مركز قرطبة الثقافي الإسلامي في نيويورك، الذي يثور الجدل حاليا حول بنائه، على مقربة من موقع مبنى برج التجارة العالمي المدمر، يعرف باسم «بارك 51»، وهو من اقتراح أمام مسجد، اسمه فيصل رؤوف وزوجته دايسي، المسلمين الأميركيين، المعروفين بجهودهما في التقريب بين الأديان والمعتقدات.

مشروعهما لإقامة المركز حصل على موافقة سلطات نيويورك المدنية، وعلى دعم عمدة المدينة مايكل بلومبرغ، لكنه فجر عاصفة من الجدل في عموم أميركا.بعض المعارضين لبناء المركز يقولون إنه سيمثل إهانة لمشاعر أقارب ضحايا تفجيرات 11 سبتمبر. ويعترف المحامي بول ويلر، من بافالو، والذي فقد شقيقته في التفجيرات، بأن رؤوف وزوجته يتصرفان في حدود حقوقهما الدستورية لكنه يقول: «فقط، لا أعتقد بأنه من المناسب فعل ذلك».:موسم انتخابات:ولا يجب على المرء أن يكون معادياً للإسلام لكي يعتقد مثل كثير من الأميركيين، بأن موقع مركز برج التجارة العالمي السابق موقع مقدس. ولكن للأسف، ففي موسم الانتخابات تم استغلال تلك المشاعر الدينية كقضية سياسية من قبل زعماء جمهوريين مثل، عضو الكونغرس السابق نيوت جنجريتش، والمرشحة السابقة للرئاسة سارة بالين.

ومع ازدياد سخونة الجدل حول بناء المركز، فقد تحول الأمر برمته إلى اختبار مصداقية لكل شيء، من حقوق الملكية العقارية إلى التسامح الديني. لكن من الواضح أن الكثير من معارضي بناء المركز تحركهم حالة كراهية للإسلام مترسخة في نفوسهم.الموقع المقترح لبناء المركز قريب بالفعل من موقع مركز برج التجارة العالمي، ولكن الحقيقة التي أغفلت وسط كل هذا الصخب وضجيج الاحتجاجات هي أن المسلمين يمارسون صلاتهم في هذا المكان منذ أكثر من عام.ولكن منذ أوائل أغسطس، تأججت التظاهرات التي جعلت المشرفين على المشروع، الإمام رؤوف وزجته، في حالة دهشة. وتتوالى الضغوط على الزوجين لكي ينقلا موقع المركز إلى مكان آخر أقل إثارة للخلافات.:نماذج لمعاداة الإسلام:كما دفع الجدل المستعر البعض إلى إجراء عمليات تدقيق جديدة في نماذج أخرى من معاداة الإسلام والتظاهرات المعادية للإسلام. وهو ما يطرح السؤال: هل أميركا في مشكلة مع الإسلام؟ هل أدت هجمات 11 سبتمبر وما تلاها من محاولات، إلى استبعاد المسلمين تماماً من عملية الاندماج في الحياة الأميركية؟

على الرغم من أن تاريخ كراهية الإسلام في أميركا يفتقر إلى بعض العناصر التقليدية مثل الاضطهاد الديني، فإنه ليست هناك إشارة إلى أن العنف ضد المسلمين يتزايد. لكن، وعلى سبيل المثال، هناك أدلة متواترة على أن خطاب الكراهية ضد الإسلام والمسلمين ينمو بطريقة أكثر سخونة وأكثر اتساعاً.

وفي الوقت نفسه، أظهر استطلاع حديث للرأي أجرته «تايم» بالتعاون مع مركز أبحاث آخر أن 46% من الأميركيين يرون أن الإسلام يشجع على العنف ضد الذين لا يدينون به، أكثر من أي دين آخر.

