نتحدث في كتابنا عن بدايات القرن الثالث عشر للميلاد، وهي الفترة التي شهدت إرهاصات المد الاستعماري الأوروبي الذي اندفعت فلوله من الفرسان والرهبان والجنود والمرتزقة من أجل إقرار وجود استعماري أوروبي بلغ حد الاستيطان الاستعماري، الوحشي في بعض الأحيان، وحمل الاسم البغيض في تاريخ العلاقة بين غرب أوروبا والمشرق العربي وهو: الحروب الصليبية. وقد تصدى لهذه الحملات وأفشلها القائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي.

وفي جميع الأحوال كان مايكل سكوت يرتبط أولاً بالعرب، من حيث ميراثهم الثقافي وإبداعهم الفكري وإنجازاتهم في ميادين العلم والفلسفة والمنطق.في الوقت نفسه كان يرتبط مع واحد من حكام أوروبا في تلك الفترة حمل اسم فردريك الثاني، أو هو رسمياً إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة الذي حكم جزيرة صقلية وجنوبي إيطاليا.:الإمبراطور فردريك الثاني:وبالمناسبة يوضح المؤلف مع بدايات الفصل الثامن من الكتاب أن الإمبراطور فردريك الثاني كان حفيد الملك روجر الثاني، وأيضاً عاهل صقلية، الذي سبق ذكره بوصفه راعي الجغرافي العربي المسلم «الشريف الإدريسي». وبالمناسبة أيضاً فقد كان الأوروبيون يتعاملون مع سيرة وأعمال روجر الثاني بمنطق يفوح بالرفض حد البغض أو هو الحقد الشديد بسبب إعجابه العميق ـ كما أسلفنا ـ بثقافة العرب والمسلمين.بلغ هذا الحقد الدرجة التي أضفت فيها تواريخ أوروبا ـ العصر الوسيط لقباً خاصاً على روجر الثاني وهو «السلطان المعمّد».

ولما كان لفظ السلطان لا ينطبق إلا على كل حاكم مسلم. فاللقب يعني أن ملك صقلية، راعي الشريف الإدريسي، ولد مسيحياً، ولكن هواه كان عربياً أو إسلامياً إن صح التعبير.ثم ها هو حفيده على عرش صقلية وجنوب إيطاليا يكاد يواصل سيرته مشجعاً علوم العرب والمسلمين، وينال بالتالي بغض معاصريه من الحكام والباباوات الكاثوليك..

خاصة أنه لم يكتف بتشجيع الدراسة والترجمة عن علوم المسلمين، بل كان يتبع نظماً في الصحة والطهارة والتغذية أوصى بها أطباؤه المسلمون، وكان يصحبه في كل أسفاره ـ كما يضيف كتابنا ـ اختصاصي في علوم اللهجات واللغات حيث كان الإمبراطور فردريك الثاني يجيد الحديث بنحو 6 لغات، فيما كان هذا العالم المختص مسلماً يستعين به الحاكم الأوروبي على متابعة دراساته الفلسفية دون أن تعوقه في ذلك حالة التجوال وتفقّد المملكة التي يحكمها.

صلاة الظهر في صقلية

لا عجب أيضاً أن ينقل مؤلفنا ما كتبه واحد من معاصري الإمبراطور يقول: عندما كان يحين وقت صلاة الظهر، كان المؤذن يرفع صوته بالأذان داعياً للصلاة، فإذا بجميع الأتباع وسائر أفراد الحاشية من خدم وحشم في البلاط الصقليّ يقفون ويستوون صفوفاً بما في ذلك مرشد الإمبراطور شخصياً، وهو صقلي كان يقرأ معه كتاب «المنطق» عند أرسطو بجميع فصوله.. وبعدها يؤدون الصلاة الموقوتة. إذ كان الجميع مسلمين.

هذا البلاط الصقلي بطابعه المستعرب، كما يصفه مؤلف كتابنا، استقبل المستشرق المستعرب «مايكل سكوت ديبوس» في مرحلة ما من منتصف عام 1220 للميلاد، حيث حظي العالم الضيف بحفاوة وترحيب بالغين بفضل الشهرة التي كان قد حازها من قبل في إسبانيا، حيث كان «سكوت» قد زار طليطلة نحو عام 1217 وشرع لفوره في ترجمة مقالة عربية مهمة عن آفاق الفضاء، إضافة إلى ثلاثة من أهم أعمال الفيلسوف اليوناني أرسطو، وهي عن الحيوان والسموات والروح. وكانت ترجمته اللاتينية عن النصوص العربية لأعمال الحكيم الإغريقي الكبير.

