تعيش بغداد أجواء سياسية شبيهة بمصارعة السومو اليابانية، فبعد جولات الاستئناف والعودة إلى نقطة الصفر أكثر من مرة، حُسمت نتائج انتخابات مارس الماضي بحصول قائمة «العراقية» على 91 مقعداً في البرلمان، مقابل 89 صوتاً حصل عليها ائتلاف دولة القانون.

لكن الأزمة لم تنته، لأن كلاً من رئيس الوزراء السابق إياد علاوي ورئيس الوزراء الحالي نوري المالكي لم يتوقف عن الادعاء بأن من حقه تشكيل الحكومة، وتولي منصب رئيس الوزراء، ويذكر أن البرلمان العراقي يتألف من 325 مقعداً، والحصول على 163 مقعداً منها يشكل الأغلبية.

وفي زيارته الأخيرة للمنطقة، حاول نائب الرئيس الأميركي جو بايدن أن يهدئ الأوضاع، بهدف وقف التصارع بين الاثنين، والتفكير في حل يتم من خلاله اشتراكهما معاً لتشكيل حكومة جديدة، وهذا هو الحل الذي تؤيده واشنطن.

علاوي، من ناحيته، يدعي الأحقية في رئاسة الوزراء استناداً الى نتائج الانتخابات، التي تتضمن حصوله على تقدم طفيف فيما يتعلق بالمقاعد النيابية. لكن لماذا لا يتعلم العراق أن انتقال السلطة من شخص الى اخر ما هو إلا جزء من اللعبة الديمقراطية؟ وكيف يمكن للعراق أن يصبح دولة ديمقراطية، إذا استمر رئيس الوزراء نفسه في شغل منصبه طوال الوقت؟

ولم يفترض بالناخبين أن يتجشموا عناء الذهاب إلى صناديق الاقتراع في المستقبل، إذا كان صوتهم بلا قيمة؟ وكيف يمكن للعراق أن يستمر على النهج الديمقراطي، إذا استمر المالكي في سياسته الرامية إلى تشديد قبضته على قوات الأمن؟

من ناحية أخرى، يستند المالكي، في ادعائه أحقيته برئاسة الوزراء، على اتفاق ما بعد الانتخابات الذي وقعه مع التحالف الوطني العراقي الذي فاز ب70 مقعداً، ما يجعله الكتلة الأكبر في البرلمان بـ 159 مقعداً، ولا تفصله عن تحقيق الأغلبية سوى 4 مقاعد، كما أنه يستند الى حقيقة أنه، كفرد، أكثر من حصل على أصوات الناخبين، حيث حصل على 600 ألف صوت، وهو الرقم الأعلى في البلاد.

مشكلات بلا حصر

يواجه كل من الرجلين مشكلات بلا حصر، حيث يبدو تحالف المالكي، الذي تم بعد الانتخابات، مهزوزاً، والتحالف الوطني العراقي لم يحسم أمره حتى الآن بشأن تسميته مرشحاً رسمياً له ليكون رئيساً للوزراء، لكنه لا يزال يجلس على كرسي رئيس الوزراء، متمتعاً بكل مزايا ذلك المنصب في الوقت الحالي، وسيستمر الوضع على ما هو عليه حتى تحسم الأمور.

علاوي من جهته أكد على أن الدستور يُلزم الأطراف بتكوين حكومة خلال 30 يوماً من التئام البرلمان، الأمر الذي تم في 14 يونيو الماضي، لكن لم يتبعه تشكيل حكومة، ويرفض المالكي هذا الادعاء جملة وتفصيلاً، ولا تعتبر هذه سابقة في العراق، فقد تم غض الطرف عن الكثير من المواعيد النهائية المماثلة.

يفضل العديد من الأميركيين المهتمين بالشأن العراقي علاوي، لأنه يتسم بتوجهات علمانية، لكنهم لا يمانعون في أن يشترك المالكي وعلاوي في حكم العراق، خاصة إذا كان هذا يعني تهميشاً للمتشددين في التحالف العراقي، غير أنه لا أحد يعرف، على وجه التحديد، كيف يمكن إرضاء الاثنين معاً بالمناصب المتوفرة.

