوي. وفي ضوء فشل المالكي في تحقيق اتفاق مع الائتلاف الوطني، فإن السؤال المهم هو:
هل يستطيع المالكي إقناع أو رشوة أو إجبار الصدريين على قبوله مرشحا لرئاسة الحكومة؟ إلى الآن يبدو الصدريون مقتنعين بالانتظار، لإجبار المالكي على التسليم بأنه لن يكون رئيسا للحكومة مرة أخرى.
وفي ظل ذلك، وتحت ضغوط من الأمم المتحدة وأميركا، بدأ المالكي اتصالات مع قائمة علاوي. وبدا أن الهدف الأكبر لدى المالكي من تلك الاتصالات، هو إخافة الصدريين والضغط عليهم لقبوله رئيسا للوزراء.
أسلوب القائمة العراقية
ومن جانبها تنخرط «العراقية»، فيما يبدو، في محاولة استراتيجية مزدوجة المسار، من أجل الفوز. فهي تنتظر بصبر شديد حدوث تصدع في الجبهة الشيعية وانضمام حزب أو أكثر إليها، وهناك مؤشرات قوية إلى ذلك.
ولكن من الخطأ الاعتقاد بأن «العراقية» تكتفي بالصبر والسلبية. فالكثير من قادتها يتحركون بقوة في اتجاهات أخرى مؤثرة، منها التركيز على أحقية حزبهم في أخذ المبادرة الأولى لتشكيل الحكومة، كونه الحزب الفائز بالعدد الأكبر من المقاعد، وهو ما ترك أثرا كبيرا في الأطراف الخارجية المعنية.
كما فندت «العراقية» رأي رئيس مجلس القضاء مدحت المحمود، الذي حاول تبرير منح المالكي الفرصة الأولى لتشكيل الحكومة الجديدة، موضحة أنه رأي غير دستوري. وانتظر زعماء «العراقية» تدخل الولايات المتحدة والأمم المتحدة وأطراف خارجية أخرى لحل الأزمة، وترجيح كفة علاوي.
ورغم أن النفوذ الأميركي في العراق يتراجع، فانه مازال مهما جدا، وخاصة مع تطلع الكثير من العراقيين إلى واشنطن كوسيط لمساعدتهم للخروج من هذا الوضع. وإذا فعلت واشنطن ذلك، فسيكون هناك احتمال حقيقي لأن يشكل علاوي حكومة جديدة.
ولكن عند ذلك سيعتقد العراقيون أن ذلك دليل إضافي مقنع على أن واشنطن كانت تريده رئيسا للحكومة، وأن ذلك سيترتب عليه فوائد تقدمها الولايات المتحدة للموالين له.
كما أن علاوي سيصبح في وضع يمكنه من توزيع المناصب الوزارية. وقد يؤدي ذلك إلى اقتناع الكثير من الأحزاب العراقية بالمسارعة بالانضمام إلى الحكومة، لاقتطاف الثمار أولا والحصول على أفضل الحقائب الوزارية.
الأمن والمشكلات العالقة
تحتل العلاقات بين الأحزاب مكانة مهمة في الخريطة الأمنية للعراق. وللآن لم تتحول الخلافات السياسية بين تلك الأحزاب إلى عنف ملحوظ. ولكن تبقى هناك مخاطر حقيقية من أن تلجأ تلك الأحزاب إلى العنف لإخافة، أو لتصفية، المنافسين، أو التأثير في عملية المساومات السياسية لمصلحتهم.
ولا يزال هناك، من دون شك، الكثير من بين زعماء الميليشيات السابقين الذين يعتمدون طريقة أخرى لكسر الجمود في العملية السياسية، تتمثل في اغتيال أو تخويف زعماء الجماعات المنافسة.
الحقيقة ان مثل هذه التصرفات لا تزال قليلة نسبيا حتى الآن، وكلها على مستوى محلي، لا على مستوى الصراع السياسي في البلاد. وبالمقاييس العراقية، فانه لا تزال هناك فرصة للجوء الزعماء السياسيين للعنف، للحصول على ما لم يحصلوا عليه بالتفاوض.
إلى ذلك يجب القول إن العراق لا يزال يواجه عددا من المشكلات الأمنية العالقة، التي تحتاج إلى عدم نسيانها، ونحن نبحث مستقبل العراق ومستقبل سياسة التعامل معه.
