أجرت مجلة «فورين بوليسي» الأميركية مقابلة مطولة مع وزير الدفاع الأميركي، الجمهوري، روبرت غيتس، تناول فيها مسألة بقائه في منصبه والوضع في أفغانستان والعراق.

وأعرب عن اعتقاده بأن استراتيجية الرئيس باراك أوباما بشأن أفغانستان ستكون قد اكتملت بنهاية 2011، وانه سيكون قد ترك منصبه بحلول ذلك الوقت، إلا أن الناطق باسم «بنتاغون» خفف من وقع تصريحات غيتس، وقال إنه في كل مرة فكر في الاستقالة، تراجع عن تفكيره». وأضاف إن الوزير «لم يعلن تقاعده» وان «كل ما فعله هو التفكير في الوقت المناسب لذلك».وفيما يلي نص الحوار:عندما سئلت، في أواخر أيام إدارة الرئيس بوش، عن احتمال بقائك في منصبك مع إدارة الرئيس أوباما، أجبت بجملة مشهورة هي «أبدا، أنا لا أقول أبدا، لكن الظروف التي يمكن أن يحدث فيها ذلك الشئ غير متصورة بالنسبة لي في الوقت الحالي»..

حسنا كلمة «غير متصورة» كلمة فضفاضة إلى ابعد حد، فماذا حدث؟ لماذا لا تزال في منصبك؟ لماذا بقيت؟-اعترف بأنه بمجرد أن بدأت التكهنات تظهر بشأن احتمال بقائي وزيرا للدفاع أيا كان الفائز في انتخابات الرئاسة ذلك العام، فإنني بدأت ما اكتشفت أنه كان عملا خفيا، على مدى ثمانية أو تسعة أشهر. تمثل ذلك في أنني سعيت إلى أن أؤكد بكل وضوح أنني لا أرغب في البقاء في مثل هذا المنصب الرفيع حتى لا يكلفني أحد بالبقاء فيه.السؤال لا يزال قائما. تظل عبارة «غير متصورة» مطلقة، فماذا تعني؟تعلم أنني كنت متسقا جدا مع نفسي، ولفترة طويلة، في التأكيد على أنني لم أكن ارغب في أن أكلف بالبقاء في المنصب، لأنني كنت أعرف أنني إذا سئلت فسأستجيب. وللسبب نفسه كنت مترددا في هذا الشأن، وتعرف أنني قاومت إغراء قبول منصب مدير الاستخبارات الوطنية على مدى أكثر من أسبوعين في يناير 2005.وفي اللحظة التي دعاني فيها مستشار الأمن القومي ستيفن هادلي رسميا لقبول ذلك المنصب، كانت إجابتي، وعلى الفور، هي القبول. كنا نمر بفترة نواجه فيها حربين، وأبناؤنا يصابون ويقتلون، ولم يكن هناك بد من القبول.

شعرت بالشئ نفسه ونحن مقبلون على العام 2008، أي انه إذا طُلب مني أن أبقى، فسأبقى أيا كانت شخصية الرئيس الذي سيتم انتخابه، وكنت قلقا وقتها على مسؤولية من سيحمل «الزر النووي» خلال فترة التسليم والتسلم بين الإدارتين المقبلة والراحلة.

الآن يتضح لي أن توقيت تركي للمنصب لم يكن واضح المعالم في ذهني، بعد ستة أشهر، أو سنة، أو فترة كافية لتحقيق انتقال سلس للسلطة، وهكذا، ولكن انتهى الأمر بفترة أطول من ذلك بكثير.

تحرك مبكر

حسنا، الآن جئنا إلى النقطة الحاسمة. حرب أفغانستان هي حرب أشرفت عليها أكثر من حرب العراق.

ومجريات الحرب، من ميزانيات وغيره، من وضعك أنت، وهي حسبما اعتقد في مراحلها الأولى، وسيستمر تنفيذ هذه الميزانيات لعامين آخرين على الأقل، فهل يعني ذلك أنك باق كل هذا الوقت الطويل إذا طلب منك الرئيس البقاء حتى انتهاء ولايته؟

أولا أنا شديد الإيمان بالمقولة الشهيرة القديمة «المقابر مليئة بالرجال الذين لا يمكن الاستغناء عنهم». وأنت تعرف أن اقتراح هذه الميزانية اكتسب زخما كبيرا، قبل أكثر من عام من الآن، عندما أعلنت في أوائل إبريل قبل الماضي، عن تعديلات على 33 برنامجا بين الخفض والزيادة. وقد تمكنا من تمرير 31 برنامجا منها داخل الكونغرس، وما زلت أحاول تمرير البرنامجين الآخرين. وهكذا، فان ما افعله الآن يتم البناء عليه.

وكما قلت سابقا، فقد اكتسبت هذه البرامج زخما كبيرا في إبريل 2009. وهي قد نضجت الآن. والبرنامج الذي نحن بصدده الآن هو، في الحقيقة، انعكاس للظروف الاقتصادية، التي تمر بها أميركا، ومحاولة لتفادي تدمير الجيش، كما حدث من قبل، تقريبا في كل الحروب السابقة.

