إذا نظرنا في مستقبل العلاقة الإسرائيلية الفلسطينية، فإننا نرى أن هناك العديد من المتغيرات، وأنه يمكن رؤية المستقبل من أكثر من منظور، فالمنظور الأول نتخيل فيه شرق المتوسط وقد خلا من الإسرائيليين في أعقاب حرب إبادتهم.

وهذا على الرغم من أنه غير متوقع إلا أنه ليس مستحيلاً أيضاً، والمنظور الثاني يخلو من فلسطين، حيث سيتم دمجها بإسرائيل، أما الفلسطينيون فسيتم ذبحهم أو طردهم إلى خارج الحدود، لتصبح بعدها إسرائيل كياناً منبوذاً ومعزولاً بشكل كبير عن العالم.

فهي دولة عسكرية دكتاتورية، لا تحترم الحقوق المدنية لسكانها، يهرب منها المعتدلون ويلجأون إلى أوروبا وأميركا، وتبقى إسرائيل تعاني من الحصار الدولي وتتوقف أميركا عن مساعدتها، وتدير لها ظهرها، وتتجه بقلبها وروحها نحو العالم الإسلامي.

وهناك سيناريوهات أخرى متعددة يمكننا أن نتخيلها لمستقبل العلاقة الإسرائيلية الفلسطينية، ففي السيناريو الثالث نرى أنه توجد دولة واحدة، لكن حرباً أهلية قد نشبت، لأن المواطنين لم يتفقوا على علم واحد مشترك.

وعلى قوانين وتشريعات مشتركة. أما الشكل الرابع المتخيل للمستقبل الفلسطيني الإسرائيلي فنرى فيه دولة واحدة بواقع أفضل بكثير، حيث تسود فيها الحريات والحقوق المدنية، وهو أمر غير مرجح على المدى القصير، إلا أنه غير مستحيل على المدى الطويل.

وفي السيناريو الخامس لا توجد إسرائيل ولا فلسطين، فالقنابل النووية قد أبادت الطرفين، وفي السادس نرى أن التحولات المناخية قد حولت المكان إلى صحراء لا ماء فيها، أما في السيناريو السابع، فيمكن لنا أن نتخيل دولتين، أي فلسطين وإسرائيل، وهما تتبعان مجلساً إقليمياً مشتركاً لحل المشكلات والخلافات بينهما، وتقومان جنباً إلى جنب، حيث تنعمان بالازدهار والتطور، وبحجم تبادل تجاري كبير بينهما، ومشروعات تنموية مشتركة لا تتوقف.

لا شك أن الاحتمال الأخير هو ما يوافق هوى النفس والأمنيات، وربما يتحقق إذا اكتشف قادة إسرائيل أن الرياح لا تجري بما تشتهي سفنهم، وأن سياسة استخدام القوة الساحقة واحتلال الأرض لا تجدي نفعاً، وأن ردود الأفعال الدولية حيال الجريمة، التي ارتكبتها بحق ناشطي أسطول الحرية، قد ازدادت وتيرتها، وسببت لهم صداعاً مزمناً.

بغض النظر عن الأسباب، فإسرائيل الآن فقدت القدرة على السيطرة على خيوط اللعبة، ومتاهات القصة المزعومة، فلم تعد تنجح في تسويق كذبة أنها الولد الضعيف في مواجهة العملاق الشرير، أي أنها الدولة الضعيفة، التي تقاتل ضد طوفان الشر، بل تحول الأمر إلى العكس، وصار العالم ينظر للفلسطينيين الآن ضمن هذا الفهم والتصور.

أما الموال الذي طالما غنته إسرائيل لتكسب به ود الأوروبيين والأميركيين بعنوان «ازرع شجرة في إسرائيل»، الممزوج بالتأوهات والدموع، فما عاد شعاراً محترماً، إذ أن صور الجرافات الإسرائيلية، وهي تقطع أشجار الزيتون الفلسطينية لا تغيب عن شاشات التلفاز.

بات من المؤكد أنه لا يمكن لإسرائيل الاستمرار فيما هي عليه دون أن تغير صورتها بشكل جذري، لهذا يجوز لنا أن نتخيل قادة إسرائيل وقد قرروا التصرف بأقصى سرعة، قبل أن تفلت منهم فرصة التفاوض مع الفلسطينيين للأبد، وقرروا أن يقودوا شعبهم نحو مستقبل أفضل، بدلاً من أن يجروهم نحو الهاوية، فأعادوا هضبة الجولان لسوريا، التي سارعت، بدورها، لدعوة حماس لطاولة المفاوضات.

وتنبه القادة الإسرائيليون لحقيقة أنه لا يجوز فرض أمر كشرط مسبق، وهو بالأساس مختلف عليه، فتنازلوا عن اشتراط الاعتراف بدولة إسرائيل، وقبلت حماس الدعوة للمفاوضات بعدما تم التصالح بينها وبين فتح، وجرت المفاوضات المعقدة، لكن الجميع حافظوا على هدوئهم واتزانهم، بعد أن تذكروا أن الصراخ والشجب لا ينفعان.

ونستمر في التخيل لنرى المفاوضات وقد انتهت على خير، وأصبحت فلسطين بعدها دولة حرة مستقلة، وانتهى الاحتلال بآثاره المدمرة على الطرفين، وبما أن إسرائيل قررت الالتزام بالقانون الدولي، فقد عادت إلى وراء حدود عام 1967، وتم إعلان القدس مدينة دولية.

لا شيء مستحيل، والتغيرات غالباً تأتي فجأة، مثل سقوط جدار برلين، وانتهاء عهد الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

قلم مبدع

مرغريت أتوود كاتبة كندية وشاعرة وناقدة أدبية وناشطة في المجال النسوي والاجتماعي، ولدت عام 1939، وتعتبر من أهم كتاب الرواية والقصة القصيرة في العصر الحديث، حيث فازت بالعديد من الجوائز، ومنها جائزة بوكر، التي فازت بها مرة واحدة ورُشحت لها خمس مرات، وجائزة «آرثر سي كلارك»، كما نال شعرها قبولاً واسعاً، ولها العديد من الدواوين الناجحة.

ولدت مرغريت في أوتاوا الكندية، ولم تلتحق بالمدرسة بدوام رسمي حتى بلغت 11 سنة من عمرها، وبعدها أصبحت تكثر من قراءة الأدب وكتب الخيال والقصص الشعبية. حصلت على درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة هارفرد الأميركية، وعملت في مجال التدريس في جامعة بريتش كولمبيا عام 1965. وصفتها مجلة «الإيكونومست» بأنها كاتبة مبدعة ومتألقة وخبيرة في النقد الأدبي.

ترجمة ـ يوسف جباعته

بقلم ـ مرغريت أتوود