من المهم الانتباه إلى أن دولا مثل العراق عانت من حرب أهلية متعددة الصراعات الطائفية، لديها احتمالية عالية للانتكاس ومعاودة الحرب. وتشير الدراسات الأكاديمية إلى أن احتمال تجدد الحرب يصل إلى 50% في السنوات الخمس التالية لوقف القتال.
ويكون الاحتمال أقوى عندما تكون الدولة غنية بالموارد الاقتصادية. لذلك، لا يزال العراق معرضا بشدة لتجدد الحرب الأهلية. جماعات الإرهاب والتمرد لم تندمل تماما.
والغضب والخوف متفشيان. كما يجب الانتباه إلى أن معاناة الناس من الحرب ليس عاملا لمنع تجددها، لأن الذي يحدد تجددها الظروف والقيادات، وليس الاستياء الشعبي. وشروط تجدد العنف متوفرة. كما أن عددا مخيفا من القادة يبدون مقتنعين بأن عودة العنف أفضل لهم من استمرار السلام. وتجب الإشارة هنا إلى أن العراق لم يصل بعد إلى وضع الدولة الطبيعية أمنيا، حتى بالمقاييس العربية. فلا يزال العشرات يقتلون كل يوم.
ولا يزال العراقيون يدفعون ثمنا باهظا لهذا الوضع الأمني، إذ تخصص الحكومة معظم ميزانيتها للنفقات الأمنية، وستظل كذلك لسنوات طويلة مقبلة. والمدن لا تزال مليئة بالحوائط الأسمنتية والحواجز الأمنية. التحرك ليس سهلا.
والجريمة المنظمة والفساد في تزايد. البنية التحتية لا تزال مدمرة وعاجزة بسبب الحروب والإهمال. وباختصار، لا يزال العراق بعيدا جدا عما يحلم به العراقيون. إنه ليس مجتمعا طبيعيا، وهو ما سيؤثر في المطالب السياسية للشعب.
سحب سود
رغم بدء تدفق المزيد من الاستثمارات الأجنبية على العراق، وخاصة في القطاع النفطي، فان الاقتصاد العراقي يواصل التدهور. البطالة وقلة ساعات العمل في ازدياد. قطاعا المياه والزراعة يواجهان مشكلات بنيوية داخلية وخارجية من جيران العراق.
المصانع العراقية لا تنتج إلا القليل، ولا تقوى على المنافسة الإقليمية. الطلب على الكهرباء يبتلع الزيادة في الإنتاج الذي تزيد من معاناته مشكلات النقل والتوزيع. والعراقيون لم يعودوا قادرين على العيش في هذا الحرمان، ويتساءلون عن أسباب فشل الحكومة في التعامل مع تلك المشكلات. يتوقع المسؤولون الكبار في الحكومة العراقية أن تحل كل هذه المشكلات، في المستقبل القريب مع تزايد عائدات النفط.
ولكن هذه التوقعات تبدو سابقة لأوانها حيث ان من المرجح أن يبقى العراق يعاني لسنوات عدة أخرى، قبل أن تنقذه أموال عائدات النفط. فالتوسع في إنتاج النفط العراقي سيكون بطيئا، على الأرجح.
كما أن الاتفاقات الموقعة مع شركات النفط العالمية تعطي الأولوية لتلك الشركات للحصول على الأرباح مقدما، ولا تترك إلا القليل للحكومة العراقية، على مدى السنوات المقبلة.
وسيواجه العراق أزمات مالية خطيرة، في المدى القريب، مع تزايد الإنفاق على قطاع الكهرباء والبنية التحتية والتعليم ضمن سعي السياسيين العراقيين لامتصاص غضب شعبهم. وبالأخذ في الحسبان ضعف فرص العراق في الحصول على قروض ائتمانية أو استثمارات أجنبية، فان هذا الموقف قد يفجر مشكلات سياسية خطيرة أو خيارات سياسية صعبة، في السنوات المقبلة.
الانتخابات التي شهدها العراق هذا العام يمكن أن تكون أهم انتخابات في تاريخه. النظام السياسي لم ينضج بعد، ولكنه ليس وليدا للتو أيضا. الشعب أوضح أنه يريد التغيير، وتوقع أن تحدث تلك الانتخابات ذلك التغيير. والنظام السياسي لا يزال رخوا لكنه قد يتماسك سريعا. لكل هذه الأسباب، ستبقى الانتخابات الأخيرة تحدد معالم النظام السياسي العراقي لعقود مقبلة.
بقلم: كينيث بولاك - تر جمة : عصام بيومي