كلا الرجلين يريد أن يكون رئيساً للوزراء، لكن أياً منهما لا يحلم برئاسة الدولة لأنها لا تتمتع بسلطة نقض القرارات.

كما أنهما لا يرغبان في منصب رئيس البرلمان، الذي يعتبر أهم من منصب الرئاسة، لكنه أقل أهمية من منصب رئيس الوزراء، الذي لا يرى المالكي عنه بديلاً، أما علاوي فمن الممكن أن يتقبل فكرة أن يحتل غيره منصب رئيس الوزراء، بشرط أن لا يكون المالكي، أو أي شخص آخر من حزب الدعوة.

أياً كانت طبيعة الحكومة الجديدة، فلن يكون في جعبتها برنامج متماسك ورصين، سوى التعهد النظري بالمضي في طريق الديمقراطية، والسعي لتحقيق الرخاء، ومكافحة الفساد، وما عادت النتائج التي ستتأتى عن هذه الحكومة أو تلك هي الشغل الشاغل للجميع، إنما من سيقود، فالمفاوضات والمناورات والاجتماعات لا تتوقف أبداً في بغداد، حيث يحاول كل من المالكي وعلاوي التأثير على جبهة الآخر، أو كسب ود الأكراد، أو استمالة الأميركيين أو العرب أو الأتراك، للضغط على الطرف الآخر، لكن الأمر يشير إلى أن الأمر أصبح شبيهاً بعجلة تدور وليس من المرجح أن تتوقف قريباً.

الاتجاه الصحيح

ما الذي يمكن استنتاجه حول الديمقراطية الوليدة في العراق؟

أولاً، تبدو الديمقراطية في العراق مثل كل الديمقراطيات البرلمانية الأخرى، فحتى في الدول الديمقراطية العتيدة يمكننا أن نلحظ دائرة المناورات والمفاوضات نفسها حول تشكيل الحكومة، والتي قد تمتد شهوراً عديدة، لكن الفرق أن دولاً مثل هولندا وإيطاليا تمارس هذه الإجراءات الديمقراطية منذ عقود، أما العراقيون فهم يمارسونها للمرة الثانية فقط، وذلك منذ سقوط نظام صدام حسين.

ثانياً، العديد من الطعون التي تقدم بها العراقيون، في الفترة السابقة، والمتعلقة بعدد الأصوات، أو عدد المقاعد، أو الاستحقاقات الدستورية، أو غيرها، تعتبر ديمقراطية ودستورية بشكل كبير، على الرغم من أنه لم تتم ممارسة العديد منها قبل خمس سنوات، ناهيك عن أنه في ذلك الوقت قاطع السنة الانتخابات وطالبوا بمراجعة الدستور، ولا يزالون يطالبون بإجراء تعديلات عليه، لكن ما اختلف الآن هو أنهم شاركوا في الانتخابات الأخيرة، ولم يقاطعوها، وهذا تطور مميز يصب لصالح الحركة السياسية العراقية.

ثالثاً، تغيرت توجهات الانتخابات الأخيرة في مارس، أو حتى انتخابات المحافظات التي جرت عام 2009 إلى حد ما، فلم تعد تستند بشكل كبير على الطائفية والعرقية، على الرغم من أن التوجهات الطائفية والعرقية لا تزال قوية في السياسة العراقية الحالية، وهناك عوامل مهمة أدت إلى تغيير النتائج الانتخابية عما كانت عليه قبل خمس سنوات، ومنها حقيقة أن السنة صوتوا هذه المرة، ولم يقاطعوا، وحقيقة أن الشيعة انقسموا ولم يتفقوا، حيث صوت السنة لعلاوي.

