هل الشهر الكريم على اليمن هذا العام في ظروف اقتصادية وسياسية وأمنية تبدو شديد الأثر على الحالة المعيشية لغالبية السكان الذين يرزحون تحت شبح الفقر.
وقد بدأت قسوة تلك الظروف تلقي بثقلها على اليمنيين مع تراجع قيمة العملة الوطنية قبيل أيام قلائل من حلول شهر رمضان فقد تراجع سعر العملة اليمنية بنسبة 8 % منتقلا من 225 ريالا للدولار إلى 241 ريالا للدولار لتصل نسبة تراجع قيمة العملة الوطنية أمام الورقة الخضراء إلى حوالي 17 % منذ مطلع العام الجاري 2010، الأمر الذي ألقى بأعباء إضافية على كاهل غالبية المواطنين في هذه المناسبة التي ترتفع فيها متطلبات الأسرة وفقا للتقاليد الشائعة بين اليمنيين.
فعلى الرغم من أن شهر رمضان هو شهر الصوم تتقلص فيه الوجبات إلى وجبتين إلا أن النفقات الأسرية تتصاعد بوتيرة أعلى نتيجة لتنوع محتويات المائدة الناتج عن تفتح شهية الصائم على أطباق جديدة غير مألوفة في المائدة، أو نزولا عند رغبة الأطفال وكبار السن الذين اعتادوا على أن تزورهم تلك الأطباق في هذه المناسبة الدينية، لكن المؤكد أن اشتعال أسعار الكثير من المواد التي يقبل عليها الناس ستكون بعيدة عن متناول الغالبية الساحقة منهم لعدة اعتبارات أهمها: كما يقول الشاعر اليمني المعروف طه الجند: تراجع قيمة العملة أنعكس على ارتفاع أسعار السلع بمعدلات مضاعفة سواء منها المستوردة مثل التمور، والحليب.
والأرز وغيرها التي تراوح ارتفاع ثمنها مابين 40 إلى 60 في المائة، أو السلع المحلية كالخضروات والفواكه التي شهدت أسعارها تصاعدا كبيرا والسبب الذي يبرر به الباعة ذلك التصاعد هو ارتفاع الدولار».
وكان محافظ البنك المركزي اليمني محمد عوض بن همام عزا تراجع قيمة العملة الوطنية أمام الدولار إلى ارتفاع الطلب على الواردات الخارجية من السلع والمواد الاستهلاكية والملابس المخصصة لهذه المناسبة الدينية ولعيد الفطر وجلها مشتراة بالعملات الأجنبية ما سيترتب عليه ارتفاع قيمتها بالريال اليمني في الوقت الذي تبقى فيه مداخيل الناس متدنية للغاية خاصة منهم الفقراء الذين تقدر نسبتهم وفقا لمسح ميزانيات الأسرة 1998 ومسح 2006 مابين 41 إلى 34 في المئة من السكان وإلى حوالي 60 % .
إذا ما أخذت في الاعتبار المتغيرات التي شهدتها البلاد خلال الأربع سنوات الأخيرة مثل الحروب المتكررة مع الحوثيين ومواصلة الاحتجاجات في الجنوب من خلال مابات يعرف بالحراك، ومواصلة الحرب مع القاعدة في جزيرة العرب والتي أدت إلى شلل الكثير من القطاعات التي كان يعول عليها أن تعوض تراجع أسعار النفط في السوق الدولية التي تشكل 70 إلى 68 % من موارد الخزينة العامة للبلاد.
فالسياحة باتت في تراجع مستمر جراء الأعمال الإرهابية والتحذيرات التي تطلقها الدول الغربية المصدر للسياحة لرعاياها من حين لآخر أدت إلى تراجع نشاط هذا القطاع بنسبة 80 % كما يورد ذلك اتحاد الفنادق والوكالات السياحية والفنادق التي كانت تمثل مقصدا للسياح باتت تواجه عبء نفقاتها الثابتة.
فيما مواردها في تراجع إن لم يكن في جمود كما يقول أمين عبدالله علي الذي يدير فندقا في عدن، والاستثمارات في كثير من القطاعات الأخرى التي كان يعول عليها في تحريك عجلة الاقتصاد قد تجمدت بسبب الاضطرابات في الجنوب والحرب الدائرة في الشمال بين القوات الحكومية والمتمردين الحوثيين: ويقول أمين الحراك في المحافظات الجنوبية شل نشاطنا وأصبحنا مهددين بالإفلاس نتيجة تراجع عائداتنا بشكل غير مسبوق.
كما أن قرار الحكومة في رفع أسعار الوقود والمحروقات (الديزل، والبترول، والغاز، وتعريفة الكهرباء، والمياه) انسحب على ارتفاع أثمان بقية السلع والخدمات. علاة على تلك العوامل والأسباب كان لارتفاع أسعار بعض المواد الأساسية على المستوى العالمي أثرا قاسيا على قدرات المواطنين فالسكر الذي يعد المادة الرئيسية لصناعة الحلويات الرمضانية ارتفع إلى مستوى قياسي تجاوز 120 % في السوق اليمني والحليب والنشأ ارتفع واللوز واللحوم والدجاج تصاعدت بنسب تراوحت بين 25 إلى 35 % والأسماك تجاوزت نسبة الزيادة 120 % الأمر الذي أثر على الطلب على هذه المادة وأبعدها عن متناول غالبية الناس ويقول محمد عبيد مالك بوفية: «رمضان هذه السنة مختلف عن كل السنوات السابقة.
خاصة لرجل مثلي لديه أسرة مكونة من 15 شخصا يريدون سكرا للحلويات وللشاي والقهوة والمهلبية في وقت وصل فيه سعر الكيس إلى 12 ألف ريال وهذا المبلغ يمثل ثلث دخلي الشهري فما الذي سيتبقى للنفقات الضرورية كالخبز والدقيق والماء والكهرباء مشيرا إلى أن معظم الناس في مشكلة مقلقة قتلت الفرحة بهذه المناسبة الغالية على كل مسلم التي يقول: إنه وغيره كانوا ينتظرونها بلهفة عندما كان بمقدورهم مواجهة متطلبات رمضان دون مصاعب، لكن الآن يضيف عبيد «ليس أمامنا من حل سوى التخلي عن المواد التي لم نعد نقدر على شرائها».
المؤكد أن غالبية اليمنيين الواقعين تحت خط الفقر، أو غيرهم من ذوي الدخل المحدود لم يقدروا هذا العام على جلب ولو الحد الأدنى من الفرحة للصائمين والأطفال وكبار السن الذين اعتادوا في مثل هذا الشهر الكريم على كرم رب الأسرة تجاه أفرادها وحتى تجاه الغير من المعوزين الذين يدعون إلى موائد الإفطار كتقليد ديني في هذه المناسبة.
لكن يبدو أن رب الأسرة اليمنية سيتعين عليه هذه السنة أن يدبر رزقه اليسير في توفير الضروريات جراء الظروف الصعبة التي يعيشها اقتصاد البلاد ونتيجة للأوضاع المتوترة المخيمة على عدد من مناطقها ما قد يحتم على غالبية اليمنيين أن يتخلوا عن كثير من طباع الكرم التي اعتادوا على الحرص عليها في هذه المناسبة.
صنعاء ـ عبدالكريم سلام
