يعمد المؤلف إلى تفصيل منجزات الحضارة العربية الإسلامية، مع التركيز بالذات على ما شهدته ساحة الأندلس الإسلامية في شبه جزيرة أيبيريا، في أقصى غرب القارة الأوروبية، من منجزات، قد لا يكون بعضها محل اهتمام العلماء، الذين يركزون عادة على العلوم الرئيسية كالفلسفة أو المنطق أو الطب أو الكيمياء وما إلى ذلك.
المؤلف يتكلم مثلا عن أهمية تطوير أساليب الزراعة من خلال ما تعلمه الأندلسيون من نظم الري وإدارة العملية الزراعية على يد مهاجرين جاؤوا من اليمن، فضلا عن تطور الحياة الأندلسية من حيث آداب السلوك والنظافة الصحية الشخصية وعلوم الموسيقى، وهو ما ارتقى إلى ما قد نصفه بـ «نوعية الحياة»، على يد مهاجر موهوب آخر جاء من العراق هو الموسيقار الشهير في ذلك الوقت زرياب.
ها نحن نعيش مع كتابنا مرحلة الظُهْر من الإسلام كما يسميها المؤلف في الباب الثالث من الكتاب. وتكاد تدور هذه المرحلة من حيث معظم إنجازاتها ومآثرها العلمية والفكرية حول الوجود الإسلامي ـ العربي في اسبانيا، وبالتحديد في الكيان الذي مازال معروفا في تاريخ الإسلام، وأيضا في تاريخ أوروبا، باسم الأندلس.
على مدار 400 سنة من هذا الكيان الإسلامي شهدت اسبانيا الأندلسية، كما يوضح مؤلف كتابنا، تجديدات وابتكارات وأفكارا مبدعة وأساليب خلاقّة ترامت إلى هذه البقعة الأوروبية المسلمة أو التي كانت كذلك من أقطار ومصادر شتى: مابين الهند.. وفارس.. إلى العراق ومصر..
وكلها ـ كما يضيف المؤلف ـ كانت تنطلق عبر أراضي مصر وتيمم وجهها غرباً إلى مسلمي الأصقاع المغاربية، فيما يعرف اليوم باسم تونس والجزائر والمغرب وما وراءها من تخوم (موريتانيا مثلا) بل وما يتجاوزها ـ كما يضيف المؤلف أيضا ـ في غرب افريقيا ذاته فيما تقصد بالذات اسبانيا الأندلسية، المتاخمة كما هو معروف لأقطار أوروبا المسيحية.
يقول المؤلف في السياق نفسه: على سبيل المثال كان هناك من اليمن من عمدوا إلى الاستقرار في شمال افريقيا واسبانيا، وجاؤوا معهم بنظم الري الأصيلة الراسخة وإجراءات الإدارة الرشيدة الفعالة التي كانوا يتبعونها، إضافة إلى محاصيل جديدة وأساليب تكنولوجيات مبتكرة وما يتصل بها من نظم زراعية يتم بفضلها تعظيم استخدام الأراضي وزيادة غلة المحاصيل.
وبهذا فقد كان عالم الغرب المسلم (في اسبانيا بالذات) هو أول من استفاد من هذا التوسع الذي كان متواصلا في كنوز الثقافة والابتكار والعلوم وتكنولوجيا الزراعة التي تدفقت في ثراء مطرد من شرق العالم العربي الإسلامي.
حكاية الباذنجان
هنا يسوق المؤلف مثالا طريفا وبسيطا أيضا. لا يتحدث مثلا عن آلة مبتكرة ولا عن نظرية فلسفة متعمقة بشأن الكون وقوانين حركته. المؤلف يتحدث ببساطة عن «الباذنجان». يقول ان الباذنجان كما نعرفه كان أصله من الهند.
ثم انتقل الأصل مع التطوير إلى بلاد فارس حيث صادفه المسلمون مع انتشار الإسلام في تلك البلاد. وما أسرع ما أصبح موضوعا للكتابة والنقاش في كتب الطهي وأدلة الزراعة المنسوخة، الصادرة وقتئذ باللغة العربية، وبلغ أمر الاهتمام بالباذنجان إلى حد أن رددته القصائد الشعرية.
