بعد زيارة تفقدية للعراق، يخرج المرء بانطباعات مهمة، ودروس مستفادة للجنرال أوديرنو قائد القوات الأميركية في العراق، وفريق العمل الأميركي هناك، أهمها أنه لا تزال هناك تهديدات عرقية وطائفية، وأن الولايات المتحدة تحتاج لبذل المزيد لمواجهتها. كما تحتاج إلى النظر إلى ما وراء الأهداف قريبة المدى، والمشكلات الآنية. وتحتاج واشنطن أيضا إلى الانضمام إلى فريقها المتابع للعراق في التركيز على التوصل إلى اتفاق استراتيجي.
فالولايات المتحدة لم تكسب الحرب في العراق بعد، وتواصل التعرض لمخاطر جدية. ويبقى أن منطقتي نينوى والموصل بهما تحديات كبيرة. الهجمات تتواصل، ولا تزال أرواح الأميركيين والعراقيين تزهق. ولا يزال من الواضح أن عناصر عنيفة من جماعات خاصة، علاوة على تهديدات أخرى، ستظل تشكل تحديات على مستوى ما، بعد الانسحاب من العراق في 2011.
ومن الواضح، بالدرجة نفسها، أن العراق سيواجه تحديات وضغوطا من جيرانه. أي زائر للعراق اليوم، يمكنه أن يرى أن العنف قد تراجع بشدة، بما يشير إلى تحقيق تقدم حقيقي في المجال الأمني من جانب القوات العراقية.
علاوة على ذلك، باتت لدى أميركا قوة ماهرة، ومواكبة للتطورات والتحديات الجارية. الجيش الأميركي لديه الآن خبرة سنوات وجولات عدة، ولا يستطيع أحد أن يضيف الكثير بشأن مكافحة التشدد في هذه المرحلة.
الأخطار التي تمثلها التوجهات السياسية للعراقيين والانقسامات الطائفية هي قصة أخرى، فالنقاش بين الأعراق المختلفة والضباط الأميركيين والمسؤولين في الشمال، حيث يتزايد التوتر، اظهر أن الفريق الأميركي كان على حق عندما حذر من أن واشنطن لم تحقق النصر، من حيث أنها لم تؤسس بعد دولة عراقية آمنة ومستقرة، وهو أمر حاسم لمستقبل العراق.
لابد من الإقرار بحقوق الأكراد في الشمال، من أجل تحقيق الوحدة الوطنية، وذلك بالاعتراف بحقهم في درجة من الحكم الذاتي، وفي الحصول على الحماية، التي يوفرها لهم الدستور، والسماح بتشكيل قوات الأمن العراقية بطريقة تضمن للأكراد الشعور بالأمان والمشاركة في القيادة بحصة مناسبة.
السؤال المطروح عندئذ هو: ما الذي يمكن أن تفعله الولايات المتحدة أكثر من الجهود السياسية الجارية لمنع مثل تلك الصراعات الداخلية المحلية، قبل أن تبدأ؟ العراق دولة ذات سيادة الآن، وأي شكل من أشكال التدخل العسكري سيضر أكثر مما يفيد.
إحدى الإجابات التي قد لا تكون ذات شعبية في واشنطن هي تقديم المساعدات بشكل حذر. فالولايات المتحدة لا يجب أن تتسرع في وقف مساعداتها في المناطق التي تشهد تقسيمات عرقية وطائفية.
كميات محدودة من المساعدات يمكن أن تستخدم في دعم الحوار، وجسر الاختلافات، وإحداث التأثير الايجابي، الذي يمكنه جمع الأطراف المختلفة. وتحتاج السفارة الأميركية إلى الموارد، وحرية الحركة في استخدام أدواتها، بسرعة ومرونة.
وتحتاج الإدارة، ومعها الكونغرس. إلى إدراك أن أخطاء الماضي، بشأن المساعدات والضغوط المالية الحالية ليست سببا لخفض ذلك الدعم بسرعة وبقسوة، بما يقوض كل ما تم انجازه منذ زيادة عدد القوات.
