عندما كتب ديفيد بلوف، مدير حملة الرئيس الأميركي باراك أوباما الانتخابية، أخيراً، يقول إن رئيسه السابق لم يكن مهتماً بفكرة إعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية، قوبل هذا الرأي بكثير من التشكك، فمن المعروف أن كل سياسي يتشبث بالمنصب بقوة.
كما أن الحملات الانتخابية يتم التخطيط لها قبل انطلاق الانتخابات بسنوات، ولا تصدر التصريحات المتعلقة بعدم الاكتراث بنتائج الانتخابات بقدر الاكتراث بتحقيق الإنجازات لصالح المواطنين، إلا عن أكثر السياسيين تعلقاً بالانتخابات وتأثراً باستطلاعات الرأي ومساعديهم، غير أن أوباما قد لا يكون بالفعل مثلهم.
ومن المرجح أن مدير حملة أوباما الانتخابية لديه وجهة نظر، فكل شيء يفعله أوباما يدل على أنه لا يبدي اهتماماً بفكرة إعادة انتخابه، ولا شك أن هذا الأمر غريب، لكنها الحقيقة.
لا شك في أن لأوباما وجهة نظر في تدخله بقضية مسجد نيويورك، الذي سيبنى قريباً من أطلال برجي التجارة الدوليين، ووجهة النظر هذه لا يمكن أن نفهمها، إلا إذا نظرنا لأوباما على أنه رئيس لا يهمه كثيراً أن تتم إعادة انتخابه، أما بالنظرة العامة، فسنجد أن تدخله لم يكن في محله أبداً، ولم يكن له أدنى داع أو حاجة، فمن المرجح أن لا يتم بناء المسجد على بعد أمتار فقط من موقع أحداث 11 سبتمبر.
ولم تكن هناك أية فائدة سياسية بالمرة من وراء تصريحاته، التي تشجع على بناء المسجد، صحيح أن ما قاله عن الحرية الدينية كان مطابقاً لهواه ومبادئه، فهو، في النهاية، أستاذ قانون، لكن ما كان ينقص خطابه نبرة التعاطف الحقيقية مع الأميركيين ومراعاة شعورهم حيال ما حدث يوم الحادي عشر من سبتمبر.
من ناحية أخرى، فمن البديهي أن يكون مستشاروه قد أشاروا عليه بأن يمارس النشاطات اليومية التي يمارسها الأميركيون العاديون، ليكون أكثر قرباً منهم، كأن يذهب للكنيسة كل يوم أحد، ويقضي عطله بانتظام، وهكذا، لكن أوباما اختار أن يعيش ويتصرف مثل الأوروبيين العلمانيين، فقضى إجازاته في «مارثاز فاين يارد»، وأرسل بناته إلى إحدى أفخم المدارس الخاصة، في أميركا، وأغلاها.
لا يعاني أوباما من الشك وضعف الثقة بالنفس، ومن الصعب التشكيك بدوافعه، لأنه واثق من خطاه ومبادئه منذ زمن طويل، حتى أن خطبه تحمل تلك النبرة التي تشي بأنه يعتقد بأن من يخالفه غبي أو شديد التعصب.
قبل أن يتجه أوباما، أخيراً، نحو «مارثاز فاين يارد» ليقضي إجازته هناك، انهمك لثلاثة أيام في جمع التبرعات والدعم لصالح الانتخابات النصفية، التي سيخوضها الديمقراطيون قريباً، وفي ميلووكي قال لجماهيره :
« لا تقنطوا، ولنسع لزرع الأمل»، غير أن تلك الجملة، التي حققت له النجاح الساحق في السابق، لم تعد تطعم خبزاً، في فترة ترزح الولايات المتحدة خلالها تحت وطأة الكساد والركود، ويعاني 10% من مواطنيها من البطالة، كما لم يعد ينفع كثيراً العزف على وتر إلقاء اللوم على بوش فيما جرى.
لكن أوباما، ورغم هذا، لا يزال يتمتع بوجود الجماهير من حوله، والتي تتلقف، باهتمام، كل كلمة يقولها، وفي هذا فإنه لا يتعامل مع الحقائق السياسية البشعة، كما أنه لا يكترث بوجود خصوم من حوله، فما هذه وتلك إلا هنات وذكريات لأيام أكثر بساطة وسذاجة من المستقبل المقبل، الذي يخطط له.
والذي يمكننا أن نستشف بعض دوافعه من الآن، فبالنسبة لأوباما، فإن أعظم اللحظات في مسيرته السياسية، كانت في خطبه التي ألقاها خارج الولايات المتحدة، أي تلك التي ألقاها في القاهرة مخاطباً العالم الإسلامي، وفي ستراسبورغ عندما قال فيها إن أميركا مغرورة وعنيدة، وفي قبوله لجائزة نوبل في أوسلو.
وقد وصف أوباما نفسه في برلين عام 2008 بأنه « مواطن عالمي»، وفي هذا ما يوحي بأنه يمهد شخصياً لما بعد الرئاسة، ويعد لعصر ما بعد الولايات المتحدة، حيث أن النخبة الليبرالية في «حلف اللبلاب»، وأوباما على رأسهم، يؤمنون أننا نعيش الآن في عصر ما بعد أميركا، إذ أن قلة في الولايات المتحدة هم من يؤمنون بأنهم أكبر من الرئاسة، وأوباما واحد من هؤلاء.
بقلم: توبي هارندين - ترجمة: يوسف جباعته