وأن 61% يعارضون بوجه عام تنفيذ مشروع المركز، بينما يؤيده 26% فقط. وقال 23% من الذين استطلعت آراؤهم إن المركز سيمثل رمزاً للتسامح الديني، بينما قال 44% إنه سيمثل إهانة للذين قتلوا في الهجمات في 11 سبتمبر 2001.

مقارنات

كراهية الإسلام في الولايات المتحدة لا تصل إلى ما هي عليه في دول أخرى يمثلون فيها أقلية سكانية. فليس في أميركا حالة مشابهة لفرض فرنسا حظراً على ارتداء المسلمات للنقاب.

وليس هناك ما يشبه القانون السويسري بحظر بناء منارات المساجد. وتقول الاستطلاعات إن معظم المسلمين في أميركا يشعرون بالحرية في ممارسة دينهم أكثر من أي مكان آخر في العالم.

ولكن أن تكون مسلما في أميركا، في هذا العصر، فعليك أن تتجرع آلام التعرض لرشقات الحجارة والسهام الموجهة إلى معتقدك. وهناك أدلة على تنامي الشكوك ومشاعر العداء للمسلمين.

ليس فقط في فناء المدرسة أو في مكتب العمل، ولكن أمام مكان عبادتك وفي الميادين العامة، حيث يقف بعض زعماء أميركا السياسيين والدينين، الأكثر تأثيرا، ليربطوا من دون وعي أو ربما عمداً، وهذا أسوأ، بين الإسلام وبين الإرهاب والوحشية.

في فرنسا وبريطانيا، يحدث أن يتفوه سياسيون من أحزاب هامشية أو متطرفة بكلام معاد للإسلام، لكن ليس هناك في عموم أوروبا رجل في مكانة رفيعة، ساوى بين الإسلام والنازية، كما فعل رئيس مجلس النواب الأميركي السابق نيوت جنجرتش، أخيراً.

الحجة الرئيسية التي يستخلصها المعادون للإسلام من الجدل الدائر هي: «ان المسلمين لا يمكن ولن يكونوا أبداً مواطنين أميركيين كاملين»، حسبما يشير إيبو باتيل، وهو مسلم أميركي وعضو في المجلس الاستشاري الخاص بالشؤون الدينية للرئيس الأميركي باراك أوباما.

ومن المفهوم أن تكون أكثر المواجهات سخونة حول المساجد. فسكان أميركا من المسلمين يتوزعون، داخل الأراضي الأميركية، بشكل أكثر تناثرا مما هم عليه في أوروبا، باستثناء وجودهم بكثافة كبيرة في مدينة مثل ديربون بولاية ميتشغان.

وأماكن العبادة هي أكثر الأماكن تعرضاً لحملات الكراهية. ولكن هناك المزيد من المساجد. فهناك حالياً 1900 مسجد؛ بزيادة نحو 700 مسجد عن العام 2001. لكن الكثير منها مجرد أماكن مؤقتة للصلاة داخل المتاجر والمكاتب. وعندما يحاول المسلمون بناء مساجد حقيقية يصبحون أكثر عرضة للهجوم.

افتراءات

حجة أخرى يسوقها مناهضو الإسلام هي أنه، بما أن معظم الهجمات ضد الأميركيين يشنها مسلمون ينطلقون من قناعاتهم الدينية، فلا بد أن يكون الإسلام دين عنف. ويتم في هذا الصدد استقطاع آيات من القرآن من سياقها للتلويح بها أدلة كاذبة على أن الإسلام يطلب من أتباعه قتل الآخرين أو تحويلهم إلى اعتناق الإسلام.

كما يستخدم هؤلاء أحكام الشريعة التي تقضي برجم الزناة كدليل على وحشية الدين المزعومة. ويستنتج هؤلاء من هذه الطريقة في التفكير أن الإسلام يدعو للعنف، ومن هنا فإن الحقوق والحريات الدستورية لا تترتب لأتباعه.

