من السهل التقليل من شأن قدرة الشعور بالخوف على عرقلة إحياء مجتمع ما وخروجه من حالة العنف المخيف والقمع، أو منهما معا، والخوف يسيطر الآن على العراق، بينما يحاول قادته إيجاد بداية جديدة، بعد عقود من نظام الاستبداد الوحشي، والإطاحة الدموية به، والفوضى التي تلت ذلك.
ومن المخاوف الرئيسية لدى العراقيين ظهور حزب البعث من جديد، والوقوع مرة أخرى في براثن الدكتاتورية. مخافة أخرى تتمثل في سيطرة إقليمية على العراق، من خلال ممارسة النفوذ على الأرض.
رغم أنني وجدت هذه المخاوف شائعة بين السياسيين، عندما كنت في بغداد أواخر مايو الماضي، فقد أُخذت على غرة، عندما سألني سائق سيارتي، ببراءة عجيبة متوقعا ردا بسيطا من جانبي، قائلا:»هل أنت متأكد من أن صدام قد مات؟» ومضى قائلا: «يقولون إنهم دفنوا نسخة شمعية عنه وعن أولاده، وأنهم يعيشون في جنوب فرنسا.
نظريات المؤامرة
نظريات المؤامرة الدائرة في العراق اليوم، المعتمدة على «يقال أن كذا أو كذا»، شائعة إلى درجة كبيرة تتحدى التفنيدات المباشرة، وتشير إلى أمراض أكثر عمقا، ربما لا يستطيع علاجها إلا الوقت، والتوصل إلى مصالحة حقيقية.
في الوقت الحالي، فان هذه الأوهام المخيفة، تشكل وتشوه في الوقت نفسه، السياسات المتبعة والعملية السياسية برمتها. وذلك في الوقت الذي تسعى الأحزاب السياسية الرئيسية في العراق إلى تشكيل حكومة ائتلافية، بعيدا عن النتائج المثيرة للجدل للانتخابات البرلمانية، التي أجريت في مارس الماضي.
كل هجوم بقنبلة، وكل زيارة يقوم بها زعيم سياسي لدولة مجاورة، وكل عملية يُقتل فيها سياسي، تثير مخاوف هائلة من أن الرعب، الذي كان مسيطرا قبل العام 2003، قد يُبعث من جديد، في صورة مصغرة، ولكن مدمرة في الوقت نفسه، سواء كانت صور هذا الرعب تنبعث من ذكريات عمليات التعذيب أيام نظام البعث ، أو من الهجمات الإيرانية خلال الحرب، التي لا رحمة فيها، والتي دارت رحاها قبل أكثر من 20 عاما مضت. هل تعود هذه الأشباح من جديد لتضع بصمتها الدموية على مستقبل العراق؟
المشهد الأول، الذي يظهر فيه أولئك المرعوبون من شبح عودة البعث، عبر عنه اجتماع عقد في إبريل الماضي، في العاصمة السورية دمشق، من جانب فرع حزب البعث العراقي هناك، بمشاركة جماعات معارضة للوضع الحالي في العراق.
كان هذا هو الاجتماع الأول من نوعه، الذي تسمح الحكومة السورية بانعقاده في العلن. وقد اعتبر رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ومؤيدوه هذا الاجتماع إشارة مبطنة بان سوريا وفلول حزب البعث العراقي يؤيدون خصم المالكي الرئيسي، وهو رئيس الوزراء العراقي الاسبق إياد علاوي، في مساعيه لتشكيل الحكومة المقبلة في العراق.
وبالمقابل، فان علاوي الذي يقدم نفسه على انه ليست له انتماءات دينية، وله مؤيدون من طوائف عدة، يعتبر أن مشهد توافد سياسيين بارزين على عاصمة إقليمية في أعقاب الانتخابات، دليل مقنع على أن تلك العاصمة تسعى إلى مزيد من التأثير في السياسة العراقية.
بعد مرور أكثر من أربعة أشهر على الانتخابات، لم يتم تشكيل حكومة بعد. ويبدو أن زعماء القوائم الأربع، التي فازت بالعدد الأكبر من المقاعد مدركة أن الطريق العملي الوحيد لتحقيق تقدم هو من خلال تشكيل حكومة ائتلافية موسعة.
ووسط خوف الكل، من بعضهم بعضا، فانهم يبدون متفقين أيضا على أنه من الأفضل أن يكون هناك تقارب كبير بينهم، وأن يجلسوا جميعا حول طاولة المفاوضات بدلا من الزوايا المنفصلة، بعيدا عن الأعين، لتدبير عمليات الانتقام.
وفي هذ الاتجاه، يتلقون التشجيع من جانب جيران العراق، ومن الولايات المتحدة، وهي جميعا أطراف يقلقها ما قد يحدث، إذا استبعد طرف من أطراف اللعبة السياسية في هذه المرحلة الحرجة من تطور الدولة العراقية، حيث يمكن أن يعود إلى ممارسة التمرد، وليفجر دورة جديدة من الحرب الأهلية، التي قد تكون لها آثار وعواقب لا يمكن التنبؤ بها على المنطقة بأسرها.
تعقيد الأمور
لكن الشئ الذي يعقد الأمور هو خوف الكثير من العراقيين من أنه، أيا كان الحزب الذي سينال حق تشكيل الحكومة وتعيين رئيس الوزراء، فانه سيسعى إلى تركيز السلطة في يده، مستخدما الفجوات والنقاط الغامضة في الدستور العراقي الجديد لمصلحته.
