للمرة الأولى منذ العام 1948، خطا مجلس النواب اللبناني أول من أمس أول الأميال باتجاه منح الفلسطينيين حقوقاً في لبنان، فأجاز لهم العمل لكنه لا يزال يمنع عليهم التملّك، في خطوة أيدها البعض من السياسيين اللبنانيين وتحفظ عليها آخرون واصفين إياها بأنها لم تنصف الفلسطينيين، في حين تخوف آخرون من أن تكون توطئة للتوطين، في وقت كان الرد الفلسطيني مرحباً بحذر.

فبعد دراسة دامت شهرين في لجنة الإدارة والعدل أقرّ مجلس النواب اقتراحين سيبدأ العمل بهما فوراً بخصوص عمل اللاجئين الفلسطينيين، لكن إقرار هذين المشروعين لم يكن بالطبع بالسهولة المذكورة إذ سبقتهما سجالات حادّة بين النواب المختلفين على موضوع الحقوق المدنية للفلسطينيين فكانت تصريحات معظمهم مع إقرار هذه الحقوق لكن بالصيغة التي يرونها الأفضل لتوجّهاتهم السياسية، في وقت وصف النائب وليد جنبلاط الخطوة ب«الإنجاز»، مؤكّداً أنه سيواصل السعي والضغط لإقرار بقية الحقوق «مهما كانت الطريق طويلة ووعرة».

وهناك من النواب من رأى أنه لا يجب أن تُعدّ هذه الحقوق «توطيناً مبطناً»، وهناك من أراد أن تكون هذه القوانين «ميثاقية وأن يُصوَّت عليها بإجماع الثلثين»، فيما تخوّف آخرون من أن يكون إقرار هذه القوانين «باباً لعدم تمسّك الفلسطيني بحقه في العودة إلى دياره».

إلغاء رسوم

وفي المحصّلة، صدّق النواب على اقتراح القانون الرامي إلى تعديل المادة ال59 من قانون العمل اللبناني بعدما عُدِّل في لجنة الإدارة والعدل ليصبح على الشكل الآتي: «يتمتّع الأُجراء الأجانب عند صرفهم من الخدمة بالحقوق التي يتمتع بها العمال اللبنانيون شرط المعاملة بالمثل ويترتب عليهم الحصول من وزارة العمل على إجازة عمل.

يستثنى حصراً الأُجراء الفلسطينيون اللاجئون المسجّلون وفقاً للأصول في سجلات وزارة الداخلية والبلديات، مديرية الشؤون السياسية واللاجئين، من شرط المعاملة بالمثل ورسم إجازة العمل الصادرة عن وزارة العمل».

وبعيداً عن اللغة القانونية الجافة، فإن ما يرمي إليه هذا القانون هو السماح للفلسطيني بمزاولة جميع المهن، إلا تلك المحصورة بالمهن الحرّة وإلغاء الرسوم المستحقة لاستصدار إجازة عمل. وهذا يعني عملياً أن ما قام به النواب هو إلغاء دفع 450 ألف ليرة لبنانية هو رسم إجازة العمل.

إجراءات تسهيلية

لكن العائق الأساسي الذي كان وسيبقى أمام الفلسطيني في لبنان ليس كلفة الرسوم بل إيجاد كفيل يسهّل له استصدار هذه الإجازة، وهذا ما وعد به وزير العمل بطرس حرب عبر «البيان»، قائلاً إنه «سيتخذ تدابير وإجراءات إدارية لتسهيل الحصول على إجازات العمل»، وإنه سيمنح الحرفيّين الفلسطينيين «إجازة عمل وإن كان عمله منفرداً من دون صاحب عمل».

وخلافاً لرأي مؤيّدي إقرار حق العمل للفلسطينيين، رأى كثيرون أن ما أقرّ للفلسطينيين بالنسبة إلى حقّ العمل لم يكن عملياً سوى ذرّ للرماد في العيون ولم يتعدَّ حدود التمويه اللفظي الذي يعكس التوازنات اللبنانية الممجوجة من دون أن يلبّي المتطلبات الفعلية والملحّة للاجئين.