ولكن في إطار هذه الميزانية، يحتاج الأمر إلى نمو بمقدار 2 إلى 3 بالمئة للحفاظ على هيكل الجيش، إضافة إلى استثمارات مستقبلية لتحقيق تخفيضات في النفقات العامة، وأعني النفقات العامة، التي يمكن بدلا منها دعم القدرات القتالية. والميزانيات والبرامج المقترحة كلها تدور حول أفكار من هذا القبيل. وبصراحة، كما تعرف، أنا سأقوم بالتحرك مبكرا. سأقوم بالإعلان عن حزمة من الأمور.

وأنت تعرف أنني في الجهاز الحكومي منذ فترة طويلة، تكفي لأن أعرف ما يعنيه الانتظار والروتين. وفي الحقيقة، فإن استراتيجيتنا الجديدة سيتم تنفيذها فقط إذا بقيت في هذا المنصب لأربع أو ثماني سنوات أخرى. لذلك فانا اعتزم العمل بسرعة، وإصدار قرارات مهمة بدرجة كبيرة، بما يجعل من الواضح أنني لن أنتظر إلى ما لا نهاية، وأن هذه الاستراتيجية يجب أن تنفذ.

ما اقصده من وراء ذلك كله هو أنني بحلول العام المقبل، سيكون بإمكاننا أن نحدد ما إذا كانت استراتيجيتنا في أفغانستان ناجحة أم لا. سنكون قد أكملنا تعزيز القوات. وسنكون قد انتهينا من التقييم في ديسمبر. وأعتقد أن الوقت المناسب لتسليم الراية سيكون خلال العام 2011. أعتقد أنه سيكون من الخطأ الانتظار حتى العام 2012.

أربع قضايا

لماذا غيرت رأيك بشأن إرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان؟

أستطيع أن أقول لك إن هناك أربع قضايا ناقشتها مع الرئيس بوش، عندما التقيته لقبول هذه الوظيفة. الأولى كانت العراق، والثانية أفغانستان، والثالثة أن الجيش والبحرية لم يكونا بالحجم الكافي لأداء المهام المنوطة بهما، والرابعة كانت مرتبطة بالحرس الوطني.

كانت أفغانستان إحدى تلك القضايا. وكنت أشعر أنها قضية مهملة. لقد قمت بعد أدائي اليمين مباشرة بزيادة عدد القوات الأميركية في أفغانستان. كان هناك سببان دفعاني لتغيير رأيي. كنت بالفعل حريصا على أن لا نقع فيما وقع فيه السوفيت.

لكنني تلقيت رسائل كثيرة، ذكرتني إحداها بالفرق بين الغزو السوفيتي لأفغانستان وبين ما نقوم به نحن. فالسوفيت قتلوا نحو مليون أفغاني، وشردوا خمسة ملايين، ودمروا البلد، وحاولوا فرض أيديولوجية غريبة على الأفغان.

ونحن لم نفعل شيئا من هذا. الأمر الآخر الذي ساهم في تغيير رأيي بشأن إرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان هو موقف ورؤية الجنرال ماكريستال ورغبته في تقليل عد الضحايا من المدنيين، بحيث لا يظهر وجودنا على أنه احتلال. وقد كنت أعتقد دائما انه بمجرد أن يشعر الأفغان بأننا نحتل بلدهم، فلا أمل في النصر. كان هدف ماكريستال الرئيسي هو تفادي حدوث ذلك.

إذن، كيف تسير الأمور في هذا الصدد؟

أعتقد أننا نطبق الاستراتيجية الصحيحة الآن. عندما تسلمت مقاليد منصبي كان قوام القوات الأوروبية المشاركة في أفغانستان نحو 17 ألف جندي، وهي الآن وصلت إلى 50 ألفا. ويبدو أن الأوروبيين يشعرون الآن بأن الأمور في أفغانستان تسير في الاتجاه الصحيح، بعد أن أطلع ماكريستال، قبل استقالته، وزراء دفاع تلك الدول في اجتماع عقد في بروكسيل على تفاصيل الوضع.

لكن رؤساء الحكومات قد لا يشعرون بالقدر نفسه من التفاؤل. أليست هذه مشكلة؟

هناك الكثير من الحكومات الائتلافية والوضع السياسي هش. ورغم هشاشة وضع الكثير من هذه الحكومات فالمثير للدهشة هو أنها جميعا تؤيد مساعينا بشدة. واعتقد أنه بحلول ديسمبر سيكون الجنرال ديفيد بترايوس قد اثبت نجاح الاستراتيجية. وأنا اختلف بشدة مع من يقولون إننا ليست لدينا استراتيجية واضحة.الاستراتيجية واضحة جدا، وهي تحقيق الاستقرار في أفغانستان وبناء قدراتها الداخلية حتى تتمكن من منع طالبان والقاعدة من العودة.