من هو سكوت؟

واضح من اسمه أنه من الجزر البريطانية، من اسكتلندا بالذات التي ولد في بقعة من بقاعها في أواخر القرن الثالث عشر ويتردد اسمه على هذا النحو في مخطوطات العصور الوسطى على أنه «الأستاذ» مايكل سكوت، بما يوحي بأنه حصل على درجة علمية بصورة من الصور.

ولأنها كانت عصوراً امتزجت فيها موضوعية العلم بأوهام الخرافة فقد استطالت شهرة الرجل بفضل معارفه الموسوعية بثقافة المسلمين والعرب لدرجة أن هناك من ذكر وقتها أن الأستاذ المعلم سكوت بلغ شأناً بعيداً في علوم الفلك والتنجيم لدرجة أنه استطاع أن يتكهن بموعد وكيفية مفارقته شخصياً حياة البشر(!) .

كأن يصاب مثلاً بصخرة تقع على أمّ رأسهُ ولذلك تعّود الرجل على ارتداء خوذة معدنية من تصميمه وصنع يديه، لكن المصير المقدور حلّ به حين كشف رأسه بغتة فكان أن سقطت عليه حصاة صغيرة من سقف كنيسة. بعدئذٍ ضمد جراحه وتوجه لبيته، وأنجز كل التجهيزات المطلوبة قبل أن يلقى حتفه.

وبصرف النظر عن طرافة مثل هذه الحكايات، فالذي يهمنا في هذا المقام هو الترجمات التاريخية بمعنى المشهودة التي أنجزها هذا القادم من نفس المناطق التي سبق وجاء منها الراهب الإنجليزي أديلارد، حيث شغف كلاهما ـ الإنجليزي والاسكتلندي بثقافة عربية مسلمة.

في هذا السياق قام مايكل سكوت بترجمة عدد من مؤلفات الفيلسوف المسلم الكبير ابن سينا في علم الحيوان، إلى جانب ترجمة وتأليف مقالات ورسائل شتى في علوم الكيمياء والفلسفة والمنطق الأرسطي والطب والموسيقى والفلك والرياضيات ورصد حركة الأجرام السماوية.

تلميذ نابغ من إيطاليا

وإذا كان الأستاذ يتجلى أيضاً في تلاميذه وحوارييه، فقد قرأ على سكوت تلميذ نابه من إيطاليا هذه المرة، وبالتحديد من مدينة بيزا ومازال اسمه يتردد مضيئاً في مجال علوم الرياضيات وهو: ليوناردو أوفيبوناتشي دي بيزا.

وتشهد سيرة هذا العالم الإيطالي بأنه انطلق يطلب علوم الحضارات التي سبقت، فكان أن زار صقلية ومصر وجنوب فرنسا والقسطنطينية عاصمة إمبراطورية الروم في بيزنطة، وحين عاد لمسقط رأسه في إيطاليا وكان ذلك عام 1202 أنجز كتابه الشهير بعنوان «في علم الحساب» ويصفه مؤلفنا بأنه أول كتاب شامل في علوم الجبر والهندسة شهدته أوروبا المسيحية.

ويضيف مؤلفنا موضحاً أن ميزة الكتاب الإيطالي إنما تتجلى في أنه ضم أكثر العروض تفصيلاً وتدقيقاً، وباللغة اللاتينية، لما سبق إليه العرب المسلمون من تطوير. هل نقول تثوير علوم الرياضيات ـ الجبر بالذات على يد الخوارزمي؟.

الشارح ـ المعلم الثاني

لكن مؤلف كتابنا يوضح أن معارف سكوت وثقافته كانت تتضاءل بجانب ترجماته التي أنجزها أيضاً لأعمال «أبوالوليد ابن رشد»، الذي يصفه المؤلف بالحرف على النحو التالي: «هو الأعظم وسط صف طويل من كبار الفلاسفة العرب في العصور الوسطى».

ويواصل المؤلف حديثه قائلًا: كان ابن رشد معروفاً لدى الناطقين باللاتينية باسم «أفيروس» وكانت شروحه للفلسفة الأرسطية أمراً أساسياً لفهم العرب (الأوروبي) لقضايا العلم والطبيعة وما بعد الطبيعة (الميتافيزيقيا) عند أرسطو ولدرجة أن درج الجميع على الإشارة لابن رشد ببساطة على أنه «الشارح». وهكذا تكلم مؤلف كتابنا.

وقد نزيد من جانبنا لنضيف اللقب الآخر، الذي مازال الغرب يصف به فيلسوف الأندلس العربي المسلم بأنه: المعلم الثاني (بعد أرسطو). ولقد بلغت مكانة ابن رشد لدى مثقفي أوروبا ومبدعيها درجة رفيعة جعلت شاعر الكوميديا الإلهية الشهير دانتي يصفه بأنه «الشارح العظيم» (لفلسفة أرسطو) كما أن الكاتب رافاييل عمد في موسوعته عن «مدرسة أثينا» أن يحل ابن رشد في مكانة سامقة ضمن مدارج العظماء.

