قبل أربعة أعوام من اندلاع الحرب العالمية الأولى، نشر السياسي والمؤلف البريطاني «نورمان أنغل» كتاباً بعنوان «الوهم العظيم»، تحدث فيه عن أن الحرب والاستعمار قد عفا عليهما الزمن، وأن الاقتصادات الحديثة قد تغيرت نظرتها وفلسفتها للأمور.

لكن الحرب اندلعت وأخطأ أنغل في توقعاته وتحليلاته، التي يميل كثير من صناع القرار اليوم إلى تصديقها والتحدث بها، حيث أنهم يتنبأون بأن الحرب بين الولايات المتحدة والصين من الممكن بسهولة تجنبها، وهم في هذا مثل سلفهم أنغيل، فقد يكونون مخطئين، وتندلع الحرب في أية لحظة.هذا كان محور المحاضرة السنوية التي ألقاها، في جامعة سيدني الاسترالية أخيراً، جون ميرشيمر، خبير العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية.حيث قال إن السياسة هي التي سترسم ملامح السياسة في آسيا في القرن الحادي والعشرين، كما فعلت مع أوروبا في القرن العشرين، وإن بزوغ نجم الصين سيولد منافسة مع الولايات المتحدة، ما سيقود إلى احتمال نشوب حرب بين الدولتين، اللتين تعتبران الاقتصادين الأعظم في العالم.

تناقض تلك المحاضرة الفكر السائد اليوم، الذي يشير بمعظمه إلى أن المستقبل حميد بين الولايات المتحدة والصين، وخاصة من جانب الكثيرين في أميركا الذين يستندون إلى الحقيقة القائلة إن بإمكان أميركا كسب بكين عن طريق تقديم الحوافز لها، لتكون شريكاً يتحلى بروح المسؤولية، ضمن نظام عالمي تهيمن عليه الولايات المتحدة، لكن الواقع قد لا يقود إلى ذلك، وقد لا تصدق التنبؤات.كما حدث مع نخبة المثقفين والسياسيين في أوروبا قبل قرن من الزمان عندما استثنوا الحرب من احتمالاتهم، فجاءتهم من حيث لا يحتسبون، واليوم يحدث الأمر ذاته مع صناع القرار، فهم يستبعدون إلى حد كبير فكرة اندلاع حرب بين الصين والولايات المتحدة.ترتكز التنمية الاقتصادية «المسالمة»، التي يتمتع بها الاقتصاد الصيني، على أرضية صلبة.حيث برزت الصين كدولة تجارية من الطراز الأول، لكنها تظل فقيرة من ناحية دخل الفرد الإجمالي، كما نجح قطاع التصدير الصيني في توفير مئات الملايين من فرص العمل، لكن الصين لا تزال تعتمد اعتماداً كبيراً على الخارج للحصول على التكنولوجيا، ولكي تستمر في نجاحاتها الاقتصادية.

فينبغي على الحزب الشيوعي الصيني أن يوجد بيئة مسالمة ومستقرة في آسيا، ومن ناحية الولايات المتحدة، فهي لا تتمنى أن تندلع حرب بينها وبين الصين، خاصة في وقت تخوض واشنطن خلاله حربين في العراق وأفغانستان، لكن القراءة النظرية للوقائع قد لا تكون دقيقة دوماً.

اعتمد تحليل أنغل على حقائق غير مكتملة للعوامل التي تؤدي لبناء العلاقات بين الدول الكبرى، لذلك فهو غير صحيح، حيث أنه تغاضى عن مسألة التنافس الاستراتيجي الشديدة، التي تغير من نهج العلاقات بين الدول الكبرى، وخاصة تلك المتعلقة بالتنافس البحري المطرد، التي نشأت بين بريطانيا، في ذلك الوقت، والقوة الصاعدة بسرعة الصاروخ، ألمانيا.

بالإضافة إلى هذا، أغفل أنغل التركيز على الجانب البشري، وما قد يعتريه من أخطاء في الحسابات والخطط الإستراتيجية، وهذا ما حدث خاصة من جانب القيصر الألماني فيلهيلم الثاني، والتي قادت هفواته لاندلاع الحرب.

تقوم إستراتيجية الصين الرئيسية ومنذ أيام القائد السابق «دينغ شياو بينغ» على تجنب الوقوع في حرب مع عدو أكثر عدة وعتاداً، وفي الوقت نفسه بناء قوة وطنية شاملة من أجل كسب آسيا من دون حرب، وكذلك استغلال الفرص لقنص الاستثمارات الدولية على حساب واشنطن.