وقال وزير الدولة وائل أبوفاعور ل«البيان» إن «هذا الملفّ، كما غيره، خضع لقواعد الاشتباك الداخلية والتي تفرض توافقات وتسويات غالباً ما تلحِق الغبن بالذين يُفترض أن تنصفهم». وأردف أن «التقنين في منح الحقوق يتعارض مع حقيقة أن الحقوق الإنسانية والاجتماعية هي كلّ لا يتجزّأ، لكونها في طبيعتها متكاملة ومتصلة ببعضها البعض وأي تجزئة لها ستؤثر على فعاليتها ومفاعيلها».

وفي حين أفضت «الضرورات» إلى امتصاص اندفاع المتحمّسين للحقوق المدنية والإنسانية ونجحت في تجويفها من مضامينها الحقيقية واختزالها ببعض الفتات الذي لا يسمِن ولا يغني من جوع، فإن عضو الكتلة القومية النائب مروان فارس، قال إن «شيئاً جوهرياً لن يتغير في الواقع المرّ الذي يرزح تحت وطأته اللاجئون منذ عقود».

واستطرد فارس القول إن «أغلب الظن أن معظم هؤلاء لن يشعروا بأن تبدّلاً قد طرأ على حياتهم»، معرباً عن أسفه «لكون الشعب الفلسطيني يدفع في كل مكان أثمان تسويات». وحقيقة الأمر أن حقّ التملّك بقي خارج البحث، كما أن هوامش العمل أمام اللاجئ الفلسطيني ظلّت ضيقة، في حين أن ما منح له في الأساس جزء من الواجبات المستحقة على رب العمل في علاقته مع الأجير سواء في ما يتصل منها بتعويض نهاية الخدمة أو طوارئ العمل.

تخوف

وفي المواقف اللبنانية أيضاً، رأى وزير الشؤون الاجتماعية سليم الصايغ أن الحقوق الفلسطينية «ليست مجتزأة وللاجئين الحق بوطن لهم»، بحسب قوله ل«البيان». أما رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب روبير غانم، فأعرب عن تخوّفه من أن يؤدي منح الفلسطيني حقّ العمل من دون إجازة إلى «إلغاء صفة اللاجئ عنه».

رد فلسطيني

إلى ذلك، التقت أوساط فلسطينية حقوقية عدّة على التأكيد ل«البيان» أن ما تحقّق «شكليّ ولا يلامس جوهر المعاناة التي تواجه الفلسطينيين»، مشيرة إلى أن اللاجئ المقيم في لبنان ما زال في حصيلة الأمر «كائناً ملتبساً فلا هو يُعطى حقوق اللاجئ المنصوص عليها في القوانين الدولية ولا يُمنح حقوق الأجنبي المنصوص عليها في القوانين اللبنانية».

كما استغربت هذه الأوساط «الإبقاء على إجازة العمل التي تعني أن اللاجئ سيبقى أسير مزاجية وزير العمل في منحها أو حجبها تبعاً لميوله وأهوائه السياسية».

وفي هذا السياق، رأى عضو المكتب السياسي في الجبهة الديمقراطية علي فيصل أن التوصية التي تقدّمت بها لجنة الإدارة والعدل لجهة إقرار حق العمل للاجئين الفلسطينيين والضمان الاجتماعي هي «خطوة محدودة وغير كافية ومنقوصة لأنها أبقت على حركة تمييز، لا سيما وأنها لم تشمل كل المهن بما فيها الحرة كما أنها لم تأخذ بعين الاعتبار حق الضمان الصحي للأجراء الفلسطينيين».

وأكد فيصل ل«البيان» أن «الحقوق الإنسانية هي رزمة كاملة يجب استكمالها من دون إدخالها في التجاذبات السياسية».

بدوره، رحّب ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان السفير عبدالله عبدالله في تصريحات ل«البيان» بإقرار مجلس النواب إجازة العمل للفلسطينيين. وقال إن ما تحقّق «خطوة متقدّمة في الاتجاه الصحيح ولكنها لا تلبّي كل مطالبنا ونحن مصممون على مواصلة العمل مع كل الأفرقاء اللبنانيين لإنجاز الآليات الضرورية لتنفيذ هذا القانون وفق الأهداف المرجوة منه، وكذلك مواصلة العمل على إقرار بقية الحقوق وأوّلها حقّ التملك».

