يشهد العراق اليوم احتجاجات وقتلى وجرحى في البصرة، وتظاهرات واعتقالات في الناصرية، واحتجاجات في النجف والأنبار وبغداد، وحالة إنذار أمنية في العديد من المدن العراقية، تحسبا لأعمال عنف ترافق الاستياء العام من الوضع الكهربائي الرديء، مع ارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 50 مئوية في الظل، وأكثر من 70 خارج الظل.

المتظاهرون والمحتجون غالبا ما يشيعون جنازة رمزية، ويسيرن خلف نعش ملفوف بالسواد يعبر عن «الظلام»، وعليه كلمة «كهرباء»، والشعار أو الهتاف المفضل والشائع لديهم هو «أين الكهربا.. يا دولة القانون»، في إشارة إلى الائتلاف الذي يقوده رئيس الوزراء نوري المالكي.

أكثر من سبع سنوات مضت، منذ احتلال العراق، والوضع الكهربائي ينحدر من سيئ إلى أسوأ، رغم عشرات المليارات من الدولارات التي تنفق، ولا احد يعلم أين تذهب.

والكهرباء، كما يعلم الجميع، هي عصب الحياة في العالم المتمدن، وحتى المتخلف، والعراق ليس من هذا ولا من ذاك، فهو من «العالم المرعب»، ولعل الشيء الأكثر إرهاقا للعراقيين، بعد الموت المتربص في كل زاوية، وفي كل ثانية، هو موضوع الكهرباء ، الذي بات يشكّل معاناة تقارب الموت البطيء ، ولاسيما مع حرارة الصيف الحارقة، وانعدام أية فسحة للترويح عن النفس، في أماكن كانت تسمى متنزهات وحدائق وإطلالات على مياه النهر، بما تبعثه من رذاذ رقيق ونسائم مترفة..

والآن، مع اختناق الناس بين الجدران الكونكريتية التي تغلق الشوارع والأزقة، وجدران البيوت المعتمة، أصبحت الكهرباء من الأحلام «التي كانت حقيقة»، ولا احد يستطيع الإجابة عن السؤال الكبير المحيّر.. أين ذهبت الكهرباء..؟ وكيف تبخرت..!؟

تراشق اتهامات

هناك من يقول إن الأعمال التخريبية هي التي «ضربت الكهرباء»، ولكن سائق سيارة الأجرة كامل الطائي وهو من سكنة الدورة، يرى غير ذلك، فالمسؤولون لا ينفكون عن الإشادة بأنفسهم وبمنجزاتهم الأمنية، وفي الوقت نفسه يعترفون بأجزاء من الحقيقة، عندما يتبادلون التهم بينهم. فتقول وزارة الكهرباء إن وزارة النفط لم تزودها بالوقود لتشغيل المحطات الكهربائية، وتقول وزارة النفط إن وزارة الكهرباء لم تزودها بالطاقة لتشغيل المصافي.

وتقول الوزارتان إن المحافظات تستحوذ على القسم الأكبر من الطاقة، بينما تقول المحافظات إن بغداد متخمة بالكهرباء على حساب المحافظات، حيث يصل نصيب العاصمة أحيانا إلى أربع أو ست ساعات يوميا، وهو أكثر من ضعف ما تحصل عليه أية محافظة، والحديث عن المدن الأخرى والقرى «كارثي» كأبسط تعبير.

ويضيف الطائي: «توجد مواقع الكترونية معروفة، تنشر بلاغات وبيانات الجماعات المسلحة، ولم تذكر أي منها، في يوم من الأيام، أنها استهدفت الكهرباء، أو أعلنت مسؤوليتها عن ذلك، بينما أكدت الحكومة مسؤوليتها من خلال التصريحات الكثيرة التي تحدثت عن استشراء الفساد الإداري والمالي والسرقات والإهمال، و«الاستعاضة عن الكفاءات الفنية بالكفاءات الطائفية».