قبل سنوات عدة على اندلاع الحرب العالمية الأولى، صرح القيصر الألماني فيلهلم الثاني بأنه لا يتخيل قيام حرب بين بلاده وبين بريطانيا، ورغم التعاون والتبادل الاقتصادي الكبير لم تنجح أوروبا في تجنب الحرب، وينبغي على صناع القرار في واشنطن وآسيا أن لا يفوتهم هذا الدرس التاريخي، حتى لا يجروا آسيا، وربما العالم كله، لحرب عالمية ثالثة من المستحيل التكهن بعواقبها المدمرة.

الصين القوة الدولية الأكثر براعة في الحركة الجيو سياسية

قبل عدة سنوات، جمعت مائدة عشاء واحدة مسؤولين من الصين والهند، وكان الجو ودياً للغاية، حيث تبادل الجميع النكات، وتحديداً حول نقاط قوة الصين والهند باعتبارهما من القوى العظمى، ومن ذلك أن أحد المسؤولين الصينيين قال، لمسؤول هندي صديق له، إن الصين قد واجهت تحديات حقيقية في علاقاتها مع القوى العظمى في العالم، وأعطى لذلك أمثلة، منها الولايات المتحدة الأميركية واليابان وبريطانيا وفرنسا، ثم ذكر أن الهند واجهت تحديات مماثلة.

لكن أعداءها كانوا من الدول المجاورة، مثل باكستان وبنغلاديش وسريلانكا ونيبال، واختتم حديثه بالقول مازحاً إنه إذا أرادت الهند أن تصبح دولة عظمى فعليها أن ترقي أعداءها، وتنتقل في صراعاتها من جبهة باكستان وبنغلاديش إلى جبهة الولايات المتحدة والدول الغربية.

صحيح أن كلام ذلك المسؤول الصيني ربما يكون قد قيل على سبيل النكتة في ذلك اليوم، غير أنه لا يخلو من المنطق، فالصين تجيد اختيار أعدائها، وأول نقطة جنتها من وراء ذلك هي أن علاقتها بجيرانها الصغار تحسنت تلقائياً، ونجحت في ذلك، على الرغم من وجود عدد من العقبات السياسية.

خذ مثلاً شبه الجزيرة الكورية المقسمة، منذ أمد طويل، فهي على الرغم من أنها أخطر الأمكنة على الأرض، ورغم أن شطريها لم يتفقا على شيء واحد أبداً، إلا أنهما اتفقا على الصين، فالصين رغم أنها الداعم الرئيسي لحكومة كوريا الشمالية، إلا أن هذا لم يمنع من قيام علاقات دبلوماسية متميزة، و الأهم من ذلك تأسيس تحالف تجاري قوي، بينها وبين كوريا الجنوبية.

إذ ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من 41 مليار دولار عام 1992، وهو العام الذي تأسست فيه العلاقات الدبلوماسية بينهما، إلى 156 مليار دولار عام 2009، وهذا تم على الرغم من أن المدافع الأول عن كوريا الجنوبية هي الولايات المتحدة والمدافع الأول عن كوريا الشمالية هي الصين.

حتى أن حجم التبادل التجاري بين كوريا الجنوبية والصين يزيد عن حجم التبادل الكوري الجنوبي مع الولايات المتحدة نفسها، إذ لا يزيد عن 80 مليار دولار، وهذا كله يعكس الأهمية السياسية التي تتمتع بها الصين في العالم اليوم.

وبالمثل، فعندما تأسست رابطة «آسيان» ، وهي المنظمة الاقتصادية التي تضم 10 دول من جنوب شرق آسيا عام 1967، كان أكبر المعارضين لقيامها الصين، التي كانت ترى فيها وسيلة أميركية لاحتواء الصين والدول الشيوعية الأخرى.

وبسط نفوذها على تلك المناطق، وكان الجميع ينظر لـ «آسيان» على أنها منظمة تابعة لأميركا، غير أنه بالنظر إلى العلاقات التي تربط «آسيان» بالدول المختلفة، وبعد مرور عشرين عاماً على انتهاء الحرب الباردة بنصر أميركي مزعوم.

نجد أن علاقات «آسيان» بالصين أمتن بكثير من علاقاتها بالولايات المتحدة، وتؤكد الأرقام ذلك، حيث أن حجم التبادل التجاري بين الصين و«آسيان» عام 2009 بلغ 213 مليار دولار، وهو ما يزيد عن حجم التجارة بينها وبين الولايات المتحدة البالغ 177 مليار دولار للعام نفسه.

