دخلت أزمة الكهرباء في لبنان في بازار سياسي مفتوح على تقاذف كرة المسؤولية، حكومياً ونيابياً، فيما لم تتوقّف التعبيرات الشعبية الاحتجاجية في مختلف المناطق اللبنانية.
وبدل أن تسلك هذه الأزمة طريقها إلى المعالجة الاستثنائية، ظهر فيما بدا أن الاحتجاجات على انقطاع التيار الكهربائي في لبنان تنتهك الهدنة الرمضانيّة، متنقلةً بين منطقة وأخرى، في ظلّ العتمة المطبِقة والحرّ الشديد ليلاً ونهاراً، فإن البعض لا يزال يحاول الإفادة من هذه الهدنة لذرّ بذور فتنة شعبية..
إنها حكاية مأساة اللبنانيين، والتي لطالما كانت أداة لدى معظم القوى السياسية، إذ أن كل قوة تستطيع تجيير هذه المأساة لمصلحتها، وفي النتيجة يصبح الجميع متّهمين..
وهذا ما يحدث الآن في لبنان.. أما الصورة النمطيّة للاعتراضات فلا تتعدّى إحراق الإطارات والمناوشات مع القوى الأمنية، وخصوصاً في القرى والبلدات التي عادت إلى الشمعة والى السهر في الشارع.
تحول سياسي
وبمعزل عن كون انقطاع الكهرباء بات نقمة في معظم المناطق اللبنانية، فإن معاناة اللبنانيين تحوّلت إلى حربة بيد السياسيين، وكل فريق وظّفها وفق مصالحه الخاصة، فاختلط «الحابل بالنابل»، وبدا المشهد السياسي المرتبط بهذه القضية ما بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحرّ وقفا جنباً إلى جنب في موضوع تسييس التحرّكات، الأول للدفاع عن رئيس الحكومة سعد الحريري والثاني للدفاع عن وزير الطاقة جبران باسيل.
وإذا كان تيار المستقبل ربط أزمة الكهرباء بإقرار موازنة العام 2010، من أجل الضغط على لجنة المال والموازنة النيابية التي يرأسها عضو تكتل «التغيير والإصلاح» النائب إبراهيم كنعان للإسراع في إقرار هذه الموازنة، يرى رئيس لجنة الطاقة النيابية محمد قباني الذي ينتمي إلى كتلة المستقبل أن التحرّكات التي تحصل باسم الكهرباء تثير أسئلة عما إذا كانت تستبطن خلفيات سياسية، وخصوصاً أن الضغط على الرئيس سعد الحريري بمعظمه ليس في موضوع الخدمات، بل في السياسة، حسب قوله ل«البيان».
مطلوب حل جذري
كما يعتبر قباني أن الموضوع ليس خياراً بين حلّ آن وحلّ جذري لمشكلة الكهرباء، ف«المطلوب الاثنان معاً، باعتبار أن الحلّ الآني لا يؤمّن راحة الناس لكنه ضروري حالياً.. أما الحلّ الجذري، فيبدأ بإنشاء الهيئة الناظمة، وخصوصاً أن هناك مصادر للطاقة المتجدّدة، وهناك شركات مستعدّة لتوليد الكهرباء من الرياح، وهذه الشركات تنتظر موافقة لبنان والتي يجب أن تصدر عن الهيئة الناظمة».
إجراءات استثنائية
أما كنعان، فيرى أن مشكلة الكهرباء لا تعالج بالموازنة، بل بإجراءات استثنائية تتخذها الحكومة، ويختصر موقف التيار العوني بعبارة واحدة: «اعتدنا التعرّض لإطلاق النار في كل ملفّ»، معتبراً أن هناك تضخيماً في الاحتجاجات على الكهرباء ومحاولات لتوظيفها سياسياً، إذ «لا عصا سحرية لمعالجة الموضوع، بل هناك مسار لا بدّ منه».
إعلان طوارئ
من جهته، يرفض حزب الله وضع التحركات الاحتجاجية على انقطاع التيار الكهربائي في إطار التسييس، لكونها تلفّ كل المناطق، ويرفض قطع الطرق وحرق الدواليب لأنهما لا يوصلان إلى نتيجة ويتسبّبان بالأذى، حسب قول عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب علي المقداد ل«البيان»، والذي شدّد على ضرورة إعلان حالة طوارئ حكومية لمعالجة هذه الأزمة، بعيداً عن تحميل أزمة الكهرباء في لبنان إلى طائفة معينة.
وفي انتظار أن يخرج مجلس الوزراء بسلّة تدابير مؤقتة للتخفيف من عبء الانقطاع الدائم للتيار، وبالتالي سحب فتيل الانفجار من الشارع، فإن ما تجدر الإشارة إليه هو أن وزير الأشغال غازي العريضي طرح مبادرة لحلّ الأزمة، ترتكز على قرار وطني جامع باستئجار بواخر محطات توليد التيار، بالتزامن مع بدء تنفيذ خطّة المعالجة جذرياً..
فهل ستبقى حكومة «أولويات الناس» عاجزة عن مجرّد النظر إلى هؤلاء الناس العاجزين عن التمتع بإفطار رمضاني من دون الشمعة التي باتت ركيزة الموائد الرمضانية قبل الأطباق الموسمية التقليدية.
بيروت - وفاء عواد