أهداف بعيدة المدى
يبدو أن الفريق الأميركي إلى العراق ركز كثيرا على الأحداث العراقية حتى إجراء الانتخابات العامة في مارس الماضي. لكن هذا الفريق والإدارة الأميركية بحاجة إلى التصرف لمواجهة التهديد، المتمثل في السياسة العراقية والتوترات الداخلية الباقية، إضافة إلى خليط من ضغوط الموازنة والضغوط الاقتصادية، المتداخلة مع تنافسات داخلية وآمال متصاعدة.
وبدلا من مواجهة عودة العنف في أسوأ صوره، فالولايات المتحدة أمامها انتخابات نتائجها مثيرة للفرقة بقدر ما هي داعية للوحدة. كما أنها تواجه خيارات صعبة لجعل رئيس الوزراء، وهو المنصب الذي يتصدر نوري المالكي سباق المرشحين لشغله، بمنزلة رئيس أو «رجل قوي»، أو ترك الحكومة لتكون منقسمة ومن دون تأثير.
إذا سارت نتائج الانتخابات بالعراق نحو نظام حكم ناجح، ونحو الوحدة الوطنية، والتنمية، فان مفاتيح نجاح الولايات المتحدة في المستقبل ستكون بدرجة متزايدة هي الدبلوماسية والبرامج المدنية، وليس القوة العسكرية أو قوات الأمن العراقية. لكن من الضروري التخطيط بشكل واضح للطوارئ المحتملة، وعدم النظر بتسرع إلى الانتخابات على أنها علامة فارقة أخرى في عملية قد تستغرق عقدا أو يزيد لتكتمل. هناك حاجة إلى الإسراع في تنفيذ الجهود المدنية والعسكرية ما بعد 2011.
كل الفترات المقبلة ستكون حرجة بالنسبة للجيش الأميركي، من الآن وحتى نهاية 2011. ممارسة قوات الأمن العراقية لدورها الأمني في وقت السلم وحكم القانون وتمكنها من الدفاع عن البلد ضد التهديدات الخارجية سيتطلب أكبر قدر ممكن من المساعدة يمكن أن تقدمه واشنطن. وهذه أيضا ليست مهمة يمكن تنفيذها بمجرد الادعاء المتسرع بتحقيق النجاح، أو تحويل العبء إلى (ناتو) أو أي حلفاء آخرين.
إما أن تنجح جهود المساعدات الأميركية، أو يفشل العراق. إن نجاحنا المتواصل في العراق سيوقف على إحلال القوات الأميركية الكبيرة بجهد توجيهي أميركي متواصل وعلى مستوى الدعم العسكري الذي سنواصل تقديمه بمجرد سحب قواتنا القتالية في 2011 وبعد 2011.
يجعل هذا من الضروري تفادي التركيز فقط على إدارة عملية الانسحاب، والمهمات التي تواجهنا، إذا سار كل شيء وفق الخطة. يجب أن تكون لدى واشنطن مجموعة جيدة من خطط الطوارئ والخيارات للتعامل مع الأزمات الخطيرة، وبخاصة لأن قدرتها على التدخل وقوتها ستتضاءل باستمرار بمرور الوقت، حيث سيتناقص عدد القوات، بينما ستسيطر السياسة العراقية على الأحداث.
فجوات خطيرة
يبدو أن فريق العمل الأميركي في العراق لديه صورة واضحة للغاية عن كيفية تنفيذ انسحاب مسؤول، وعن كيفية بناء قوات عراقية فعالة، مقارنة بقدرته على التعامل مع الأوضاع المدنية، في الفترة من 2009، وحتى 2011 وما بعد ذلك. بشكل عام، ربما يكون هناك تركيز كبير على الاستحقاقات المنظورة، في المدى القريب، مثل الانسحاب من المدن، وتوابع الانتخابات، وتركيز اقل على السنوات التالية.
