في اجتماع ضم وزراء خارجية عدد من الدول، عقد في نيويورك أخيراً، قال وزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو : «تركيا بلد أوروبي، آسيوي، شرق أوسطي، بلقاني، جار لأفريقيا، فهي خليط من كل هذا». وتلخص هذه العبارة مدى التنوع والمرونة في السياسة الخارجية التركية، لدرجة أن المعلقين لا يجدون وصفاً دقيقاً لتلك السياسة، فالبعض يميل إلى القول إن تركيا الحالية هي الدولة العثمانية الجديدة، وآخرون يسمونها الجمهورية الإسلامية، وغير ذلك. غير أن الكل متفقون على أن تركيا بلد ديمقراطي، واثق من قدراته، ويتطور بسرعة كبيرة، على الرغم من وقوعه وسط منطقة حساسة من الناحية الجيو سياسية، وتبرز أهمية تركيا السياسية في الوقت الحاضر أكثر من أي وقت مضى، لدرجة أنه لا تُذكر قضية دولية إلا وتُذكر تركيا معها.
وقد عانت تركيا، ولا تزال تعاني، من أزمة ثقة بينها وبين حلفائها الغربيين، حيث يتهم الكثير من السياسيين والنقاد الغربيين تركيا بالخيانة، بسبب دورها السلبي، بحسب ما يرون، في كثير من المواقف، ومنها منع القوات الأميركية من ضرب العراق انطلاقاً من الأراضي التركية، وموقفها من الحصار الإسرائيلي على غزة، هذا بدلاً من أن يروا في تركيا شريكاً صادقاً، لا يقبل المهادنة على المباديء والثوابت، التي ارتكزت عليها سياسته الخارجية المعاصرة، حتى أن عدداً من السياسيين الغربيين طالبوا بطرد تركيا من حلف «ناتو».
ويشير المراقبون في هذا الصدد إلى أنه ينبغي أن لا تُبنى التحالفات الإستراتيجية بين الدول على التملق والنفاق، كما ينبغي مراعاة مصالح الدول الحليفة، فتركيا كانت على حق في تخوفها من حالة عدم الاستقرار، التي سيخلفها الحلف في العراق، كما أن الحصار الاقتصادي على العراق ترتبت عليه نتائج مدمرة على الاقتصاد التركي، في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة وأعضاء «ناتو» الآخرين في مأمن من أية تبعات، هذا بالإضافة إلى أن تحركات تركيا كانت منسجمة مع أهداف أميركا والحلف السياسية، رغم تعرضها لتجاوزات من جانب الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف، في أكثر من مناسبة، وكان لتركيا الحق في أن تتهم أوروبا بالخيانة، لكنها لم تفعل.
طالما تمنت أميركا ودول «ناتو» وجود نظم ديمقراطية في العالم الإسلامي، وتركيا تعتبر نموذجاً ديمقراطياً مميزاً، لهذا يرى الكثير من المراقبين أنه ينبغي على دول الحلف النظر إلى تركيا باحترام واهتمام أكبر، بدلاً من شجبها وإدانتها لدورها الذي لا يتفق،أحياناً، مع مصالح السياسة الغربية.
دور أساسي
أحمر
قلة من الدول، في عصرنا الحاضر تمتلك القدرة على أداء دور أساسي في الساحة السياسية الدولية مثل الذي تمتلكه تركيا، فتحقيق الاستقرار في أفغانستان والعراق لا يمكن أن يتم إلا بوجود دعم ومشاركة تركيين فاعلين. ويشير المراقبون إلى أنه بالإضافة إلى هذا، فتركيا تحقق التوازن المطلوب في وجه روسيا، بفضل قوتها الإقليمية، وبفضل تعاونها في مشاريع مثل مشروع خط أنابيب غاز نابوكو، الرامي إلى تقليص هيمنة روسيا على إمدادات أوروبا الغربية من النفط والغاز الطبيعي