أكد رئيس الوزراء العراقي السابق وزعيم تيار «الإصلاح الوطني»، أحد مكونات الائتلاف «الوطني العراقي» إبراهيم الجعفري، في حوار مع صحيفة «البيان» في مقر إقامته ببغداد على أن العراق بحاجة لرئيس وزراء قوي يحيط به وزراء أقوياء ما يجعله قادراً على تطبيق الدستور والقانون وعلى مسايرة التوترات الداخلية التي تلف بالمشهدين السياسي والأمني.
واعتبر الجعفري أن العراق لم يشهد مصالحة وطنية بالمعنى الحقيقي تساهم في الحفاظ على الأمن والاستقرار، مضيفاً أن ضغوطاً جماهيرية وسياسية دفعت تجاه التحالف مع رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي الذي قال إنه ضد رفضه بشكل مسبق. وفيما يلي نص الحوار:هل هناك ضغوط إقليمية أو دولية تخلق التجاذبات القائمة بين الفرقاء السياسيين في العراق؟هناك خليط من العوامل تتداخل فيها العوامل الوطنية بالعوامل الإقليمية وتظهر على المسرح السياسي العراقي وهي ليست سراً على أحد.
وربما النموذج العراقي هو من النماذج القليلة التي يطفو فيها على السطح الخلط بين الوضع الإقليمي والدولي بالوضع الداخلي، ما يعكس اهتمام أو خوف مشترك من قبل الدول الإقليمية. وانا أقول هناك تدخل اقليمي ودولي في هذا الشأن، إلا أن التجاذبات تأتي أيضاً من التنافس بين الكتل.
ألا يقع اللوم على السياسيين كونهم يطرقون أبواب هذه الدولة أو تلك للحصول على الدعم؟
أتفق معك تماماً، فكل بلد يكون السياسيون فيه على استعداد لقبول التدخل الاجنبي فإن القوى الأجنبية سترحب بذلك بالطبع. وليس من المقلق ان تكون لبعض السياسيين علاقات مع بقية دول العالم، ولكن الذي يثير القلق كيفية ادارة هذه العلاقات. فبعض البلدان ليس لديها استعداد ان تفسح المجال للتدخل في شؤونها.
دخلتم الانتخابات بقائمة منفصلة وعدتم للائتلاف مع «دولة القانون» بعد الانتخابات، فهل كان ذلك بهدف احتفاظ الشيعة برئاسة الوزراء؟
كانت هناك ضغوط كبيرة تدفع إلى التحالف مع المالكي أولها ضغوط جماهيرية تتمنى على الأحزاب الشيعية ان تتماسك. وحتى كانت هناك ضغوط من بعض القوى السياسية لإعادة اللحمة بين الائتلافين «العراقي» و«دولة القانون».
وهناك أيضاً ضغوط من قبل قوى صديقة تمنت علينا ذلك. هل هناك مستقبل إيجابي ل«التحالف الوطني» وسط التشرذم الذي يكاد أن يعصف به؟
التحالف هو تعبير عن إرادة شعبية.
ويخطئ من يتصور ان خروجه عن الارادة الوطنية قد يحقق له الأهداف المرجوة. ولكن للاسف جاءتنا ثقافات اجنبية عملت على تجزئة الواقع السياسي، وهكذا جرت الانتخابات بقوائم سنية وشيعية وكردية وغيرها. ولا اشك ان هناك قوى أجنبية غذت ودفعت باتجاه تقسيم العراق، إلا ان ذلك لم ينجح لأن العراق بطبيعته يعيش بانسجام بين مكوناته.
وضع كركوك
الخلاف مع الأكراد بشأن كركوك ووضعها في الدستور العراقي كان من أسباب تنحيك عن منصب رئاسة الوزراء، هل لا يزال الخلاف موجوداً؟
كان الخلاف بشأن المادة 140 من الدستور. وكان من المفروض إجراء استفتاء في العام 2007 بخصوص كركوك ووضعها. ونحن الآن في 2010.
