لقد جئنا إلى «غفرنرز آيلاند» في نيويورك، لنقف حيث وضع المستوطنون الأوائل أقدامهم في أمستردام الجديدة، قادمين من أوروبا، وحيث بذرت أولى بذور التسامح الديني في الولايات المتحدة. لقد جئنا إليها لنرى رمز الحرية الملهم الذي استقبل قبل 250 عاما، الملايين من المهاجرين في الميناء، ولنؤكد بأكبر قوة ممكنة أن نيويورك هي أكثر المدن حرية في العالم.
وهذا ما يجعل نيويورك ذات خصوصية ومختلفة وقوية. أبوابنا مفتوحة للجميع، لكل من لديه حلم ورغبة في العمل بجد، في إطار القواعد. لقد بنى نيويورك المهاجرون، وحافظ عليها المهاجرون، وهم أناس أقبلوا من أكثر من 100 دولة حول العالم، يتحدثون أكثر من 200 لغة، ومن كل الأطياف الدينية. والكل مواطنون في نيويورك، سواء ولد آباؤهم هنا أو جاءوا بالأمس.
إن أهم حرية يتمتع بها الأميركيون هي حرية العبادة. في العام 1657 منع حاكم نيويورك آنذاك بيتر ستويفسانت طائفة «كويكرز» من ممارسة شعائرهم الدينية، لكن مجموعة من خارج الطائفة نظمت احتجاجا مدويا، دفاعا عن حق «كويكرز» وغيرهم، في ممارسة دينهم بحرية.
وكان ذلك ربما أول احتجاج سياسي رسمي من أجل الحقوق الدينية في المستعمرات الأميركية، وتم إلقاء منظم الاحتجاج في السجن. وفي القرن الثامن عشر كان الكاثوليك يتعرضون للاضطهاد واعتقال رجال دينهم. ونتيجة لذلك فان أول دير يبنى في نيويورك أسس في العام 1780 في شارع باركلي، على بعد مربع سكني واحد من موقع مركز التجارة العالمي، وقريبا من موقع المسجد المقترح.
وسواء وافقت لجنة الحفاظ على معالم المدينة أو لم توافق على بناء المسجد فانه ليس في القانون ما يمنع ملاك المركز من إقامة مسجد بداخله. الحقيقة البسيطة هي أن هذا المبنى ملكية خاصة، وأن المالكين من حقهم استخدامه بيتا للعبادة.
ضحايا
دعونا لا ننسى أن ضحايا هجمات 11 سبتمبر كان من بينهم مسلمون أيضا، وأن جيراننا المسلمين شاركونا الحزن بوصفهم من أبناء نيويورك وأبناء أميركا. إننا سنخون قيمنا ونفعل ما يريده أعداؤنا، إذا عاملنا المسلمين بطريقة مختلفة عن الآخرين. وفي الحقيقة، فان الخضوع للغضب العام سيكون بمنزلة تقديم انتصار للإرهابيين، ولا يجب أن نفعل ذلك.
هجمات
إن الهجمات كانت عملا من أعمال الحرب والذين فقدوا أرواحهم دفاعا عن نيويورك كانوا يدافعون أيضا عن أميركا وعن الدستور الأميركي، ونحن لن نحترم أرواحهم إذا أنكرنا الحقوق الدستورية التي ماتوا دفاعا عنها.
إن من المنطقي أن نطلب من المشرفين على مشروع مركز قرطبة أن يراعوا حساسية الموقف، وفي الحقيقة فان مخططهم يستهدف تخطي حدود المبنى والحوائط لجعل المركز ملتقى للأديان. وبذلك فإنني أتمنى أن يساعد المسجد في إعادة توثيق الروابط في نيويورك ودحض الفكرة الخاطئة البغيضة القائلة بأن الذين شنوا هجمات 11 سبتمبر كانوا يعملون بمقتضى الإسلام.
المسلمون هم جزء من نيويورك مثل أبناء أي ديانة أخرى. إن المجلس الاجتماعي في مانهاتن وافق بالإجماع على بناء المركز، وإذا سارت الخطط قدما، فان المركز والمسجد سيضيفان إلى الحياة في الحي المحيط وفي نيويورك برمتها. إن الحكومة الأميركية ليس لديها أي حق أيا كان لإنكار حق المسلمين في بناء مركز قرطبة.
وإذا حاولت أن تعرقل بناء المركز فان المحاكم سترفض طلبها بكل تأكيد، باعتباره انتهاكا للدستور الأميركي. أيا كانت الطريقة التي ستفكر بها بشأن المركز الإسلامي والمسجد المقترح، فان سؤالا جوهريا قد ضاع وسط الجدل المحتدم وهو: هل يصح أن تحاول الحكومة أن تحجب عن المواطنين حق بناء دار عبادة، على أرض يملكونها ملكية خاصة، اعتمادا على نوع ديانتهم؟
هذا ربما يحدث في دول أخرى، ولكننا نحن يجب ألا نسمح لذلك بان يحدث في أميركا، فهي بنيت من الأساس على مبدأ أن الحكومة لا يجب أن تفضل دينا على الآخر.إن موقع مركز التجارة العالمي سيظل يحتفظ بمكانة خاصة في نيويورك، وفي قلوبنا. ولكننا سنكون مناقضين ومتنكرين لأفضل قيمنا ولأنفسنا بوصفنا مواطنين من نيويورك، إذا قلنا لا لمسجد مانهاتن
مبادرات متتابعة
مايكل بلومبرغ رجل أعمال أمريكي من أصول شرق أوروبية. ولد في العام 1942، وهو مؤسس شركة بلومبرغ المحدودة، وعمدة مدينة نيويورك الحالي. بعد فترة طويلة من انتمائه للحزب الديمقراطي الأمريكي، قرر الترشح كجمهوري في انتخابات مدينة نيويورك عام 2001، وقد انتخب مرة أخرى في الانتخابات التي تلتها عام 2005.
غادر الحزب الجمهوري في يونيو 2007، مما أثار التكهنات حول إمكانية خوضه انتخابات الرئاسة الأمريكية، عام 2008. في أوائل 2009 اختارته مجلة ساينتفك أمريكان، بالاشتراك مع بل غيتس، بوصفهما من قادة الريادة التقنية، وذلك لإطلاقهما مع آخرين مبادرة دولية لمكافحة التدخين تكلفتها 375 مليون دولار.
بقلم: مايكل بلومبرغ
