حقول الشيطان.. أرض الموت.. قل ما شئت وسمها ما شئت، فالنتيجة واحدة وهي الموت، ذلك هو الحال في 287 ألف هكتار أي نحو (683 ألف فدان) تمتد من غرب الإسكندرية وحتى الحدود الليبية ينتشر بها نحو 7, 16 مليون لغم وجسم قابل للانفجار من بين 22 مليون لغم وجسم قابل للانفجار تنتشر بمصر بنسبة 21 في المئة من المخلفات القابلة للانفجار تتوزع على 65 دولة حول العالم، لتنتشر رائحة الموت أو على الأقل الإعاقة الجسدية.
وتمنع من استخدام هذه المساحات الشاسعة من أفضل الأراضي المصرية التي تزخر بالكثير من الخيرات، ولتشكل عائقا خطيرا لبرامج وخطط التنمية في مصر.«البيان» التقت مع المسؤول عن التخلص من هذه الكارثة الإنسانية والأمنية والاقتصادية والبيئية، وتنمية تلك المناطق وإعادة تأهيل ضحايا الألغام وذويهم وهو السفير فتحي الشاذلي رئيس الأمانة التنفيذية لإزالة الألغام وتنمية الساحل الشمالي الغربي، وكان معه هذا الحوار..بداية نود التعرف على حجم وطبيعة مشكلة الألغام التي تواجهها مصر؟
نحن معنيون بمشكلة الألغام بالساحل الشمالي الغربي، كان هناك تقديرات كانت حدثت في منتصف التسعينات تتحدث عن وجود 7, 19 مليون جسم قابل للانفجار، تسببت في نشرها الدولة المتحاربة بالحرب العالمية الثانية، في تلك المنطقة التي شهدت أعنف معارك الحرب العالمية الثانية والتي كان لها الدور الأبرز في حسم المعركة للحلفاء وخاصة في حرب العلمين الشهيرة تاريخيا. وقد قامت شركة أميركية شهيرة تدعى «رونكو» تعمل في مجال الأعمال المضادة للألغام في معظم بلاد العالم المتضررة بالتعاون مع القوات المسلحة المصرية سلاح المهندسين بعمل مسح للمنطقة .
وهي التي قدرت هذا العدد من الألغام والأجسام القابلة للانفجار، وإذا خصمنا من هذه التقديرات حصيلة أعمال التطهير التي قامت بها القوات المسلحة في الفترة من 1981 إلى 1999 يكون المتبقي هو 7, 16 مليون جسم قابل للانفجار، المساحة التي تنتشر بها الألغام.
والتي كانت تقدر بحوالي 287 ألف هكتار أي نحو (683 ألف فدان) تمتد من غرب الإسكندرية وحتى الحدود الليبية ينتشر بها نحو 7, 16 مليون لغم وجسم قابل للانفجار من بين 22 مليون لغم وجسم قابل للانفجار تنتشر بمصر بنسبة 21 في المئة من المخلفات القابلة للانفجار تتوزع على 65 دولة حول العالم، الجيش المصري قام بتطهير منها 39 ألف هكتار وبالتالي فالمساحة المتبقية حاليا الملوثة بالأجسام القابلة للانفجار هي 248 ألف هكتار، القوات المسلحة في الفترة التي عملت بها من 1981 وحتى 1999 كانت تعتمد على ميزانيتها من الموارد الوطنية، وتكلفت 27 مليون دولار.
ما الذي تم من عام 1999 وحتى الآن؟
هناك نقطة تجعلني غير قادر أن أعطيك أرقاما بدقة كاملة، وهي أن الجيش المصري لم يتوقف أبدا عن أعمال التطهير، وبدأ بعد هذه المرحلة التطهير لحساب شركات المسح السيزمي التي تعمل في مجال الغاز والبترول وبالتالي الطريقة التي يتم بها التطهير هو تطهير ممرات، قد يكون عرضها 50 مترا أو مئة متر ولكن بطول مئات الكيلو مترات.
ومن ثم نظرا لأنها ممرات لم يكن الجيش يعدها أعمال تطهير لأنه حريص على أن يتم تطهير كل منطقة بشكل كامل وتام، ولكن وفقا للمواصفات القياسية الدولية المفروض أن تدخل هذه الممرات في المناطق المطهرة من الألغام وبالتالي، نحن ضمن التنسيق الذي نجريه حاليا مع سائر الجهات الوطنية نقوم بتحديد المساحات التي طهرت بالفعل لحساب شركات البحث السيزمي أوغيرها.