لكن التحرك الجيو سياسي الأكثر إثارة من جانب الصين هو باتجاه تايوان، التي تعتبر خصماً لدوداً لبكين، وكادت أن تتسبب لها بحرب مدمرة، ويذكر أن العداوة بين الصين وتايوان ليست مؤقتة أو حدثية، لكنها أزمة طويلة الأمد، ممتدة الجذور.

لأن كلاً من الدولتين تدّعي أنها صاحب الحق الشرعي في حكم الدولة الصينية، لهذا كان التوتر هو السمة السائدة للعلاقات بينهما، حتى أن الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون هدد عام 1996 بإرسال حاملتي طائرات إلى مضيق تايوان، لكن رغم كل هذا، فقد نجحت الصين، وبشكل بارع، في إقامة علاقات اقتصادية جيدة مع تايوان.

لهذا فعلى العالم أن يتأمل جيداً الطريقة التي كسبت بها الصين ود تايوان واتفاقية التعاون الاقتصادي، التي وقعتاها أخيراً، فهي أكثر الاتفاقيات التي وقعتها الصين كرماً، حيث منحت الصين ميزات لتايوان لم تمنحها لـ «آسيان»، وعلى سبيل المثال، وافقت الصين على إعفاء 593 منتجاً تايوانياً من التعرفة الجمركية مقابل 400 منتج لـ «آسيان».

هذه التنازلات الاقتصادية لن تكلف الصين الكثير، لكن لو تنامت العداوة بين البلدين، فربما ألقى ذلك بالصين في أتون حرب مستعرة مع الولايات المتحدة، خاصة أن الكونغرس الأميركي يقر بأن الولايات المتحدة ملزمة بالدفاع عن تايوان، وفقاً لاتفاقية بين البلدين تم توقيعها عام 1979.

إذا نجحت الهند في لعب الدور الذي تلعبه الصين حالياً في العالم، فسيأتي يوم يقول فيه المسؤول الهندي لنظيره الصيني: «لقد ارتقينا بأعدائنا وانتقيناهم ليكونوا من الدول العظمى فقط، وها نحن الآن نلعب كرة القدم الجيو سياسية في الدوري الممتاز».

إشارات

الصدام بين الصين وأميركا ليس وارداً

أشارت إذاعة «بي بي سي» البريطانية أخيراً إلى أن المناوشات الكورية ما هي إلا إشارات لتنامي التوتر في المنطقة، وحذرت تقارير عالمية كثيرة من التنافس الاستراتيجي المتزايد بين الصين والولايات المتحدة، الذي قد يؤدي إلى حرب باردة.

غير أن هذا التخمين بعيد عن الواقع، فهو يخلط بين المناورات التكتيكية والاستراتيجيات الرئيسية الثابتة للدول، إذ أن اقتصاد العالم اليوم يدفع هاتين القوتين العظميتين نحو خفض النفقات، بأي شكل من الأشكال، والابتعاد عن مخططات التوسع والصراعات.

صحيح أن هناك اختلافات إستراتيجية كبيرة بين الصين والولايات المتحدة، حول شمال شرق آسيا ومناطق أخرى من العالم، لكن لا الرئيس الأميركي أوباما ولا الرئيس الصيني هو جنتاو سيقدمان على خوض غمار حرب باردة مكلفة جداً.

في الحقيقة، فإن كلاً من الرئيسين يعطي الأولوية في التخطيط للشأن الداخلي لبلاده، فالحاجة لخفض النفقات كانت الدافع الأكبر من وراء قرارات أوباما بالالتزام بعالم مؤسسي متعدد الأطراف، والضغط الأميركي على أوروبا والصين ودول أخرى، لكي تساهم مع واشنطن في حمل عبء الأمن العالمي، وهي الدافع أيضاً الذي أجبر إدارة أوباما على إعادة النظر في علاقاتها مع روسيا وتقليصها لميزانية «بنتاغون».

بالمثل يسعى الرئيس الصيني لحل المشكلات المحلية أولاً للأسباب نفسها، على الرغم من أن الأزمة المالية العالمية لم تطل الصين بالدرجة نفسها التي طالت بها الولايات المتحدة، لكنها أثارت قلق الساسة الصينيين وخوفهم من انتشار البطالة وتوسع الخلافات الإقليمية وتفاقم الانشقاق الداخلي.

لا يكمن الخطر الحقيقي اليوم في نشوب صراع بين الولايات المتحدة والصين، بل يكمن في أن ينشغل قادة البلدين بأزماتهما المحلية عن المشكلات العالمية، مثل تزايد الحمائية، والانتشار النووي، والتغيرات المناخية.