وبعدها شق طريقه إلى مصر ومنها عبر المنطقة المغاربية ليصل إلى اسبانيا الأندلسية، ولتحتفي به المطابخ والمقاصف والمطاعم في الأندلس، لدرجة أنه تم تقسيم الباذنجان إلى أنماط وأصناف وأنواع أربعة هي: المحلي، القرطبي، السوري، المصراوي.
على أن هذه الواردات كانت تقتضي جهودا وعمليات خاصة من أجل تكييفها حسب أحوال الطقس وظروف الحياة في بيئاتها الجديدة. وقد ساعد على ذلك ما استطاعت أن تتعلمه الحياة في الأندلس الإسبانية المسلمة من أساليب الري، التي استوردتها ثم طورتها وأضافت إليها بما زادها من حيث الفعالية والكفاءة، ولدرجة يقول معها المؤلف كذلك ان مُزارعي اسبانيا المسلمين ما لبثوا أن أصبحوا خبراء في فنون تجميع وتوجيه وتوزيع المياه.
ويشهد بذلك تلك المصطلحات التي لا تزال مستخدمة في اسبانيا حتى اليوم في اللغة الإسبانية المعاصرة فيما ترجع إلى أصولها العربية الأندلسية، ومنها مثلا مصطلح «السِدّة» لحجز المياه أو مصطلح «السقيا».
وكان بديهيا في ظل الرونق الحضاري الذي عاشته الأندلس الإسلامية ألا تقتصر عملية الاستيراد من المشرق العربي المسلم على أساليب الري أو نظم الإدارة، ناهيك عن أنواع الباذنجان.
فن استيراد الكتب
يحيطنا مؤلف الكتاب علما بأن ثمة خطا كان متوازيا ومتواصلا في هذا كله في مجال الاستيراد. إنه استيراد الكتب والدراسات. يقول مؤلفنا: منذ بواكير تأسيس البلاط العربي المسلم في مدينة قرطبة انطلق في استيراد الكتب، واجتذاب المفكرين والعلماء من كل أنحاء المشرق الإسلامي ـ العربي. والحق أن الدافع الأساسي كان يتمثل أولا في التنافس مع البلاط العباسي في بغداد.
ثم جاءت فترة الصراع الذي نشب عقب وفاة الخليفة هارون الرشيد بين ولديه محمد الأمين وعبدالله المأمون وقد حسم لصالح الأخير في معركة الري (عام 813 للميلاد) ـ هذا الصراع أدى بالطبع إلى أن عددا لا يستهان به من العلماء والمفكرين ومن الدارسين والشعراء والفنانين ومن في حكمهم من المبدعين وجدوا أنفسهم تحت رحمة الأحداث.
ومن ثم جاء قرار الكثيرين من هؤلاء الأفراد المنتمين إلى جموع الانتلجنسيا بأن يتحولوا من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، بل ويعبروا البحر إلى قرطبة الواعدة بأمل في المستقبل والمرحِّبة بمثل هذه الكفاءات.
عن رحلة زرياب
هنا أيضا يتوقف المؤلف عند واحد من هؤلاء المبدعين الذين هاجروا وقتها من العراق إلى الأندلس: إنه الموسيقار الشهير في ذلك الوقت «زرياب»، الذي جاء إلى قرطبة وفي جعبته الآلاف من الأعمال الغنائية، ولكن كان في صحبته ما هو أثمن وأهم، متمثلا في شهرته وفي موهبته لدرجة أن جعلت منه في الحياة الأندلسية ـ القرطبية أستاذا ومرجعا وحَكمَا في مجالات الذوق (الاتيكيت كما قد نسميه)، وسائر أساليب الثقافة الرفيعة والسلوك الراقي المتحضّر.
