من يرفض حق اليهود في تعريف أنفسهم كشعب، يحرمهم من حق إنساني أساس. الرفض العربي لقبول إسرائيل كدولة يهودية يدل على شيء ما عميق وخطير. عدم الاستعداد لقبول حق تقرير المصير (التعريف الذاتي) للشعب اليهودي.
مثل قراء كثيرين استمتعت من المفارقة الرقيقة، حس الدعابة الحاد والأمثلة العربية الذكية في مقال سلمان مصالحة («مطعم يهودي وديمقراطي»، 89). ولكن كل هذا لا يمكنه أن يغطي على سوء الفهم الأساس الذي يقبع في أساس الجملة الختامية فيه: «لا توجد دولة يهودية وديمقراطية مثلما لا توجد إسلامية وديمقراطية». هنا يدفن الكلب، إذا كان مسموحا لنا أن نواصل أمثلة الحيوانات.
يهود وعرب
في أساس هذه الجملة سوء فهم عميق ــ ومأساوي ــ يميز الكثير من المواقف العربية بالنسبة للهوية الإسرائيلية. ولكن جوهر الثورة الصهيونية هو في الفهم بان اليهود هو شعب، وبصفتهم هذه فان لهم حق تقرير المصير القومي في إطار سياسي. هذا المبدأ قبلت به الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني 1947، بقرارها تقسيم بلاد إسرائيل إلى دولتين - يهودية وعربية (وليس يهودية وإسلامية - مسيحية).
لا ريب: في الهوية اليهودية يوجد عنصر ديني، سواء على المستوى التاريخي أم في عصرنا هذا، بالضبط مثلما يوجد بعد ديني في الهوية القومية البولندية أو بعد إسلامي في الهوية القومية العربية، النبي محمد لا يعتبر فقط نبي الإسلام: فالعرب المسيحيون يرون فيه أيضاً بطلاً قومياً عربياً.
التعريف الذاتي
إحدى المشاكل التي تجعل صعبا حل النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني هي بالضبط هذه المسألة - صعوبة الطرف العربي في الاعتراف في أن اليهود في دولة إسرائيل يرون أنفسهم كشعب. الهوية هي موضوع تعريف ذاتي، وليس موضوع تعريف خارجي. بالضبط مثلما لا يقرر اليهود إذا كان هناك شعب فلسطيني أم لا (هناك كثيرون في أوساطنا بالفعل لم يهضموا بعد وجود الشعب الفلسطيني)، ليس سلمان مصالحة هو الذي يقرر إذا كان اليهود هم شعب أم لا: هذا موضوع لتعريفهم الذاتي.
من يرفض حق اليهود في تعريف أنفسهم كشعب، يحرمهم من حق إنساني أساس. الرفض العربي لقبول إسرائيل كدولة يهودية يدل على شيء ما عميق وخطير. عدم الاستعداد لقبول حق تقرير المصير (التعريف الذاتي) للشعب اليهودي.
يهودية وديمقراطية
ولما كان الحديث يدور عن هوية قومية وليس عن هوية دينية، يحتمل أن تكون دولة يهودية وديمقراطية، تماما مثلما يحتمل ان تكون دولة عربية وديمقراطية.
هذا، بالمناسبة، ما هو مكتوب في دستور لبنان، الدولة العربية التي رغم كل مشاكلها تقيم نظاما يقوم على أساس الانتخابات والمبادئ الديمقراطية.
في المادة ب من المقدمة للدستور اللبناني جاء: «لبنان هو دولة عربية حسب هويته وصلاته». المادة د تقضي بان «الشعب هو مصدر السيادة والصلاحيات».
تعبير آخر: «لبنان يرى نفسه كدولة عربية وديمقراطية. كما أن دستوري سوريا ومصر يقرران بان هويتهما عربية ونظامهما ديمقراطي. حتى ولو كانت ممكنا القول، بأقل التعابير، بانه توجد مشاكل بالنسبة للجانب الديمقراطي من النظام في هذه الدول واضح أن لواضعي هذه الدساتير لم يكن شك في انه على المستوى المبدئي لا يوجد تضارب بين كونها دولة عربية وكونها ديمقراطية.
وبالفعل، «عربية وديمقراطية» نعم، ولكن «يهودية وديمقراطية» لا ــ في قاموسي ينم هذا التمييز عن رائحة عنصرية بعض الشيء.
هآرتس - شلومو افينري
إضاءة
في المفهوم العربي الدارج، «اليهود» يناظرون «المسيحيين» أو «المسلمين». بتعبير آخر: هم طائفة دينية، وليس شعبا. ليس العرب وحدهم يفكرون هكذا ولا ريب انه على مدى مئات السنين اعتبرت الهوية اليهودية، في نظر اليهود وغير اليهود على حد سواء، كهوية دينية أساساً.
إسرائيل ترى نفسها كدولة القومية اليهودية، بالضبط مثلما هي بولندا دولة القومية البولندية واليونان هي دولة القومية اليونانية، أو كما هي الدولة الفلسطينية، حين تقوم، سترى نفسها كدولة القومية الفلسطينية.
