انطلقت في تونس قبل أيام قليلة من حلول الشهر المبارك حملة سمعية بصرية تحت عنوان «سايس روحك» وهي كلمة باللهجة التونسية تعني «ترفق بنفسك» والحملة ستستمر إلى نهاية شهر الصيام، وهي حملة أطلقها المعهد الوطني للاستهلاك بمشاركة منظمة الدفاع عن المستهلك.

وتهدف الحملة إلى ترشيد الاستهلاك في رمضان والإضاءة على العادات السيئة المتعلقة أغلبها بالإسراف والبذخ والمصاريف غير المدروسة، خاصة وأن الشهر الكريم تزامن مع فصل الصيف الحار والنهار الطويل، وهما عاملان يساعدان على ازدياد حجم مصاريف الشراء، الغير مبرر في الأغلب.

العين تأكل قبل البطن

ومنذ انطلاق النصف الثاني من شهر شعبان حتى باتت حركة السير المؤدية إلى أي سوق محلي خاص ببيع المواد الغذائية، تتسم بالازدحام الشديد لدرجة الاختناق، فمواقف السيارات تكاد تنفجر من عدد السيارات الرابضة بها، أما الحركة في داخل الأسواق فهي عبارة عن مملكة نمل، وعربات تكاد تنفجر بمحتوياتها، والكل يلهث لشراء المواد الغذائية وتكديسها في المطبخ استعدادا لرمضان.

ومع أن حملات ترشيد الاستهلاك لا تكف ليلا ونهارا إلا أن مجرد إحساس الناس بأن الشهر الكريم على الأبواب أفقدهم التركيز وجعلهم في حالة استنفار قصوى لتأمين متطلبات قد تكفيهم على مدار السنة، حول هذا الموضوع أشارت مليكة سويدي وهي بائعة في احد المحلات التجارية الكبيرة الخاصة بالأغذية:

« إن حملة «سايس روحك» كان من المفروض أن تنطلق قبل شهرين من رمضان حتى يقتنع الفرد التونسي بموضوع ترشيد الاستهلاك، والكل يتصرف بطريقة تشعرنا أن رمضان هو شهر المجاعة وتجد أن الناس يتسوقون بطريقة هستيرية طوال اليوم، وأكثر ما يقبلون عليه هو علب الطماطم، والدقيق والسميد والسكر والكسكسي وغيرها من المواد الغذائية».

شراهة الأكل تترجم في المطابخ

تقول فريدة نور الدين أن أغلب ربات البيوت يترجمن جوعهن بالإكثار من الكمية المطبوخة، وهو إحساس طبيعي تعيشه الأسرة، فنحن دائما ما نقول فلانة تأكل بعينها أي أنها تطبخ ضعف الكمية المطلوبة عندما تكون جائعة، والعين تشتهي كل ما لذ وطاب، ولذلك لا نستطيع أن نتحكم في أمر ترشيد الاستهلاك في المطبخ، ويعتبر هذا الشهر هو شهر المصاريف الحادة لأن راتب الأسرة يذهب كله إما في بطن العائلة أو في حاوية قمامة المطبخ.

يقول رابح بن حسن وهو موظف في وزارة التجارة أن الوزارة نشرت إحصائيات تؤكد أن حجم استهلاك الفرد التونسي خلال الشهر الكريم يتزيد بشكل قياسي حيث تبلغ نسبة الزيادة في استهلاكه للحوم الحمراء والبيضاء مثلاً 38%، والحليب والجبن ومشتقاته 92%، والبيض 98%، و الخبز 30%، كما يتضاعف استهلاك التمور إلى ست مرات أكثر من الأيام العادية.

وهي أرقام تستهلك جيب المواطن وتقضى على ميزانية العائلة وتدخلها في دوامة الديون، وكل ذلك بسبب الاستهلاك غير الرشيد، والمشكلة أن المواطن في الأيام العادية يأكل ثلاث وجبات في اليوم الواحد، وفي رمضان وجبة ونصف الوجبة باعتبار السحور، أي أن المفروض أن يكون شهر رمضان هو الشهر الذي يقل فيه الأكل، لا العكس.

القمامة تأكل أكثر من البطون

منيرة بن جمعة تفرض على زوجها المتقاعد أن يقوم بدهن المطبخ وشراء أدوات طبخ جديدة من باب العادات والتقاليد المتوارثة في عائلتها العريقة، وتضيف في البداية كان زوجي يعترض على إصراري على دهن وتزيين مطبخي ولكن في النهاية أقتنع وأصبح ينفذ الفكرة قبل حلول الشهر الكريم من دون مقدمات، ذلك لأن المطبخ هو المكان الذي أقضي فيه أغلب وقتي.

ولذلك أسعى دائما إلى تجديده حتى لا أشعر بالملل، كما أنني أحرص على شراء المواد الضرورية قبل حلول الشهر بفترة كبيرة أي قبل الازدحام وأضع لائحة للطعام بثلاثين يوما وأحاول قدر المستطاع أن أطبخ بكميات معقولة حتى لا أبذر ولكن مهما حاولت فإن القمامة تأكل أكثر مما نأكله فور سماعنا لأذان المغرب.

وحول إن كانت تأثرت ولو قليلا بحملة «سايس روحك» تقول: تعودنا على هذا النوع من الحملات ولكن حقيقة لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ذلك لأن التغيير يبدأ من داخل الإنسان وعن قناعة.

وقد تعودنا على استقبال الشهر الكريم بعادات وتقاليد معينة يصعب أن نتركها، صحيح أن رمضان شهر عبادة وليس بشهر أكل ولكن لا ننسى أن هناك طعما لكل شيء في الشهر الكريم، ففي الأيام العادية نادرا ما تجتمع العائلة على مائدة الطعام ولكن في رمضان تحرص العائلة على التجمع منذ أول النهار وهناك طعم جميل لتجمع العائلة والمشاركة في إعداد الطعام، والأكل، بغض النظر عن المصاريف والإسراف».

تونس ـ ضحى السعفي