وفي الجانب المدني، لا يبدو أن هناك اهتماما بالتخطيط للمستقبل لما بعد الانسحاب من المدن ولا بالحاجة إلى تأييد خطوات فورية لتقليل الضغوط الاقتصادية والمالية على العراق.
لقد تم إيجاد الكثير من الوظائف، وبذلت جهود كبيرة من أجل بناء الاستقرار الاقتصادي المحلي. لكن الذي لا يزال مفقودا هو إستراتيجية متماسكة وخطة للتعامل مع المرحلة الانتقالية، لإقامة حكم فعال وتحقيق إصلاح اقتصادي وتقدم، يوفر الاستقرار والتنمية في العراق.
اتفاق استراتيجي
لا احد يزور العراق من دون أن يلحظ حجم الجهود الأميركية في بناء مستقبل ذلك البلد؛ في وقت يبتعد الكثير من الأميركيين عن الاستثمارات الأميركية هناك كما لو كانت المهمة هي الابتعاد وليس المشاركة.
سيحكم التاريخ على أميركا بدرجة أكبر في ضوء الطريقة التي ستترك بها العراق وما ستخلفه وراءها، وليس في ضوء الطريقة، التي دخلت بها، أو التي حاربت بها التشدد. يجب أن يكون الهدف تأسيس عراق مستقل تماما وآمن. وهذا يعني إيجاد شكل من أشكال الشراكة الإستراتيجية، التي يمكنها احتواء الأعداء الإقليميين من دون إثارة غضبهم.
يجب أن تحافظ واشنطن على علاقات مع العراق يمكن أن تساعد في بناء أمة غنية وآمنة بدرجة كافية لمنع حدوث كوارث أخرى، مع دول الجوار العربية. نريد عراقا يتغلب على التوترات الطائفية في العالم العربي، بدلا من أن يصبح مصدرا آخر للتطرف، أو أن يصبح وكيلا عن أي طرف في المنطقة. نريد عراقا يطمئن الدول العربية بدلا من أن يقود الصراعات الإقليمية فيما بينها وبين الآخرين.
لقد حدد الفريق الأميركي في العراق، بشقيه الدبلوماسي والعسكري، البؤرة الصحيحة للتعامل مع هذه القضايا بالفعل، ولجعل التوصل إلى اتفاق شراكة استراتيجي جزءا مهما من السياسة الأميركية، بدلا من أن يركز على «الانسحاب المسؤول».
وليس من الواضح، ما إذا كان لدى واشنطن القدر نفسه من الاهتمام بمثل هذا الاتفاق، ليس باعتباره غطاء للانسحاب، ولكن باعتباره طريقة لتشكيل مستقبل العلاقات الأميركية العراقية، والذي يمكن أن ينتج دولة قوية ومستقلة في المنطقة.
التنفيذ الناجح لمثل هذا الاتفاق، من شأنه أيضا أن يوفر مصدرا حساسا جديدا لزيادة صادرات النفط، وتوجيه العائدات نحو تحسين مستوى معيشة العراقيين، وتوفير الأموال التي يمكن أن تعمل كمادة لاصقة تجمعهم سويا. من الضروري إحلال الاستقرار في العراق، الذي كان سبب التوتر في المنطقة منذ العام 1979.
الأميركيون لن يقدموا المزيد من التضحيات في العراق، ما لم يتأكدوا من أن هذه التضحيات ضرورية، ومن أن المساعدات الأميركية تستخدم بطريقة أكثر كفاءة مما كان يحدث في الماضي. كما أن الجهود المدنية للجيش الأميركي في العراق لن تكسب معناها الحقيقي، ما لم تحظ بدعم متواصل من الشعب الأميركي والكونغرس، وبدعم مماثل من الإعلام ومراكز الخبرة وقادة الرأي، وفئات التأثير الأخرى في الرأي العام.
بقلم: أنتوني كوردسمان- إعداد: عصام بيومي