دفعت حرارة الصيف الرطبة، في مدينة تزدحم بنحو 15 مليون نسمة، يسكن معظمهم في الشقق الأسمنتية المعلبة، العديد من سكان اسطنبول إلى تناول وجبات إفطارهم في الهواء الطلق، حيث مكيفات الهواء أبعد ما تكون عن مستلزمات المنازل، نظرا لبرودة الجو القارسة في الشتاء واعتداله في أشهر الربيع والصيف والخريف.
وتزامن صيام شهر رمضان في هذا العام مع أعلى ارتفاع في درجات الحرارة تشهده اسطنبول منذ سنوات طويلة، مصحوباً بأجواء رطوبة خانقة. وكما سعت بلديات ومنظمات مدنية إلى تنظيم مآدب إفطار في الشوارع والساحات والحدائق، اندفعت العديد من العائلات التركية، إلى تناول إفطارها في مآدب الشوارع، أو في الساحات والحدائق العامة. كما نظمت العديد من الأسر دعوات افطار لضيوفها في تلك الحدائق، فضلا عن عشرات الآلاف الذين قرروا قضاء الساعات الممتدة من وقت الإفطار حتى وقت السحور في تلك الحدائق والساحات.
يقول عمدة بلدية منطقة بي أوغلو في وسط الجانب الأوروبي من اسطنبول، أحمد مصباح ديميرجان، ان برنامج الإفطار في الهواء الطلق الذي تم تنفيذه هذا العام بسبب موجة الحر والرطوبة المفاجئة لقي استحسانا كبيرا من الجمهور، حيث تضاعفت أعداد الأسر المشاركة فيه.
ويواصل ديميرجان القول بأن تقليد الافطار في الشوارع وفي الهواء الطلق، تقليد اسطنبولي قديم، لكنه يختفي في السنوات التي يكون فيها الصيام في فصل الشتاء أو في الأشهر الباردة نسبياً ضمن فصلي الربيع والخريف، وهو في هذه السنة عاود الظهور بانتشار ملحوظ، مشيرا إلى ان من شأن هذا التقليد تقوية الروابط الاجتماعية بين اسر الحي الواحد.
الإفطار الجماعي
وأوضح ان بعض الأسر كانت تحجم عن الذهاب إلى خيم الافطار الجماعي لاعتقادها ان هذه الخيم مخصصة لإفطار الفقراء والمحتاجين، ولكن هذا الشعور تبدد بعض الشيء مع إمكانية جلب الأسر لإفطارها المعد منزليا معها إلى الخيم الرمضانية، ماجعل من ممارسة هذا الطقس التقليدي مفضلا لدى كثيرين هربوا من معاناة الحر في المنازل.
تقول حلمية اكسوي، وهي سيدة من منطقة الفاتح الشهيرة وسط اسطنبول، إنها تريد المشاركة في الإفطار الجماعي في خيم البلدية كل ليلة، حيث تصطحب أحفادها معها لتناول تلك الوجبات، بعد ان فقدت ابنتها، وتؤكد انها في بعض الأحيان لا تجد مكانا لتناول الافطار، حيث تكون الأماكن قد امتلأت بالقادمين، مشيرة إلى طقس رمضاني جميل حيث تصطحب الكثير من الأسر أطباقها الخاصة وتتشارك مع اخرين، ربما لا تعرفهم، في تناولها.
البعد عن العائلة
«من الصعب إعداد الإفطار عندما تعيش بعيداً عن عائلتك» هكذا بدأ الطالب الجامعي اوفوك ياشيل حديثه عن إفطار الشوارع، موضحا انه اتى لتناول الإفطار الجماعي مع ثمانية من الأصدقاء الذين جاؤوا من مدن تركية مختلفة للدراسة في جامعة اسطنبول.
وتشير سعيدة خطيب اوغلو، من حي أيوب سلطان، حيث مرقد الصحابي الجليل ابو ايوب الأنصاري، الذي كان ضمن أول حملة اسلامية لفتح القسطنطينية، إلى ان اسرتها تذهب إلى الحدائق العامة بعد صلاة التراويح، هربا من حرارة الجو الخانقة، مصطحبة معها ما تبقى من طعام وجبة الافطار، حيث تستمر في السهر هناك حتى وقت السحور، لتتناول سحورها هناك وتعود إلى المنزل، لتحظى ببضع ساعات من النوم قبل ان يستيقظ أفرادها متجهين إلى أماكن أعمالهم.
ويشير ديميرجان إلى ان بلديته تعتزم مواصلة برامج الإفطار في الشوارع، لأن صيام رمضان سيتزامن مع أشهر الصيف لعدة سنوات قادمة.
اسطنبول- كامل عبد الله

