ينتظر مسلمو العالم شهر رمضان من كل عام للتقرب أكثر إلى الله من خلال الصوم والإكثار من الصلاة وقراءة القرآن التي تضفى على النفس نقاء وبهجة، وبالرغم من الروحانيات التي تسيطر على المسلمين خلال هذا الشهر، إلا أن هناك فريقاً من المسلمين مازال يتعامل مع رمضان على أنه شهر الطعام والسهر ومتابعة المسلسلات الدرامية والإقبال على التدخين بشراهة.. إضافة إلى ما يقوم به البعض من النوم طوال فترة الصيام وغيرها من العادات السيئة التي تبدو أكثر بروزاً خلال الشهر الكريم.
تفشي هذه العادات يصفها علماء الدين بأنها خروج عن روحانيات الشهر الكريم، بينما يراها خبراء الاجتماع تقليداً مذموماً وعادات دخيلة على مجتمعاتنا العربية.
دكتور نصر فريد واصل مفتى مصر الأسبق قال إن أكثر ما يلفت انتباهه خلال شهر رمضان هو الإسراف والتبذير الذي يكون عليه فريق كبير من المسلمين خلال الشهر، برغم أن هذه العادات لا تتفق ومبادئ الشريعة الإسلامية التي طالما حذرت من العادات المذمومة، لكن الكثيرين مازالوا ينظرون إلى رمضان نظرة ضيقة للغاية باعتبار أنه شهر الجود والخير والكرم وهو شهر التلذذ بأصناف الطعام المختلفة فتسارع الأسر إلى الأسواق لجلب ما تحتاجه وما لا تحتاجه بكميات كبيرة ليست بحاجة لها وربما تكون كافية لإطعام عدد كبير من فقراء المسلمين، بالرغم من أن الله سبحانه وتعالى خص هذا الشهر بالتقوى والإيمان وجعل الهدف منه إحساس العباد بالفقر والجوع والمساواة بين الغني والفقير، كما تناسى هؤلاء قول المولى عز وجل أن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً.
فوائد جليلة... في السياق ذاته يرى مفتي مصر الأسبق أن شهر رمضان به العديد من الحكم والفوائد الجليلة التي لا تحصى ولا تعد لقوله تعالي « كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين »، فالصائم يجب عليه عدم الإسراف في الأكل والشرب والأولى أن يتفرغ للعبادة.. مؤكداً أن الإسراف والتبذير ليس من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم أو السلف الصالح لكنها عادات وتقاليد مكتسبة بسبب متغيرات العصر التي جعلت الناس يتسابقون لشراء كل شيء ويتركون العبادات التي جعل الله هذا الشهر من أجلها.
الوسطية والاعتدال
نفس الأمر يؤكده دكتور عبدالمعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية، موضحاً أن رمضان فرصة عظيمة لمراجعة حساباتنا والبدء من جديد في صفحة طيبة مباركة عادلة، لذلك لا ينبغي أن يكون شهر الغلو والتبذير والإسراف وغيرها من السلوكيات السيئة التي يقوم بها بعض المسلمين في نهار رمضان.
بيومي أوصى ببعض الضوابط الشرعية التي يجب أن يلتزم بها المسلم سواء في رمضان أو غيره ومنها أن يكون الإنفاق بلا إسراف أو تبذير ويكون مبنياً على الوسطية والاعتدال لأن في الإسراف مفسدة للمال والنفس والمجتمع لقوله تعالى «والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً» مؤكداً أن على المسلم الالتزام بهذه القاعدة في شهر رمضان فلا يجب أن تجرفه السعة في الرزق إلى تخزين المواد الغذائية في بيته فهو بذلك يسهم في ارتفاع أسعار السلع وحرمان فقراء المسلمين منها، كما لا يجب عليه في نفس الوقت أن يضيق على أسرته إلى المدى الذي يبدل فيه نعمة الله تقتيراً.
عمل وعبادة
أما بخصوص الإسراف في مشاهدة المسلسلات الدرامية والسهر في الخيم الرمضانية والمقاهي حتى الصباح وما يصاحبها من تدخين السجائر والشيشة، فيقول د. محمد فؤاد شاكر أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر «إن القلب ليحزن كثيراً من الناس الذين فهموا رمضان على غير المراد منه وفهموه على غير الطريقة التي أرادها الله منهم فبدلاً من أن يكون شهر تقى وورع باتت العائلات أمام الفضائيات تتسامر وتضحك وآخرون سهروا حتى الصباح في الخيم الرمضانية التي تضم العديد من مظاهر الفجور وتركوا قراءة القرآن وصلة القربى والإكثار من الدعاء والعبادات».
لم يعد رمضان، والكلام لشاكر، شهر التقوى والورع لكنه أصبح شهر متابعة التلفزيون والفضائيات وشهر التفنن في إعداد أشهى أنواع الطعام والحلويات ليتحول رمضان بذلك إلى موسم للأكل والشرب وملء البطون وكأن هؤلاء المسلمين جوعى طوال العام.
ويعد الكسل والنوم في نهار رمضان من أبرز السلوكيات السيئة عند المسلمين في رمضان، لكن أستاذ الشريعة يؤكد أنه شهر عمل وعبادة وليس شهر عبادة واعتكاف فقط في المساجد أو تراخي وخمول وتقلب مزاج.. مؤكداً أن العمل في رمضان له قيمة دينية وإنسانية سامية وأخلاقية عظيمة، لذلك يجب على الصائم أن يتقي الله ويتقن عمله لا أن يهمله ويتكاسل بدعوى أنه صائم، برغم أن الكسل من الأمور التي ليس لها علاقة من قريب أو بعيد بالصيام فرمضان لم يكن يوماً سبباً في تراجع الأمة الإسلامية.