منتقدو المالكي يقولون إن هذا هو ما فعله الأخير بالضبط خلال أربع سنوات من حكمه. فبدلا من محاولة تحقيق حكم متماسك، سعى إلى ترسيخ سلطته، بما في ذلك تشكيل الوكالات الأمنية على خلاف ما يقضي به الدستور.
وبينما يشدد علاوي على أحقيته في تشكيل الحكومة نظرا لحصول قائمته على نسبة 91% من التصويت مقابل 89% لقائمة المالكي، يشكك المالكي بنتائج الانتخابات، ملمحا بدرجة كبيرة من الوضوح إلى أن «قوة أجنبية» قاصدا الولايات المتحدة- احتالت عليه وتلاعبت بعملية التصويت وعد الأصوات ثم إعادة الفرز.
وأيا كان رأيهم في المالكي، فان السياسيين الشيعة لا يخافون شيئا بقدر ما يخافون فقد منصب رئيس الوزراء، ويؤمنون بأنه إذا أعطيت الفرصة لعلاوي لتشكيل الحكومة فان يدا خفية، مرة أخرى الولايات المتحدة، ستساعده بطريقة ما، وستبعد الشيعة، بالخداع والكذب، عن هذا المنصب السيادي الذي احتلوه منذ العام 2003.
ما يثير الدهشة إزاء توجه إدارة أوباما الحالي نحو السياسة العراقية، رغم ذلك، ليس هو تفضيلها المسبق لحزب بعينه، هو حزب علاوي، ولكن فشلها في إظهار إرادة حقيقية للدفع باتجاه الحل، وهو أمر لاحظه السياسيون من جميع الأحزاب.
حيث تسعى الولايات المتحدة إلى ممارسة نفوذ قوي بشكل متقطع وبثبات. وتمثل ذلك في زيارة قام بها نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، مبعوث الإدارة الخاص الفعلي إلى العراق.
فقد وصل إلى العراق عشية ذكرى عيد الاستقلال، والتقى كلا من المالكي وعلاوي، إضافة إلى شخصيات قيادية أخرى. ويبدو أن الولايات المتحدة تريد من كليهما تشكيل حكومة واسعة شاملة على أساس تقاسم السلطات، وأن يتم ذلك بسرعة، قبل أن تبدأ إدارة اوباما بتنفيذ وعودها بتقليص عدد جنودها في العراق بمقدار خمسين ألفا في نهاية أغسطس الجاري.
تحذير مدهش
وحذر بايدن في تصريحاته من التدخلات الخارجية في العملية السياسية في العراق، حتى ولو من الولايات المتحدة نفسها. واعتبر المحللون أن المقصود بذلك العواصم الإقليمية المجاورة. بل إن دولا عربية أخرى دخلت على الخط من خلال التحذير من أن تولي علاوي رئاسة الحكومة قد يؤدي إلى حرب أهلية. غير أن هذا ليس أمرا مفاجئا.
فجميع جيران العراق لهم مصالح حيوية تتعلق بالشكل الذي ستكون عليه الدولة في المستقبل. وهم يتفقون على ضرورة الحفاظ على وحدتها الوطنية، بينما يختلفون على كل شيء عدا ذلك.
هذا الأمر يهم الولايات المتحدة بشدة الآن، من حيث كونها قوة متلاشية في العراق. ووسط القلق مما سيحدث بعد انسحاب القوات الأميركية وأي دور مستقبلي سيكون للولايات المتحدة في العراق، يحرص جيران العراق على الدفع باتجاه نتائج متوافقة مع مصالحهم الذاتية، ومن الممكن التنبؤ أيضا بأنهم يعملون على تحقيق مصالح متضاربة.معظم العراقيين مستاء بشدة من نفوذ تلك الدول.
وحسب توجهاتهم السياسية، يميل العراقيون إلى إظهار الاتجاه الذي يرفضونه بمظهر الشرير، بينما يقللون من تأثير الآخر. تصورهم للتدخل الأجنبي يتأثر كثيرا بخوفهم من أن ذلك التدخل سيبعد الحزب الذي يفضلونه نهائيا عن السلطة.
وفي العراق، فان المسألة بالنسبة للذين يرون أنفسهم على الجانب الخاسر أكبر بكثير من مسألة خسارة مناصبهم الرسمية وحوافزهم وامتيازاتهم. ففي غياب مؤسسات قوية، مثل جهاز قضائي مستقل، يمكنه التشجيع والحفاظ على انتقال سلمي للسلطة، فان الخاسر يمكن أن يفقد حياته أيضاً.
ما لدينا في العراق، الآن، هو معركة مزايدات، تحاول من خلالها قوى إقليمية توجيه ضربة أخرى أخيرة في العين للولايات المتحدة، بينما تعود القوات الأميركية إلى بلادها، وهو ما سيؤدي ضمن أشياء عدة إلى تأخيرات أخرى في تشكيل الحكومة.
بعض العراقيين يتمنون أن يأتي اليوم الذي يستطيعون فيه أن يفقأوا بأنفسهم عين أي قوة أجنبية تتدخل بقوة في بلادهم.
بقلم ـ جوست هيلترمان- ترجمة ـ عصام بيومي