ما الذي حصل هل جرى الاستفتاء؟ إذن الموضوع ليس اعتراضاً على شخص الجعفري وانما كانت عملية منافسة وضيق أفق ومزايدات إعلامية وقعت فيها بعض الشخصيات الكردية وبمعزل عن الاحزاب الكردية والشعب الكردي. اما عن الدستور، أقولها وبشجاعة نعم هناك كثير من التحفظات على الدستور.
رفض المالكي
ما أسباب رفض بعض القوى للمالكي كمرشح تسوية لتولي رئاسة الوزراء؟
نحن الآن على أعتاب مرحلة جديدة ومن حق الجميع تقديم مرشحيهم، وليكن بينهم المالكي ولنختار الأصلح بينهم. وبالعودة الى العام 2007، طرح موضوع تغيير المالكي ومورست ضغوط علي للعمل على ذلك ولكني رفضت بشكل قاطع.
وقد ناشدتني وفود للتصدي لحكومة المالكي وأن أكون بديلاً له لكنني رفضت. أما اليوم، فأنا ضد فكرة الرفض المسبق لأي مرشح أو القبول المسبق لأن المفروض ان ندقق النظر في كل المرشحين لنختار الأصلح منهم.
لماذا لم تطرحوا رسمياً مرشحاً عن الائتلاف «الوطني العراقي» وما الذي يؤخر تقديم مرشحكم؟
هذه نقطة ضعف لا أنكرها، لأننا ان قلنا لأي مرشح اننا غير مقتنعين بادائك فيجب ان نقدم المرشح البديل، وان نتجاوز تعدد المرشحين لنصل الى خيار واحد لاسيما اننا اصبحنا التحالف الاكبر بحسب المادة 76 من الدستور.
هناك خلافات ومخاوف لدى بعض الأطراف، وهذا ما نحن بصدد النقاش بخصوصه لتجاوز هذه الخلافات لأننا نريد رئيس وزراء يمثل الجميع وان يعمل وفق الدستور، ولسنا مع حصر صلاحيات رئيس الوزراء، لأن الدستور منحها له. وان كان هناك خلل في الدستور فيمكننا تغييره، وليس المعنى ان نغير الدستور وفق الرغبات.
القائمة العراقية
كيف ستتعاملون مع إصرار «القائمة العراقية» على حقها في تشكيل الحكومة؟
نحن لا ننكر على «العراقية» سعيها لتولي رئاسة الوزراء، ولكن ألم يكن التحالف كتلة واحدة في الدورة السابقة ورئيس الوزراء الحالي هو من أتى به الائتلاف؟ صحيح اننا اختلفنا كتحالف قبل الانتخابات ولكننا عدنا وانهينا الاختلاف.
ونحن نرى ان قوة الائتلاف وقوة «العراقية» وقوة الاكراد هي من قوة العراق وهكذا ستنتج العملية السياسية برلمان قوي. على أيه حال أنا لست بصدد مغازلة «العراقية».
مواصفات سياسية
هل يمكن أن تصف لنا ملامح رئيس الحكومة المقبلة؟
لا يمكن في هذه المرحلة ان نختار رئيس وزراء غير قوي، والقوة هنا ليست «الشخصنة» وليست خرق القانون وليست إقصاء أحد، وانما هي تطبيق الدستور والقانون. وبما ان وضع العراق استثنائي فالخدمات معطلة والارهاب والموت موجود اذن انا اطالب ليس فقط برئيس وزراء قوي، بل بأن يكون جميع وزرائه أقوياء. ورسالة أوجهها عبر «البيان» بألا يكون هناك إصرار على شخص لا تتوفر فيه مقومات الانسجام مع طبيعة الظرف الحالي الذي نمر به.
ألا يعطي تعطيل البرلمان الحكومة صلاحيات أوسع من دون وجود السلطة التشريعية؟
لا يمكن ان نتصور أبداً بلداً من دون حكومة. إن تأخر تشكيل الحكومة الجديدة هذا لا يعفينا ان نتعامل أو نتعاطى مع الحكومة الحالية حتى لو تحولت إلى تسيير أعمال لأننا من دونها سنتحول إلى الفوضى.