على أن الفضل في معظم هذا التكريم إنما يرجع صاحبنا الوافد من اسكتلندا مايكل سكوت، وبالذات ترجماته الدقيقة والمتوسعة عن ابن رشد وفلسفته وهو ما وضع هذا كله منقولاً عن العربية العالم الناطق باللاتينية في طول أوروبا وعرضها.

نفس المآثر أسداها مايكل سكوت فيلسوف المشرق الإسلامي ابن سينا حين ترجم كتابه «عن الحيوان» فكان أن عرفت أوروبا، وهي تتهيأ لعصر النهضة، هذا الفيلسوف المسلم العظيم باسم «أفيسينا».

ويبدو في نظر مؤلف كتابنا أن كل التيارات والإنجازات والإبداعات الفكرية والثقافية التي قدمها العرب والمسلمون من مشرق عالمهم في بلاد الرافدين والشام ومصر مغرب ذلك العالم المسلم الناطق بالعربية في الشمال الإفريقي ثم في إسبانيا ـ الأندلس المسلمة هي البيئة الحاضنة لتباشير عصر إحياء النهضة التي عايشتها أوروبا، واستطاع الغرب أن ينعم باستنارة وصولًا إلى العصر الحديث.لهذا يختار المؤلف للفصل التاسع ـ الأخير من هذا الكتاب العنوان التالي: «اختراع الغرْب».

من المغرب للعشاء

أخيراً تفرض علينا توجهات هذا الكتاب أن نتحول من وقت العصر إلى وقت المغرب ومن ثم العشاء، مواقيت الصلاة عند المسلمين التي يحرص المؤلف على أن يحذو حذوها في تقسيمه لأبواب وفصول هذا الكتاب.

ولقد بدأنا تحليلنا للموضوع بالباب الثالث الذي يحمل عنوان «الفجر». ولكن ها نحن نعود منطقياً للتمهيد أو التصدير الذي يحمل عنوان المغرب، ومن ثم الباب الأول الذي يحمل عنوان العشاء.

في التصدير يتحدث المؤلف عن ذلك النسيان أو التناسي، ذلك الجهل أو التجاهل لأسماء علماء عرب ومسلمين تحاول أوروبا المعاصرة أن تصرف النظر والاهتمام عنهم، ولكن المؤلف يعرف لهم قيمتهم وفضلهم، وينعى على الخطاب العلمي الأوروبي أنه لا يقف بالإكبار أمام أسماء أعلام من قبيل الخوارزمي وابن سينا أو الإدريسي أو ابن رشد وهو يصفهم بأنهم عمالقة العلم العربي بقدر ما أن شخصياتهم (وانجازاتهم المعرفية) سادت أوروبا على مدار قرون توالت من عمر الزمن.

أما في الباب الأول الذي يحمل عنوان العِشاء، بمعنى الختام، فالمؤلف يحكي فصلًا مؤلماً من فصول الصراع بين الشرق والغرب وهو فصل الحروب الصليبية بكل ما انطوت عليه من تيارات الغزو العسكري القادم من أوروبا والذي كان يضم جماعات لم تعرف طعم الحضارة ولا عرف أفرادها شيئاً من العلم أو التنوير على نحو ما يحرص المؤلف على توضيحه.

المهم أن هذه الوقائع وضعت كلًا من الإسلام والمسيحية (الأوروبية) على صراط التنافس.. ورغم أن الغزوات الصليبية كانت أقرب لبربرية السلوك، إلا أن التفاعلات التي تمت في فترات زمنية لاحقة ما لبثت أن تبلورت في علاقات تجارية وثقافية بين عالمين متنافسين، ولكن لا يمكن الفصل بينهما.

المؤلف في سطور

«جوناثان ليونز» يجمع بين حرفة الصحافة ومهنة البحث العلمي. أمضى نحو 20 عاماً مراسلاً صحافياً لوكالة رويترز الدولية للأنباء.

وعندما انتدب للعمل في أقطار إسلامية تركزت اهتماماته البحثية وطموحاته الأكاديمية على مآثر ومنجزات الحضارة العربية ـ الإسلامية، ومن ثم فقد أعد أطروحته للدكتوراه في جامعة ملبورن بأستراليا في موضوع العلم الاجتماعي للأديان مع اهتمام خاص بالفكر والعقيدة الإسلامية.

وحين صدر كتابه في صيف العام الماضي 2009، حاز اهتماماً عميقاً وواسعاً في أوساط الاختصاصيين، الذين رأوا في بحوث الكتاب بكل ثرائها، محاولة جادة ورصينة لإعادة التذكير بالعصر الذي كانت فيه أوروبا تنهل من ينبوع العلم الإسلامي.