ثم نأتي إلى ما يسوقه المؤلف من أمثلة على مفردات هذه الثقافة والسلوك. ماذا عن اللغة العربية في إطار هذه النهضة التي غطت آلاؤها أقطار المشارق والمغارب؟
في معرض الإجابة يوضح الكتاب كيف أن الفتوحات الإسلامية وصلت باللغة العربية إلى الحافة الغربية من القارة الأوروبية وسرعان ما أصبحت العربية، ـ كما يؤكد مؤلفنا، الوسيلة المقبولة للتخاطب والتواصل بين صفوة المثقفين، فضلا عن اتخاذها لغة الحياة اليومية بين صفوف الجاليات والطوائف، التي كانت متعايشة في اسبانيا الأندلسية، من مسلمين ويهود ومسيحيين.
ازدهار قرطبة
لهذا كله.. حق للجغرافي الشهير «ابن حوقل» الذي زار قرطبة عام 948 للميلاد أن يشيد بقرطبة، واصفا إياها بأن ليس لها نظير في (منطقة) المغرب ولا يكاد يكون لها نظير حتى في مصر أو سوريا أو بلاد الرافدين، سواء من حيث حجم سكانها أو نظافة شوارعها أو عمارة مساجدها وعدد ما تحويه من حمامات أو خانات.
وتكلم الجغرافي الكبير عن قرطبة التي كانت تضم مكتبة كان سجلها الذي يحصى حصيلتها من الكتب (الكتالوج كما يسمونه) يقع في 44 مجلدا كبيرا.
يقول المؤلف ان ما أنجزه المسلمون العرب في مجال التطوير الزراعي بشبه جزيرة ايبيريا (اسبانيا والبرتغال) يمكن أن يطلق عليه وصف هو الآن من أوصاف زماننا «الثورة الخضراء». ثم يفسر هذا التوصيف حين يعزوه إلى عوامل إيجابية شتى حظيت بها هذه المنطقة من أقصى الغرب الأوروبي خلال خضوعها للحكم الإسلامي.
شكوى المترجمين.. لماذا؟
من هذه العوامل وصول هدية من امبراطور بيزنطة تمثلت في إحدى روائع علوم الطب اليوناني، التي سرعان ما أشعلت شرارة التحمس لدراسات في مجالات الصيدلة وعلوم النبات.
ومن هذه العوامل أيضا روح التسامح والتعايش الايجابي التي سادت الحياة في قرطبة بين أبناء الديانات السماوية الثلاث، الأمر الذي أدى إلى الإفادة من كل الكفاءات والقدرات والمواهب التي تحلى بها علماء واختصاصيون ينتمون إلى هذه الديانات.
والغريب أن الفلسفة والأعمال الفكرية والدراسات النظرية بلغت شأنا بعيدا، لدرجة أن مترجمي الغرب الذين شمروا عن سواعدهم لترجمة هذه الأعمال والمؤلفات من العربية إلى اللاتينية باتوا يشكون من ضعف ونقص مفردات اللاتينية ومن ثم عجزهم ـ أو عجزها ـ عن إثبات مرادفات تصلح لنقل النصوص العربية بكل ما كانت تزخر به وقتئذ من ثراء الأفكار ونصاعة اللغة العربية، وخاصة في مجالات الفلسفة والعلوم الطبيعية على نحو ما يذكر مؤلف الكتاب.
من هنا كان كبار المترجمين والمفكرين من أوروبا لا يفتأون يعبرون عن امتنانهم لأساتذتهم العرب المسلمين.. وكان هذا، كما يوضح المؤلف أيضا، جريا على التقليد الحميد الذي سبق أن سنّه الراهب الإنجليزي أديلارد.
كان هذا المثقف المسيحي يردد ما ساد في مجامع العلماء الأوروبيين في تلك الفترة من بدايات العصور الوسطى حيث كان ثمة إجماع بين صفوة علماء الغرب على أن العرب هم وليس غيرهم الذين فهموا حق الفهم علما جوهريا اسمه: الهندسة. لكن بيد أن هذا الإعجاب الموضوعي لم يردع عددا من حكام أوروبا عن حشد الحملات الاستعمارية التي استهدفت المشرق العربي خلال العصور الوسطى.
الحلقة: ( 5)
الكتاب: بيت الحكمة: فضل العرب على حضارة الغرب
تأليف: جوناثان ليونز
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: بلومز بري برس ـ نيويورك
عدد الصفحات:246