قرار

خياران صعبان أمام واشنطن في مواجهة بكين

لسنوات عدة يتنبأ المتفائلون حيال السياسة الخارجية بأن صعود الصين لمرتبة الدول العظمى سيكون مسالماً، ومتمتعاً بروح المسؤولية، غير أن الانتهاكات الصينية الأخيرة في الداخل والخارج تشير إلى أن تلك النظرة التفاؤلية ساذجة، وحيال هذا وُضعت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في زاوية ضيقة، وصار عليها أن تقرر إما أن ترد على الصين بقوة، أو أن تغض الطرف عنها، وكلا الخيارين صعب.

الصين، على سبيل المثال، لم تتوقف منذ سنوات عن تطوير وتحديث أنظمتها القادرة على حمل رؤوس نووية، ولا تشعر بذنب من أي نوع حيال نشاطاتها، التي لا تتوقف في هذا المجال، بينما سعى أوباما لتعديل معاهدة مع روسيا من أجل تخفيض أسلحة الولايات المتحدة النووية والصواريخ بعيدة المدى.

كما لا تبدي الصين تعاوناً مع نظام العقوبات الأخير، الذي فرضته الولايات المتحدة على كوريا الشمالية، واتسم هذا النظام بأنه أكثر صرامة حتى من نظام الحظر الذي فرضته الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش، حيث يتبع أوباما خطاً أكثر صرامة مع بيونغ يانغ من سابقيه.

بالإضافة إلى هذا، فإن أوباما لم يرد بحزم على الجهود الصينية التي ترمي لمنع السفن الأميركية من التنقل والتدريب في البحر الأصفر، خاصة أن ذلك يعتبر حقاً شرعياً لتلك السفن، ناهيك عن أن كوريا الشمالية، وبدعم مباشر من الصين، هددت التدريبات الكورية الجنوبية الأميركية المشتركة مراراً وتكراراً.

صحيح أن الولايات المتحدة لم تتخذ قرارات حازمة حيال الصين، لكن هذا لن يدوم على الأرجح، وعلى الصين أن لا تتوقع أن يستمر صمت القادة الأميركيين طويلاً.

دروس من التاريخ

يرشدنا التاريخ إلى ضرورة الإصغاء جيداً لتحذيرات الباحث الأميركي جون ميرشيمر، فقبل الحرب العالمية الأولى، كان من الصعب جداً دحض المنطق الذي كان يتكلم به الكاتب نورمان أنغل، حيث أنه كان يتحدث عن أن انقطاع التعاون والتبادل التجاري بين الدول، واللجوء إلى الحرب سيؤدي لهزيمة جميع الأطراف، فلا أحد يكسب في الحرب.

وقبل عام 1914، كانت نسبة التجارة الدولية من الدخل الإجمالي القومي لبريطانيا وألمانيا وفرنسا 52% و 38 % و 54 % على التوالي، وبحلول عام 1913، أصبحت بريطانيا أكبر سوق لصادرات ألمانيا، وكان كل من الطرفين مستفيداً من العلاقات التجارية المزدهرة بينهما.

حتى أن حجم التجارة ورأس المال ارتفع في بريطانيا وألمانيا، في العقد الذي سبق الحرب العالمية الأولى، بنسبة 65% و 84% على التوالي، لكن لم يشفع كل هذا التبادل الاقتصادي والمنفعة المشتركة في منع التصعيد، الذي قاد إلى اغتيال وريث عهد النمسا، الأرشيدوق «فرانز فيردناند» ومن ثم أفضى لحرب عالمية أولى ذهب الملايين من البشر ضحيتها.

خبير عالمي

ولد كيشور محبوباني عام 1948، في سنغافورة، ويعمل الآن عميداً لكلية «لي كوان يو» للسياسة العامة في جامعة سنغافورة الوطنية. وعمل منذ عام 1971 وحتى عام 2004 في المكتب السنغافوري الحكومي للشؤون الخارجية، حتى تم تعيينه مندوباً دائماً لسنغافورة لدى الأمم المتحدة.

وعمل في العديد من المؤسسات القيادية والمعاهد الفكرية في سنغافورة، مثل معهد الدراسات الجنوب شرق آسيوية، ومعهد دراسات السياسة، وهو معروف خارج سنغافورة بفضل مقالاته المتعددة، التي ينشرها في الصحف العالمية، وكتبه التي من أشهرها «هل يستطيع الآسيويون التفكير؟»، وأحدث مؤلفاته كتاب بعنوان «نصف الكرة الأرضي الآسيوي الجديد».

بقلم: جون لي و

بقلم: كيشور محبوبانيو

ترجمة: يوسف جباعته