أضرار صحية
في سياق آخر، يرى الدكتور علي راشد أستاذ الصدر بجامعة القاهرة، أن هناك عادات سيئة لفريق من المسلمين في رمضان تقودهم إلى مشاكل صحية، أبرزها التدخين بشراهة بعد الإفطار مباشرة أو بعد تناول بعض المأكولات الخفيفة ليستعيض الصائم الفترة التي تركها من دون تدخين في نهار رمضان متوقعاً أنه يسد جوعه وعطشه للنيكوتين الذي يخفف حدة الصداع الذي ينتابه طوال اليوم، بالرغم من أن ذلك الخطأ الذي يقترفه الصائم له أضرار خطيرة على صحته، مفسراً ذلك بأنه في الأيام العادية يمتص الجسم 50% من النيكوتين، أما في الصيام فيكون جسم الإنسان شرهاً وبحاجة إلى النيكوتين فيمتص نحو 80% منه وبالتالي تؤثر هذه المادة على الجسم بأكمله ابتداء من البلعوم والمرئ والمعدة والأثني عشر وتحفز من ظهور الأورام السرطانية.
ولعل من أكثر العادات السيئة الخاصة بالتدخين مباغتة المعدة وهي خواء وقت الإفطار بتدخين سجائر مباشرة سواء قبل أو بعض التقاط بعض اللقيمات ما يقضي على شهية المدخن تماماً ويجعل عنده رغبة أحياناً في التقيؤ، كما يصيبه ذلك بصداع مستمر ودوار وخمول طوال الليل فضلًا عن احتمالية تعرض الجسم لصدمة تؤثر على جميع أعضائه.. لافتاً إلى أن الأبحاث كشفت أن المدخنين يعانون من الكسل أكثر من غيرهم في رمضان بالذات علاوة على مضاعفة الإصابات بالجلطات التاجية الحادة.
سلوكيات غذائية
وتلفت دكتورة عفاف عزت خبيرة التغذية إلى مخاطر إسراف الصائمين في تناول الطعام ضاربين بنصائح الأطباء عرض الحائط خاصة الذين يعانون من السمنة حيث يتعرضون لمشاكل صحية شتى، علاوة على عدم انتفاع الصائم بفوائد الصيام الصحية والتي تتمثل في تخفيف الوزن والوقاية من الأمراض وتخفيض نسبة الكوليسترول في الدم والتي تزداد معدلاته بزيادة نسبة الدهون التي تتراكم طوال أشهر العام، حيث يبدأ الجسم في التخلص منها خلال فترة الصيام لكن الإسراف في تناول الأطعمة يفقد الشخص الفائدة الصحية للصوم والتي تتحقق بالاعتدال في تناول الطعام.
وتضيف أن هناك عادات سيئة أخرى تتعلق بتناول العرقسوس بكثرة، محذراً من أن ذلك يزيد من ارتفاع ضغط الدم، كما تحذر من تناول الشاي بعد الإفطار مباشرة كون ذلك يمنع استفادة الجسم من المواد الغذائية التي يتناولها الصائم، وبالتالي من الأفضل تناول الشاي بعد الإفطار بساعة على الأقل. وتحذر خبيرة التغذية من الإكثار من تناول الحلويات أو البروتينات الحيوانية كاللحوم والدواجن.. موضحة أن الحلويات تتسبب في ارتفاع في ضغط الدم وارتفاع مستوى السكر، فيما تؤدي البروتينات إلى عسر الهضم وزيادة التعرض للإمساك.
التوتر والقلق
بدوره يوضح الدكتور محمد المهدي أستاذ الأمراض النفسية والعصبية بجامعة الأزهر، أن العصبية الزائدة التي تبدو على بعض المسلمين في رمضان ليس لها أدني علاقة بالصيام، خاصة وأن الصيام بمثابة راحة لأعضاء الجسد والمخ والمعدة، لكن هناك معلومة مغلوطة انتشرت بين الناس في الآونة الأخيرة تدعو إلى التعجب فحينما يدخل رمضان يتحول بعض الصائمين إلى وحوش وبدلاً من أن يصبح شهراً للرحمة يتحول إلى ساحة للمعارك وتصفية الحسابات فتعم العصبية والتوتر أجواء المجتمع لكن في الحقيقة الصيام بريء من تلك العادات.
لكنه أكد في نفس الوقت أن هناك أسباباً أخرى لعصبية الصائمين وسرعة غضبهم لعل أهمها أن بعض المدخنين الذين يواظبون على التدخين لمدة طويلة وينقطعون عنه لبضع ساعات يعانون من أعراض الحرمان من النيكوتين الذي اعتادت عليه خلايا الدماغ فيشعر بالعصبية وسرعة الغضب والصداع علاوة على ضعف التركيز وانخفاض المزاج والقلق وضعف الذاكرة واضطراب النوم.. لكن قدرة الله تجلت في أن تختفي هذه الأعراض إن بقي الصائم ممتنعاً عن التدخين لأن هذه الأعراض ناتجة عن الإدمان وليس عن الصيام


