هناك شعور ملموس بالقشعريرة يثيره الجدل الدائر حول المركز الثقافي الإسلامي، المعتزم بناؤه، في مانهاتن. «النقاش» الغاضب حول ما إذا كان يجب السماح بوجود المركز يشوبه نوع من الخلل في منظومة الإحساس تجاهه، مما يخلف شعورا بأن شيئا سيئا جدا سيحدث.
لا يرجع هذا فقط لأن المعارضة لوجود البناء تمحورت، واختُزلت، حول فكرة «مسجد في منطقة أرض الصفر»، بما تستدعيه تلك التسمية من ذكريات انهيار برجي مركز التجارة العالمي، وصور الموت والغبار و«الأشرار».
الكثيرون أشاروا،عبثا، إلى أن المركز الإسلامي سيبعد مسافة كافية من موقع مركز التجارة، وعلى قارعة طريق رئيسي (بارك بليس)، وسيتكون من صالة مناسبات كبيرة، ومكان للاستجمام، وصالة لكرة السلة وبركة سباحة وفصول، ومكان للعرض، وصالة للقاءات الاجتماعية، ونصب تذكاري لأحداث 11 سبتمبر، وأيضا مكان للصلاة. ولكن لا يزال محبو الاختزال يتمسكون بموقفهم.
نقاشات بغيضة
ولا يرجع فقط لأن هذا الجدل هو النموذج الأبرز لعدد من النقاشات البغيضة بشأن مساجد يقترح بناؤها في ولايات تينسي، وكاليفونيا، وجورجيا، وكنتاكي، وويسكنسون، وإلينوي، علاوة على خليج شيبهيد وبروكلين، وميدلاند بيتش، وستيتن آيلاند في مدينة نيويورك.
مثل هذه الاحتجاجات تتزايد بمعدلات مزعجة. وليس ذلك أيضا لأن القادة السياسيين الجمهوريين، من الراغبين بالترشح في الانتخابات الرئاسية إلى المتطلعين لمنصب الحاكم في نيويورك، سعوا إلى استغلال ذلك الجدل في مانهاتن.
سارة بالين، المرشحة السابقة لمنصب نائب الرئيس، طالبت «المسلمين المسالمين» إلى التقدم وإحباط الخطة، أما نيوت جنجريتش، السياسي اليميني المتشدد، فقد أدان بناء مثل هذا «المسجد». وأكد ريك لاتسيو، الجمهوري الطامح إلى تولى منصب عمدة نيويورك، أن الخطة تقوض بشكل ما حق سكان المدينة في «أن يشعروا بالأمن وأن يكونوا آمنين».
لا، إن ما وراء الجدل هو الذي يوقد شعلة عدم الارتياح الخاص ذلك إنه الشعور بأننا كنا هنا من قبل كدولة، وإدراك أنه، ولعقد كامل، كان عدد كبير من قادتنا السياسيين، يعزفون على أوتار العداء للإسلام الذي يغذي مشاعر الاستياء تجاه هذا الدين، إلى درجة أن هذا الاستياء ينتشر الآن كسحابة لا يمكن التحكم بها.
جدل محتدم
الجدل حول المركز ليس في الحقيقة بشأن مجرد إقامة مسجد، إنه حول وجود المسلمين في أميركا، والقلق السائد والخوف اللذين يسيطران على نفسية الأمة الأميركية. مجرد إقامة المسلمين للصلاة يكفي الآن لإثارة تظاهرات غاضبة.
مثلما حدث في بريدجبورت وكونتيكوت أخيرا. المعارضون بناء المركز في قلب نيويورك ينطلقون من نحو عقد من الزمان من كراهية الأجانب التي غذتها الحكومة الأميركية ضد المسلمين، والتي بدأت الآن تتسم بالقوة والوضوح في بلد تملؤه الهموم الاقتصادية، واليمينية الشعبية المتشددة. هذه الحالة لن تختفي ببساطة لأن لجنة الحفاظ على معالم نيويورك قدمت مباركتها بالإجماع لخطة إقامة المركز. وبما أن هذه هي الحال، فالأمر يستحق التوقف لننظر ماذا حدث خلال السنوات العشر الماضية.
في أعقاب هجمات 11 سبتمبر اجتاحت أميركا عمليات انتقامية ضد المسلمين ومن يُعتقد أنهم مسلمون. كان المسؤولون في إدارة بوش يطلقون إشارات متناقضة. فبينما يعلن الرئيس بدء «الحملات الصليبية» يقول في اليوم التالي إن الإسلام دين سلام. ثم يقف المدعي العام جون أشكروفت على الملأ ليصف من سيضبطون بمخالفة قوانين الهجرة بالإرهابيين، وسط حملة شاملة على كل من يبدو عربيا أو يتحدث العربية. وبدأ المسلمون في الاختفاء من الشوارع.
ولطالما أعلن عن إحباط عمليات «جهادية»، وسط ضجة إعلامية، ولكن عند محاكمة المتهمين لم يكن يثبت أي شيء، وينتهي الأمر في هدوء. ومع ذلك كانت السلطات تصر على وجود التهديد، حتى ولو لم يكن مرئيا. ووسط كل ذلك تزايدت الاعتداءات على المساجد والمسلمين، وسط تجاهل إعلامي.
توقعات
إن توسيع نطاق الكراهية للمسلمين، وخاصة من جانب مرشحين سياسيين بارزين، ربما يكون تمهيدا لظهور زعيم يشجع عملية تشويه المسلمين واتخاذهم كبش فداء في ضوء المصاعب الاقتصادية الحادة وانتعاش التطرف اليميني، والنتيجة ستكون أسوأ بكثير من المكارثية التي شهدت اضطهاد الشيوعيين في أميركا، وسيكون الجدل بشأن المساجد شيئا لا يذكر مقارنة بما سيحدث.
المسلسل يتكرر
لم يُحدث قدوم إدارة الرئيس باراك أوباما أي تحسن في النظرة إلى الإسلام والمسلمين في أمريكا. بل على العكس، استمر تصاعد عدد الاعتداءات على المساجد والمسلمين.
وفيما يبدو أنه رغبة من إدارة أوباما لإظهار طريقتها الخاصة في التشدد، فقد أعطت هذه الإدارة مباركتها الضمنية لمشروع قانون قدم إلى الكونغرس، أخيرا، من جانب برلماني من كاليفورنيا، يسمى أدم شيف، يهدف إلى صياغة «استثناءات في التعامل مع الإرهاب»، تقلص حقوق الموقوفين في معرفة التهم الموجهة إليهم، أو الاستعانة بمحام، أو حتى الحق في التزام الصمت.
كما يستهدف المشروع أن يزيد، إلى أربعة أيام، المدة التي يحق فيها لضباط الشرطة احتجاز الموقوفين من دون إطلاعهم على حقوقهم الدستورية، بينما المفترض أن يتم ذلك فور حدوث التوقيف. ولو نطق التاريخ فسيقول إن من سيتأثر بهذا المشروع هم المسلمون.
بقلم - ستيفن سالزبوري و
ترجمة - عصام بيومي
