الوقت ينفد من الإسرائيليين، وهم يعرفون هذا جيداً، والشتات اليهودي بات يرى أن استثماره العاطفي والإيديولوجي في إسرائيل سيؤول إلى زوال، لأسباب كثيرة، منها القنبلة الديمغرافية الفلسطينية، التي تعني أن الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة سيفوق عددهم عدد اليهود قريباً، كما أن إسرائيل بدأت تعاني من عزلة متزايدة، ومن المتوقع أن تتعرض لفرض حظر وعقوبات عليها، بشكل رسمي وغير رسمي.

أما القادة الإسرائيليون اليائسون فقد أعيتهم الحيلة، وازدادت الضغوط عليهم من كل جانب، نتيجة الاحتلال وسياسة الفصل العنصري، التي يتبعونها في فلسطين، ورغم هذا يحاولون فرض حل الدولة الواحدة على الفلسطينيين.

وذلك حتى لا يفقدوا مجمعاتهم الاستيطانية الضخمة والأراضي، التي استولوا عليها في القدس الشرقية والضفة الغربية، ومن مؤيدي حل الدولة الواحدة موشي أرينز، وزير الجيش الإسرائيلي والخارجية الأسبق، فقد كتب مقالاً في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية تساءل فيه: «هل هناك من خيار آخر؟»، ويؤيده في هذا الرأي مجموعة من السياسيين الإسرائيليين، بمن فيهم رئيس الكنيست ريوفين ريفلين.

غير أن التصور الإسرائيلي لدولة واحدة لا يتضمن منح الفلسطينيين حقوقاً مساوية لحقوق اليهود، كما أنه يميل لدفع غزة نحو مصر، وضم الضفة الغربية والقدس الشرقية لإسرائيل، مع مراقبة الفلسطينيين ومنعهم من ممارسة النشاطات الحياتية المختلفة، فالفلسطينيون ممنوعون من المطالبة بحقهم في أي أراض فقدوها في الماضي.

أو المطالبة بحقهم في الحصول على الجنسية الإسرائيلية، بينما يحق لليهودي المولود خارج إسرائيل أن يحصل على الجنسية، ويتلقى الدعم الحكومي الإسرائيلي في السكن والعلاج، وغيره.

وفي الوقت الذي يعاني الفلسطينيون من ظلم المحاكم العسكرية الإسرائيلية، نجد أن الإسرائيليين، الذين يقيمون في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ينعمون بالحماية، في ظل القانون المدني الإسرائيلي، كما يحظر على الفلسطينيين الخدمة في الجيش الإسرائيلي أو القوات الأمنية، بينما نجد أن المستوطنين اليهود يقتنون الأسلحة النارية بسهولة ويسر، وينعمون بحماية قوات الأمن الإسرائيلية.

من الأسباب التي تدفع الإسرائيليين باتجاه حل الدولة الواحدة أنهم بذلك سيتخلصون من غزة، التي يبلغ عدد سكانها 5 .1 مليون فلسطيني، بينما يبلغ عدد سكان إسرائيل من اليهود 8 .5 ملايين يهودي، أما الفلسطينيون فيبلغ عددهم، إذا استثنينا غزة، 8 .3 ملايين فلسطيني، وهذا يعني أن الإسرائيليين، في حال التخلص من غزة، سيكونون هم الأغلبية، ولو إلى حين.

اختلفت الوقائع على الأرض كثيراً في فلسطين، منذ عشرين عاماً، فالزائر للضفة الغربية والقدس الشرقية الآن سيلحظ المجمعات السكنية الإسرائيلية القائمة كالقلاع العسكرية، وهي تحيط كالسوار بالقدس الشرقية، وتحتل تلال الضفة الغربية، حتى إن عدد المستوطنين الآن بلغ أكثر من 462 ألف مستوطن، 271 ألفاً منهم يعيشون في الضفة الغربية، و191 ألفاً يعيشون في القدس الشرقية وحولها، أما نسبة النمو السكاني للمستوطنين فقد بلغت 6 .4%، بينما لا تزيد نسبة النمو السكاني للشعب اليهودي في إسرائيل عن 5 .1%.

يسعى الإسرائيليون من خلال محاولاتهم الاستيلاء على الأراضي في القدس الشرقية وبناء المستوطنات، وآخرها كان بناء 9 آلاف وحدة سكنية إضافية، إلى طرد الفلسطينيين من أراضيهم التي أقاموا عليها لأجيال كثيرة، كنوع من التطهير العرقي للمكان.

وقد أجبرت سلطات الاحتلال الإسرائيلية العديد من العائلات الفلسطينية على الرحيل من بيوتها في القدس الشرقية، وانتهى بها المطاف في الشوارع، كما تقوم مجموعات يهودية، مثل «أتيريت كوهانيم».

وهي منظمة يهودية خاصة تعمل على جمع التبرعات من الخارج من أجل شراء العقارات والأراضي في القدس الشرقية، وتقوم السلطات العسكرية والأمنية الإسرائيلية، في انتهاك واضح للأعراف الدولية، بتسهيل عمليات تهجير وطرد الفلسطينيين من ممتلكاتهم بكل الوسائل والسبل.

كما أن المستوطنين المسلحين أنفسهم، يقومون بغارات على بيوت الفلسطينيين، وبالمحصلة فهم ذراع من أذرع الاحتلال. يقول ريتشارد فوك، مقرر الأمم المتحدة، إن: «عنف المستوطنين مرفوض من جميع الأعراف الإنسانية والقانونية، لأن وجودهم أساساً غير قانوني، فلا تجوز حمايتهم والدفاع عنهم، بل المفروض على قوات الأمن الإسرائيلية إدانتهم وتجريمهم».

وأضاف فوك إن دمج الضفة الغربية والقدس الشرقية في الدولة الإسرائيلية ليس حلاً منطقياً، لأن إسرائيل بعدها ستضع مستويات ودرجات للجنسية الإسرائيلية، بحيث تحرم الفلسطينيين من الميزات، التي يحظى بها الإسرائيليون، حتى إنهم لن يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية، مثل عرب إسرائيل، بل سيكونون مواطنين من الدرجة الثالثة.

رؤية رحبة

وُلد كريس هيجيز عام 1956 في ولاية فيرمونت الأميركية، وهو صحافي وكاتب ومراسل حربي متخصص في الشؤون الأميركية، وشؤون الشرق الأوسط، وقد لاقى كتابه الأخير «إمبراطورية الوهم» الإعجاب والتقدير، كما أن له كتباً أخرى حققت مبيعات قياسية، مثل «الحرب قوة تعطينا معنى».

كريس هيجيز هو حالياً زميل المعهد الوطني في نيويورك، وقد عمل لعشرين عاماً كمراسل خارجي في أميركا الوسطى والشرق الأوسط وإفريقيا والبلقان، وغطى بتقاريره أكثر من خمسين بلداً على امتداد العالم، ومن الصحف الشهيرة، التي عمل بها، صحيفة نيويورك تايمز، حيث عمل فيها كمراسل خارجي لمدة 15 عاماً (1990 - 2005)

إعداد ـ قسم الترجمة

بقلم ـ كريس هيجيز