ومع وجود الحكومة الآن ونتيجة الخلافات على تشكيل الحكومة الجديدة نرى علامات القلق والفوضى والاغتيالات وارتفاع معدل العنف في الشارع العراقي، فكيف هو الحال من دون حكومة؟
هل نجح المالكي في نشر المصالحة الوطنية وتعزيز مواقف «دولة القانون»؟
أحب أن أوضح أنني أول من دعا إلى «دولة القانون» وذلك مدون في رسالة الشكر التي وزعتها على الوزراء في حكومتي آنذاك. وكان قصدي ان تبدأ الحكومة بتطبيق القانون فتكون قانونية.
أما المصالحة الوطنية، فأنا أسمع شعارات عنها ومؤتمرات ومهرجانات ولكن المصالحة الحقيقية التي تجعل حامل السلاح يحمل القلم ويساهم ببناء العراق الجديد لم تحصل ولهذا ليس هناك مصالحة وطنية حقيقية.
لماذا لا تتدخل المرجعية الدينية في النجف لإجبار القوى على إنهاء الخلافات؟
المرجعية الدينية لا تريد ان تتدخل بالصورة التي تفرض رأيها، وانما هي توصل رسائل الى كل من يصل اليها وتوجه بأن الشعب يريد خدمات وأمن واستقرار. ولقد كسبت احترام الجميع لأنها استقبلت الجميع بكل مكوناتهم.
العراق ليس طرفاً في الصراع الإيراني الأميركي
أكد رئيس الوزراء العراقي السابق إبراهيم الجعفري أن العراق ليس طرفاً من أطراف الصراع بين الولايات المتحدة وإيران حتى في ظل التواجد الأميركي على أرضه وبحكم الجوار الإيراني له.
وقال: «نحن نتمنى ألا يكون هناك أي أزمة دولية أو إقليمية ونحاول جاهدين ان نمنع مثل هذه الأزمات. وان حصلت فنحن مرتبطين بمنظومات دولية وإقليمية تحدد مساراتنا، ولهذ لا نريد ان نكون مع أي طرف من أطراف النزاع أو معادلة إقليمية».
وأوضح الجعفري خلال سؤاله عن إمكانية تحول العراق إلى ساحة صراع بين الطرفين، قائلاً: «هنا يأتي مفهوم السيادة الذي نركز عليه ولا يمكن للسيادة ان تتجزأ وهذا يقع على عاتق الحكومة المقبلة.
لسنا مستعدين ان نكون منطلقاً للإضرار بأي شعب من شعوب العالم». وفيما يخص الانسحاب الأميركي، قال: «انا مع الانسحاب واعتقد ان تواجد اي قوات اجنبية على ارض بلد ما هي علامة غير صحية، ورغم ان هناك ظروفاً جلبت هذه القوات نحن لسنا مسؤولين عنها لكننا نتحمل مسؤولية جلاء هذه القوات في أسرع وقت».
وأردف: «ولهذا أقول ان جاهزية القوات الأمنية ليست بالمستوى المطلوب حالياً، ويجب ان نعمل جاهدين لملء أي خندق تغادره قوات الاحتلال وبكفاءة وجهوزية عالية».
أما فيما يخص رؤيته لعلاقة العراق بدول الجوار، فقال إن «هناك وجهات نظر متباينة حيال ذلك». وأضاف: «أما ما اعتقد بصحته واتمناه فهو يعتمد على إبرام علاقات قوية مع دول الجوار من موقع العراق القوي، وما لم نبني عراقاً قوياً سنكون عرضة للتدخل من قبل هذه الدول، وعلينا ألا نفكر كثيراً كيف نمنع التدخل بقدر تفكيرنا بكيفية صناعة عراق قوي عصي عن التدخل وعندها سيكون موقفاً قوياً بحسب المتطلبات المرحلية».
حوار- جعفر النصراوي

