توالت المصائب على باكستان، وكان أولها طالبان، ثم الجيش، والآن جاء دور الفيضان، حتى أن أهالي وادي سوات، الذين كانوا ينعمون بالسلام والطمأنينة وجمال الطبيعة، قبل سنوات قليلة، داهمهم الليل فجأة، وانقلبت حياتهم رأساً على عقب، فسيطرة طالبان الدموية على الوادي.

ورد فعل الحكومة وعملياتها العسكرية التي لم تكن تلقي بالاً لحياة المدنيين، أجبرا 64% من سكان منطقة سوات العليا على النزوح إلى داخل باكستان، وفي مارس الماضي عاد 90% من أولئك النازحين، ورغم حاجتهم الماسة للمساعدة الإنسانية، فقد كان يحدوهم الأمل في أن الأسوأ قد مضى، وفجأة دهمتهم الفيضانات، لتدمر حياتهم من جديد.

آخر الإحصاءات تشير إلى تدمير 54 قرية بالكامل، ولا شك أنه من الصعب جداً على المرء أن يهجر منزله بسبب العنف والإرهاب، وبعد أن يعود ليسكنه بوقت قصير، يُدمر من جديد، وهذه المرة تدميراً كاملاً، لا يمكن إصلاحه.

الفيضانات مستمرة، وحصيلة القتلى بلغت 1500 نسمة، ولا توجد منطقة في باكستان آمنة من الفيضانات العاتية، وفي هذا مفارقة حيث تجتمع باكستان، بكل أحزابها وطوائفها، لأول مرة على أمر واحد مشترك.

كان ينبغي لمنطقة وادي سوات أن تكون مليئة بالمؤسسات الحكومية لمساعدة العائدين إلى بيوتهم لبدء حياة جديدة، وعندما حدثت الكارثة كان يمكن لتلك المؤسسات أن تتحول بدورها سريعاً للقيام بعمليات الإنقاذ، لكن المؤسسات الحكومية كانت شبه غائبة عن المكان، ولم تكن هناك سوى منظمات خيرية إنسانية، مثل «أوكسفام» والمنظمات غير الحكومية والشركاء المحليين، كما أن الصراع الدائر بين الجيش والسلطات المدنية أعاق وصول المساعدات لمستحقيها.

ليست هذه هي الأسباب الوحيدة لتفاقم الكارثة، فهناك من ساهم وتسبب فيها، وفي مقدمتهم عصابات تجار الخشب، وقد تحدث الكثير من التقارير، الصادرة عن الخبراء البيئيين والصحافيين والناشطين، عن السلطات الرهيبة التي تتمتع بها تلك العصابات، التي كانت تهيمن تحديداً، على المناطق الأكثر تضرراً من الفيضان، وتعتبر تلك العصابات من أقوى المؤسسات وأشرسها في باكستان، حيث تمارس نشاطاتها في قطع الأخشاب الجائر وغير القانوني، دون أدنى خوف من القانون، أو إحساس بالذنب.

وتحقق من وراء ذلك أرباحا تقدر بمليارات الروبيات، وترتبط تلك العصابات بعلاقات حميمة مع السياسيين على المستويين المحلي والاتحادي، وتناولت وسائل الإعلام هذا الموضوع كثيراً في السنوات الماضية، من دون إحداث أي تأثير، كما أن التحذيرات من عصابات «مافيا الأخشاب» كانت غالباً تتضمن التنبيه إلى خطورة تعرية الأراضي من الأشجار.

حيث إن الأراضي الخالية من الأشجار تتأثر بالفيضانات والإنزلاقات الطينية وانجراف التربة أكثر من مناطق الغابات، وقد أثبتت الفيضانات الأخيرة صحة هذه التحذيرات، فأكثر المناطق تضرراً كانت تلك التي عانت من زيادة في نشاط تلك العصابات، ولم يقف الأمر عند هذا فكميات الأخشاب الهائلة التي كانت معدة للتهريب انهارت وجرفت البيوت والناس أمامها.

هناك أيضاً من يقول إن كمية الخشب الهائلة، التي كان يتم نقلها عبر الأنهار، قد أضعفت السدود التي تم بناؤها لحماية المناطق من الفيضانات، وهي السدود التي عجزت اليوم عن أن تؤدي المطلوب منها، كما أن انهيار السدود لفت المراقبين إلى وجه الشبه بينها وبين المدارس الحكومية، التي انهارت جراء الزلزال الذي ضرب باكستان عام 2005، حيث يرى أولئك المراقبون أن البناء الذي تنفذه الحكومة في الغالب ضعيف، كما يرون احتمال وجود شبهات فساد في تنفيذ المشروعات العمرانية الحكومية.

بالإضافة إلى هذا، لم يؤثر الدعم، الذي كانت تقدمه عصابات الأخشاب لطالبان باكستان حينما كانت تهيمن على المنطقة، على نفوذها وعلاقاتها مع المسؤولين المحليين، فقد علا الفساد على الفروقات السياسية في باكستان، ولم يتخذ أي إجراء بحق تلك العصابات على الجانب الرسمي، أما الجانب الشعبي فتمثل في محاولات الفلاحين المحليين، في أكثر من مناسبة، الدفاع عن أشجارهم ضد تلك العصابات، فمواطنو باكستان يجدون أنه من واجبهم ملء الفراغ الذي تتركه الحكومة.

أوقات عصيبة تعيشها باكستان، فهناك أكثر من ثلاثة ملايين متضرر من الفيضان، كما أن مجموعة من العائلات تنتظر تقرير الحمض النووي للتعرف على أبنائها، الذين ماتوا في حادث تحطم الطائرة أخيراً قرب إسلام أباد.

بقلم: كاميلا شامسي