كان أمراً غير معهود في الساحة السياسية التركية على الاطلاق، ان تكون 15 شهرا فقط كافية لتولي حزب حديث التأسيس حكم تركيا، التي تموج ساحتها السياسية بعدد من الاحزاب المخضرمة، التي تتمتع برصيد جماهيري وخبرة سياسية وعراقة تاريخية.

لكن اليوم يقف الحزب الحاكم في تركيا على اعتاب مرحلة جديدة، قد تسمح له بالتربع طويلا على صدارة المشهد السياسي واعادة تشكيل استراتيجيات البلاد، إذ لا يكاد ثلاثة في تركيا يختلفون على ان الحزب سيحصد في السنوات القادمة مزيدا من النجاحات.

في الرابع عشر من اغسطس من العام 2001 تأسس حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان وزميله عبدالله غول، بعد انشقاق المجموعة عن حزب الفضيلة، الذي كان اسسه صانع الاحزاب التركي المخضرم البروفيسور نجم الدين اربكان، وفي الثالث من نوفمبر من عام 2002 اصبح «العدالة والتنمية» الحزب الحاكم في البلاد، بعد ان كلفه الرئيس السابق، احمد نجدت سيزار، بتشكيل حكومة منفردة.

في مسيرته الممتدة لتسع سنوات، شكّل «العدالة والتنمية» حالة فريدة في المشهد السياسي التركي، ربح مرتين في الانتخابات النيابية، وشكل الحكومة لوحده مرتين، حاز على اغلبية ساحقة، مع استثناءات بسيطة لا تذكر، من رئاسات ومجالس البلديات في أنحاء البلاد، حاز على منصب رئاسة الجمهورية، ويستعد اليوم لمعركتين كبيرتين أخريين.

وفي الاشهر القليلة الماضية خاض الحزب معركته مع المؤسسة العسكرية، ونجح للمرة الأولى في فرض سيطرة المدنيين على العسكر الذي يخولهم الدستور التركي التدخل لحماية مبادئ الجمهورية، وهو اليوم يخوض معركتي الدستور والانتخابات البرلمانية معا.

وتشير أحدث الاستطلاعات الى ان نحو 50 في المئة من الأتراك الذين يسمح لهم بالمشاركة في الاستفتاء سيصوتون بنعم على التعديلات الدستورية المرتقبة.

وخلال السنوات التسع الماضية، تمكن الحزب، فعلا، من ضخ دماء جديدة في تركيا، وفي ساحتها السياسية التي أصابها الهرم، وحدثت تغيرات مفصلية بالغة الأهمية تتعلق بالسياسة الداخلية والخارجية.

الديمقراطية الجديدة

فعلى الصعيد الداخلي، نجح الحزب في تثبيت معالم ديمقراطية جديدة، خلافا لما كان سائدا في تركيا طيلة عقود، وكسر هيمنة الأحزاب التقليدية على الحكم وعلى السياسة الداخلية، وتعامل مع الأكراد بقدر كبير من الانفتاح الحذر، وقدم لأول مرة مبادرة الحقوق المدنية الديمقراطية للملايين من الاكراد في جنوب وشرق البلاد، واعاد ترتيب أولويات الامن القومي، وسعى الى وضع المؤسسة العسكرية في مكانها الصحيح، ونجح إلى حد ما، للمرة الأولى منذ قيام الجمهورية، في ضمان سيطرة الحكومة المدنية على هذه المؤسسة التي كانت تعد الحاكم الحقيقي في تركيا.

اما خارجيا فالأمر اكثر من واضح للمتابعين العرب، فقد أدار الحزب على مدى سنوات الحكم الثماني اتجاه بوصلة العلاقات الخارجية التركية كليا، فقد ظلت تلك البوصلة طيلة عقود تشير نحو الوجهة الأوروبية والأميركية والاسرئيلية في إهمال شبه تام للعلاقات مع المحيطين الإسلامي والعربي، لكن «العدالة والتنمية» استطاع بهدوء ودون إثارة أية مشكلات، إعادة توجيهها نحو محيطها الإقليمي بشقيه العربي والإسلامي، حتى باتت تركيا رقما مهما في المعادلة الاقليمية.

انفتاح وتحالفات

ومع «العدالة والتنمية» انفتحت تركيا على الشعوب الناطقة بالتركية، واسست تحالفا مهما معهم، يتيح لها علاقات وطيدة مع بعض من عمالقة النفط والغاز الواعدين. وتخلصت السياسة التركية من عقدة «الانضمام للاتحاد الاوروبي» فمع استمرارها بالعمل الجاد الهادئ للانضمام الى النادي الاوربي، الا انها لم تجعل آمالها محصورة بذلك او متوقفة عليه، فهي تمضي بتوازن في كل الاتجاهات.

كما سعت وفق مبدأ «تصفية المشكلات» الذي ابتدعه وزير الخارجية الحالي البروفيسور أحمد داود أوغلو الى تصفية كل خلافاتها مع اليونان وارمينيا وروسيا وايران وسوريا واكراد العراق، في خطوات تدل على حكمة الساسة وبراعتهم.

وحافظت حكومة «العدالة والتنمية» على علاقات متوازنة مع الفلسطينيين والاسرائيليين معا، في خطوة تثبت براعة راسمي الاستراتيجيات التركية، ورغم ان الشهور التي اعقبت العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة، وتاليا الاعتداء على سفينة «مرمرة الزرقاء» لنقل المساعدات الانسانية، اتسمت بقدر من الشد والجذب بين أنقرة وتل ابيب، الا ان براعة الساسة الاتراك، مكنتهم من المحافظة على شعرة معاوية مع الاسرائيليين.

كبح جماح التضخم

اما اقتصاديا، فتمكنت الحكومة من كبح جماح التضخم الذي كان يرهق البلاد والعباد، ثم العمل على خفض معدلاتها لاحقا، ومكنت الاقتصاد التركي من الانفتاح على العالم بشكل ملفت للنظر، واليوم، إذ يقف الحزب على اعتاب السنة العاشرة من عمره، تبدو الافاق اكثر انفتاحا امامه من ذي قبل، إذ لا يكاد ثلاثة في تركيا يختلفون على ان «العدالة والتنمية» سيحصد في السنوات القادمة مزيدا من النجاحات التي تجعل هيمنته، كديمقراطي محافظ، على الساحة السياسية امرا واقعيا بعد عقود طويلة من سيطرة العلمانيين والقوميين، ولا خلاف على انه سيضع في السلة مزيدا من الغلات، بعد أن زرع في الارض التركية الكثير.

اسطنبول ـ كامل عبدالله