وتقاطع ترحيب عبدالله مع رأي الناطق باسم حركة «فتح» أحمد عساف الذي اعتبر أن ما تحقّق «يمنح الفرصة أمام التخفيف من المعاناة التي تعرّض لها اللاجئ الفلسطيني في لبنان ويشكّل خطوة بالاتجاه الصحيح ويفتح الطريق أمام باقي الحقوق وخصوصاً حقّ التملّك»، مجدّداً التأكيد على أن الوجود الفلسطيني في لبنان «مؤقت».

أرقام متضاربة

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى عدم وجود إجماع على أيّ أمر يخصّ الفلسطينيين في لبنان، حتى أعدادهم لا إجماع على رقم موحّد لها. ففي حين تقول وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إنّ المسجّلين لديها يزيدون على 400 ألف ويقدّرهم بعض «الخائفين» من لعنة الديموغرافيا بنحو نصف مليون، يؤكّد الخبراء الميدانيين أن المقيمين منهم في لبنان لا يزيد على نصفهم، فيما يتوزّع الباقون على الدول العربية ودول الاغتراب الأميركي والأوروبي.

ويقول الباحث في الشؤون الفلسطينية اللبنانية والخبير في ملفّ اللاجئين في لبنان د. محمود العلي إنّ موجات النزوح إلى لبنان «بدأت بعد إعلان إسرائيل في 1948، فأتى إلى لبنان ما يقارب 130 ألف لاجئ معظمهم بقوا في الفترات الأولى في مناطق قريبة من الحدود الفلسطينية اللبنانية بانتظار حسم الجيوش العربية للمعركة». وأضاف أن اللاجئين «طفقوا يبحثون عن لقمة العيش والاستقرار فأخذوا ينتقلون إلى مناطق أخرى بعيداً عن الحدود وبدأت المخيمات بالتشكّل».

صدى الإقرار إعلامياً

ارتداد صدى منح حق العمل للفلسطينيين ظهر على الصحف اللبنانية التي انقسمت هي الأخرى، فصحيفة «السفير» شنت هجوما على ما اعتبرته ان «ما أقر للفلسطينيين بالنسبة إلى حق العمل لم يكن عمليا سوى ذر للرماد في العيون، ولم يتعد حدود التمويه اللفظي الذي يعكس التوازنات اللبنانية الممجوجة، من دون ان يلبي المتطلبات الفعلية والملحة للاجئي».

ورأت الصحيفة أن هذا الملف خضع، كما غيره، ل«قواعد الاشتباك» الداخلية التي فرض في العادة توافقات وتسويات غالبا ما تلحق الغبن بالذين يُفترض ان تنصفهم.

وهكذا فإن «الضرورات» أفضت إلى امتصاص اندفاعة المتحمسين للحقوق المدنية والإنسانية ونجحت في تجويفها من مضامينها الحقيقية واختزالها ببعض الفتات الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وبالتالي فإن شيئا جوهريا لن يتغير في الواقع المر الذي يرزح تحت وطأته اللاجئون منذ عقود، وأغلب الظن ان معظم هؤلاء لن يشعروا صباح اليوم أو غد أو بعده بأن تبدلاً قد طرأ على حياتهم.

صحيفة «المستقبل» أكدت انه بهذا الإقرار «يكون مجلس النواب انتهى إلى التخفيف من الأعباء على كاهل الفلسطيني داخل المخيمات».

صحيفة «الأخبار» رحبت بما تحقق للفلسطينيين واعتبرت أن المجلس النيابي كان يخضع لعملية إعادة تأهيل كاملة، فاجتماع النواب اللبنانيين في القاعة كان فأل خير على الفلسطينيين، إذ أُقرّ اقتراحا قانونين يتعلقان بحق العمل والاستفادة من الضمان الاجتماعي.

بدورها رأت صحيفة «النهار» ان جلسة مجلس النواب تخللتها محاولة التفاف على اقتراحات حقوق الفلسطينيين، معتبرة أنها أعطيت حقوق نهاية الخدمة للفلسطينيين عبر حساب خاص، مع اعتراض وحيد سجلّه نواب «تكتل التغيير والإصلاح». فكانت الجلسة استثنائية في المضمون والشكل.

بيروت - وفاء عواد