الشجاعة والتهور

بعض الكتاب الحاليين يستشهدون بمقارنات أجراها مؤرخون سابقون، بين أفغانستان وفيتنام، حيث أن حركة التمرد تتمتع بوضع أقوى من قواتنا. ما تعليقكم؟

من دون الدخول في مقارنات، يمكنني القول إن الأفغان يكرهون طالبان. كل الاستطلاعات تشير إلى أن نسبة تأييد طالبان لا تزيد عن 10%.

بالعودة إلى مهامك الأخرى، فقد قلت إنك على وشك إعلان المزيد من القرارات قريبا. ولكن ماذا عن الأموال والجهود المهدرة التي تؤرق الكثيرين؟

أنا أتعامل مع قيادات، ومع وكالات دفاع. أعني أنه لا يمكنني أن أنزل إلى التفاصيل الدقيقة لكل شيء. في كلمة ألقيتها في مايو الماضي في رابطة القوات البحرية أساء الناس فهم ما قلت. كل ما أردته وقتها هو استثارة الناس للتفكير في كيفية إدارة حروب القرن الـ21.لا يمكن أن نخوض الحروب الآن بعقلية الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم. ولكنني لست عازما على استبعاد أي حاملة طائرات.

لماذا إذن، لا تعتزم خفض عدد حاملات الطائرات؟

كما قلت من قبل، يمكن أن أكون شجاعا ولكن لا يمكن أن أكون متهورا. وهناك من يقول إن حاملات الطائرات تجسد الوجود الأميركي. وأن الدعم الذي توفره في العراق وأفغانستان مهول. فقط فكر بالدعم الجوي الذي توفره تلك الحاملات.

في دهاليز الإدارة الأميركية

في بداية عهد أوباما كان مما أثار دهشة الكثيرين ، ذلك الانسجام الذي بدا مسيطرا على العلاقات بين جميع فروع الإدارة. لم تكن هناك معارك جانبية بين وزارة الخارجية ووزارة الدفاع أو بين الخارجية والبيت الأبيض على سبيل المثال. كان الجميع يبدون متفقين على كل شيء.

وكان هناك اعتقاد أيضا، بأنه عندما تسخن جبهة الحرب في أفغانستان، فان الأمور ستتغير، وقد حدث هذا بالفعل. وتساءل البعض عن وجود جيوب معارضة داخلية تقاوم تنفيذ استراتيجية أوباما، بشأن أفغانستان، وتنتظر اللحظة المناسبة للتحرك في الاتجاه المعاكس.

ربما كان ذلك في المستويات الدنيا من الإدارة. لم تكن هناك معارضة أو مقاومة حقيقية للإستراتيجية. ولم تكن هناك ممانعة لها من حيث المبدأ. والكل مؤيد للإستراتيجية حاليا. ولدي علاقات جيدة جدا مع مسؤولين سابقين في إدارة الرئيس بوش، مثل ستيف هادلي وكوندوليزا رايس. كما أن لدي علاقة جيدة للغاية مع وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ومستشار الأمن القومي جيم جونز. ولكنني لم أكن، على الإطلاق، شخصا متطفلا. لم أكن كذلك أبدا.

وعندما كنت عضوا في مجلس الأمن القومي، أتذكر أنني كنت أترأس الاجتماع ذات مرة، حيث قلت في لحظة ما: «يا إلهي، لا أدري ما الذي حدث لي للحظات. كنت اعتقد أننا جميعا نعمل مع الرئيس نفسه». كنت أؤمن دائما بأن بعض تلك الخلافات تستنفد الطاقة، ولا تحقق الكثير من الفائدة.

جمهوري مع الديمقراطيين روبرت غيتس ولد في 25 سبتمبر 1943، ويشغل منصب وزير الدفاع في الولايات المتحدة منذ 18 ديسمبر 2006 ، بعد استقالة سلفه دونالد رامسفيلد، إثر فوز الديمقراطيين بانتخابات الكونغرس.

وكان قبلها قد عمل مديرا لوكالة الاستخبارات المركزية في الفترة من 1991 إلى 1993. وبعد انتخاب الرئيس باراك أوباما وقيامة بتشكيل إدارته أبقاه في وزارة الدفاع. وكان غيتس قد بدأ عمله في الاستخبارات عام 1966، وفي عام 1986 كان نائباً لمدير وكالة الاستخبارات المركزية وذلك إلى عام 1989 ، عندما عين نائباً لمستشار الأمن القومي.

وعمل في عهد الرئيس جورج بوش مديراً لوكالة المخابرات المركزية، وبعدها ترك الوكالة وعمل مديراً لجامعة تكساس «إي آند أم»، كما عمل في عضوية عدد من مجالس الإدارة لشركات مختلفة. كما عمل عضوا في لجان جيمس بيكر والمجموعة المكلفة بدراسة الوضع في العراق.

ترجمة - عصام بيومي