الكهرباء أهم من السياسة

ويقول عبدالهادي سمير، صاحب محل في السيدية: «كنا نشتري ونبيع أنواع البضائع والأغذية واللحوم المجمدة، وكانت مخازننا عامرة، اما الآن فينبغي علينا شراء وبيع المواد سريعة الاستهلاك بسبب انقطاع الكهرباء».

ويتابع عبدالهادي القول: «لم يمر العراق بأزمة كالتي نعيشها الآن، بينما الساسة منشغلون في التنافس على المناصب، والصراع من اجل جني الأرباح والمكاسب الفئوية والشخصية.. متناسين أن قضية الكهرباء، إلى جانب الوقود، هي الأهم الآن من كل القرارات السياسية».

وبحسب المهندس الكهربائي جمعة توفيق السعدي، فإنه «إضافة إلى معاناة المواطنين، فان الكهرباء هي عصب الحركة في المجتمع ومحرك الحياة الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية».

السنوات السبع العجاف

ويؤكد السعدي ان الناس سئموا «من أكاذيب المسؤولين، الذين يعرفون أن الناس لا تخفى عليهم الحقائق، ولاسيما عندما يصرح بعضهم ان إنتاج الطاقة الكهربائية تجاوز المعدلات التي كانت قبل الحرب، ويقول: «هذا أمر مضحك..

حيث استطاعت الدولة الجديدة، كما يقولون، إضافة 2000 ميغاوات، خلال سبع سنوات، بمبالغ لا يتصورها العقل، عشرات المليارات من الدولارات، وحتى هذه الإضافة أكذوبة». ويعلل ذلك بقوله «إذا كان أولئك المسؤولون يصدقون أكاذيبهم، فلا احد غيرهم يصدق ذلك، لأن الكهرباء كانت متوفرة في السنوات الأخيرة قبل حرب 2003 بمعدل 20 و22 ساعة في اليوم للمواطنين، وهذه الكمية لا تشكل إلا نسبة 20 في المئة من الإنتاج.

أسوأ أزمة

أما المحلل السياسي سلام كاظم فيقول إن «العراق يمر حالياً بأسوأ أزمة كهرباء يمكن أن يمر بها بلد في العالم، بعد أكثر من سبع سنوات على الغزو الذي قادته الولايات المتحدة العام 2003، وما يثير الاستغراب هو أن العالم يتقدم، وان الكهرباء هي من ابرز عناوين التقدم.

بينما يشهد العراق العكس، فالسعة التوليدية لمنظومة الطاقة الكهربائية الوطنية وصلت إلى 4500 ميغاواط قبل الغزو، فيما كان المنتج في العام 2005، حسب التصريحات الرسمية، يتراوح بين 3500 و3750 ميغاواط، الأمر الذي جعل العراق يحتل أدنى المراتب في التسلسل العالمي في إنتاج الكهرباء وفي معدلات استهلاك الفرد منها.

اجتثاث الكفاءات

ويقول الأستاذ في الجامعة التكنولوجية الدكتور وليد السعدي «أنا خبير في الكهرباء لمدة 18 سنة، وقد استغنوا عن خدماتي لصالح احد المنتمين لحزب في السلطة.. ولنكن صريحين.. في الحرب الأخيرة، لم يتم قصف أية منشأة كهربائية، ولم تتعرض خزانات الوقود والمنشآت النفطية إلى أية ضربة.. فبماذا يمكن أن نفسر تراجع الكهرباء يوما بعد آخر، وبمليارات الدولارات!؟ وبماذا نفسر طرد وتهجير واغتيال الكوادر ذات الكفاءة القادرة على إعادة الكهرباء من قبل مجهولين..!؟».

أما العسكري المتقاعد صباح طه فيتحدث عن هموم الكهرباء قائلاً: «نحن في العراق الغني المتطور، وليس في بلد متخلف.. وها أصبحنا أكثر تخلفا من أي بلد.. إنهم يتحدثون عن الديمقراطية وعن العراق الجديد.. فأية ديمقراطية بائسة هذه المبنية على الجثث، وأي عراق جديد، وهم أعادونا إلى القرون الوسطى، وربما إلى العصر الحجري، كما وعد بذلك جورج بوش الأب».

بغداد ـ عراق احمد