وإذا كان عدم التسامح الديني لا يزال يوجه نحو ديانات أخرى، فإن السم الزعاف يكون من نصيب المسلمين. يقول فرانكلين جراهام وهو ابن قس معروف بعدائه الشديد للإسلام، هو القس بيلي جراهام، في تصريحات للمجلة: «إن مشروع مركز قرطبة يجب منعه، لأن المسلمين سيمشون على تلك الأرض قرب موقع مركز التجارة العالمي، وأي منطقة يمشون فيها سيعلنون أنها ملكهم. سيعلنون الآن أن أرض مركز التجارة العالمي هي ارض إسلامية»!

وتجدر الإشارة إلى أنه في كل مكان كان الهجوم على الإسلام بطريقة واضحة، انبرى مسيحيون ويهود وجماعات علمانية، لاستنكار ذلك الهجوم. والمسلمون بصفة عامة قليلو الصداقات، لكنهم شعروا في الأسابيع الأخيرة بأن من يفترض أن يكونوا أشد حلفائهم قد تخلوا عنهم، في إشارة إلى بعض الديمقراطيين، الذين في أحسن الأحوال، التزموا الصمت أو ساندوا الرأي المؤيد لنقل المسجد لمكان آخر.

أوباما يتراجع

الرئيس الأميركي بدوره، ساهم في تقلب مشاعر المسلمين بين الأمل واليأس من بناء المركز. ففي اليوم الأول من شهر رمضان استضاف عشاء لزعماء مسلمين في البيت الأبيض ودافع عن حقوقهم الدستورية في ممارسة عقيدتهم، وبشكل غير مباشر في بناء المركز. لكنه عاد في اليوم التالي وسحب تصريحه، قائلاً إنه لم يكن يتحدث عن بناء مركز قرطبة.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا تصاعدت حدة كراهية الإسلام هكذا فجأة؟

بعض المسلمين الأميركيين يقولون إن المسألة ليست مفاجئة، وإن الكراهية موجودة منذ سنين. وآخرون يرون أنه كانت هناك قمم وقيعان لهذه الكراهية منذ 11 سبتمبر.

ويذكّر المعلق الأميركي المسلم افتخار، بحملات الكراهية، التي شنها أمثال بات روبرتسون وجيري فالول عقب الهجمات، حيث شوهوا الإسلام إلى أبعد الحدود. وأيضا بتصريحات سياسي يدعى ساكسبي تشامبلس الذي دعا آنذاك إلى اعتقال كل المسلمين، قبل أن يعتذر عن تصريحاته في ما بعد.

بوش لا يعلق

لم تخف حدة السم الموجه ضد الإسلام إلا عندما أعلن الرئيس جورج بوش معارضته لأي أعمال انتقامية ضد المسلمين، قائلاً إنه دين سلام، وهو ما أيده كبار مسؤولي إدارته.

وفي حين تراجعت ثقة المسلمين في بوش بعد ذلك بسبب غزو العراق وقتل المسلمين هناك بعشرات الألوف، فإن بعض المحللين ينسبون إليه الفضل في كبح جماح كراهية الإسلام. وفي هذا الصدد فقد رفض بوش التعليق على مسألة بناء مركز قرطبة عندما طلبت منه المجلة ذلك.

وقرب نهاية عهد بوش انشق كثير من الجمهوريين عن هذا الخط. وكان أخطر تبعات ذلك إصدار مركز «بو» للدراسات في العام 2007، دراسة تحت عنوان «مسلمو أميركا»، زعم فيها أن عدد المسلمين في الولايات المتحدة لا يزيد على 35 .2 مليون نسمة، وهو عدد يقل كثيراً عن الإحصاءات الكثيرة السابقة التي كانت تقدر عدد المسلمين في أميركا بما يتراوح بين 6 إلى 8 ملايين نسمة.

وقد جعل ذلك بالطبع المسلمين أكثر عرضة للهجوم. وأوحى للناس بأن المسلمين مجموعة قليلة العدد ولا يجب الاهتمام لأمرهم.

بقلم ـ بوبي غوشو

ترجمة ـ عصام بيومي