بينما ذهبت أصوات الشيعة للمالكي وللتحالف الوطني العراقي، وهذه سياسة هوية، لكنها تظل أفضل بكثير من الحرب الأهلية، ومن المفارقات أيضاً أنها عامل من العوامل التي ستمنع ولادة دكتاتور جديد، مثل صدام حسين، فمن أين للدكتاتور الجديد أن يجد القوات الأمنية الموحدة، لتكون عصا يضرب بها البلاد؟

رابعاً، لا تزال القوى والدول الخارجية تؤثر على سياسة العراق، وتهدد بتحويل العراق إلى ساحة حرب داخلية متعددة الجبهات، ومن الملفت هنا أن الولايات المتحدة هي الأقل تأثيراً بين تلك الدول، كما أن الجميع يحتاجها للحماية فالسنة والشيعة يريدونها لحمايتهم من بعضهم البعض، والأكراد يريدونها لحمايتهم من العرب، لكن الأميركيين يركزون حالياً على مسألة سحب قواتهم، وتقليص جنودهم في العراق إلى 50 ألفاً بحلول سبتمبر المقبل.

يبدي الأميركيون بشكل عام، وإدارة أوباما بشكل خاص، تصميماً على تنفيذ جدول الانسحاب في موعده المحدد، ولا شيء في المشهد السياسي العراقي، على ما يبدو، سيؤثر على هذا الجدول بالنسبة لهم، إذ أصبحت الساحة السياسية العراقية واضحة، إلى حد كبير، ومن الممكن التكهن بها، أما فيما يتعلق بأحداث العنف، التي تحدث على مدار أسبوعي في العراق، فليس لها التأثير والصدى السياسي نفسه، الذي كان سائداً قبل 3 سنوات، ويعود ذلك، على الأرجح إلى أن معظم القوى الرئيسية انخرطت في العمل السياسي، وترفض جميعها العنف، وتخطط لاستئصاله.

السؤال الأصعب

والسؤال الأصعب هو حول آلية تكملة الانسحاب بمجرد تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، فالاتفاقات الحالية تطالب القوات الأميركية بالانسحاب الكامل من العراق بحلول نهاية عام 2011، على الرغم من أن الجميع في الولايات المتحدة والعراق يعلم أن الحكومة الجديدة ستكون بحاجة لمساعدة ودعم عسكري كبيرين، خاصة أن البحرية وسلاح الجو العراقي لا يزالان في مرحلة التشكيل والبناء الأولي، ومن الصعب الآن على أي كتلة سياسية أن تتقدم بطلب مساعدة عسكرية أميركية في هذه المرحلة، وما سينطوي عليه ذلك من تفسيرات وقراءات مختلفة داخل العراق وخارجه.

وفيما يتعلق بالحكومة الجديدة، فإن الأميركيين يميلون لأن يجدوا الصدريين داخل الحكومة الجديدة، لا خارجها، لأن الصدريين لعبوا دوراً ذكياً في لعبة الانتخابات، واستطاعوا الفوز بحصة الأسد من أصوات التحالف الوطني العراقي في البرلمان، لهذا فإنهم سيسعون للحصول على حصتهم، وترى مختلف القيادات العراقية أن من الأفضل أن يكونوا داخل الخيمة، على أن يكونوا خارجها.

كما أن هناك سؤالاً آخر يطرح نفسه بقوة، وهو هل سيستمر العبث الخارجي، على المدى الطويل، بالحكومة العراقية الجديدة؟، وهذا السؤال يعتمد بشكل ما على نوعية الحكومة الجديدة، هل ستكون تحالفاً بين العراقية والمالكي، أم العراقية مع التحالف الوطني العراقي، وفيما يتعلق بواشنطن، فإن إدارة أوباما هناك تميل لترجيح كفة العراقية، على الرغم من أنها لا تظهر ذلك أمام الملأ.

خلاصة القول إن العراق يحذو حذو الديمقراطيات الكبرى، ويقيس أداءه بالمعايير الديمقراطية، مع وجود احتكاك طائفي وعرقي، لكن السياسة تسيطر عليه. صحيح أن الوضع في العراقي لا يشبه ما جمح به خيال جورج بوش، الرئيس الأميركي الأسبق، لكنه يعتبر نجاحاً للجميع؛ للعراقيين ولإدارة الرئيس أوباما على حد سواء.

بقلم ـ دانيال سيرور ترجمة ـ يوسف جباعته