تطهير جميع الأراضي
ما الخطة التي قامت بها الأمانة التنفيذية لإزالة الألغام وتنمية الساحل الشمالي الغربي لتطهير المناطق الملوثة بالألغام؟
أولاً لابد وأن أؤكد بأنه سيتم تطهير جميع الأراضي من جميع الأجسام القابلة للانفجار من مخلفات الحروب سواء الألغام المضادة للدبابات والمركبات التي تمثل 22 في المئة من الأجسام القابلة للانفجار، و5, 2 في المئة من الألغام المضادة للأفراد، والذخائر غير المنفجرة التي أكدت التقديرات أنها تمثل 75 في المئة من الأجسام القابلة للانفجار وهي تتراوح من أعيرة وطلقات صغيرة لأسلحة خفيفة وصولاً إلى قنابل ألقيت بالطائرات زنة القنبلة ألفاً رطل.
وبعض هذه الذخائر غير المنفجرة يكون شديد الخطورة لأنه يكون جاهزا للانفجار في أي لحظة، وبعضها تكون ذخائر مهملة نتيجة انسحاب بعض القوات والجيوش.في المرحلة الأولى ووفق محضر التنسيق الذي وقع في يناير 2009 بين الأمانة التنفيذية لإزالة الألغام وتنمية الساحل الشمالي الغربي والهيئة الهندسية بالقوات المسلحة، قمنا بتجهيز وحدة مخصصة لأعمال تطهير الألغام مكونة من 300 فرد.
وتزويدها بالمعدات اللازمة لأعمال الكشف سواء بالمكتشفات أو الخوذات وملابس واقية أو أحذية واقية وأجهزة تحديد مواقع، وخمس سيارات إسعاف وتجهيزات لوجستية أخرى سواء ميدانية أو عملياتية، إلى أخره، وخلال الفترة من فبراير وحتى أول نوفمبر من العام الماضي أنهينا تطهير 31 ألفاً و250 فدانا أي أكثر من 13 ألف هكتار وبالتالي أنا متفائل من أننا بهذه الوتيرة سنتمكن من إزالة كل ما هو قاتل من بقايا القوات المتحاربة في الساحل الشمالي الغربي حسب تقديري في فترة تنتهي في أواخر عام 2014.
ما هي أبرز المعوقات التي تعوق تنفيذ خططكم للقضاء على الألغام والأجسام القابلة للانفجار؟
التحدي الرئيسي الذي يواجهنا في هذا الموضوع هو التحدي المالي، فنحن لدينا الخبرات الوفيرة في القوات المسلحة، وسلاح المهندسين المصري قام بأعمال كثيرة سواء داخل مصر أو خارجها ويعمل الآن في عدة مواقع تحت مظلة الأمم المتحدة، وبالتالي لا تنقصنا المعرفة والخبرة، ولا تنقصنا الأجهزة، وأصبحنا على دراية كاملة بما هو متوفر في العالم من تكنولوجيا، وهناك ملتقى سنوي ونحن نقوم خلاله بتحديث المعلومات.
ويعرض على هامشه أحدث التكنولوجيات المتعلقة بأعمال الكشف والتطهير المتعلقة بالألغام التي تنتج في أي مكان في العالم، فنحن لدينا المعرفة التكنولوجية والأجهزة، ولدينا الكوادر، كما لدينا إلى حد كبير المعلومات حول أماكن المناطق الملوثة، ولكن ما ينقصنا هو الموارد المالية اللازمة لاستكمال ما نحتاجه من تجهيزات وللصرف على عملية إزالة الألغام، فإذا ما تم تدبير التمويل ننتهي من هذه المشكلة في أسرع وقت.
ماهي تقديراتكم للاحتياجات المالية التي يتطلبها مشروع إزالة الألغام؟
هذا أمر صعب الأن، لأن ما نفعله لأن هو ما يمكن أن نطلق عليه «أنشطة لينة أو سوفت» كمساعدة الضحايا والتوعية بالمخاطر، وتركيزنا الآن هو في مجال مساعدة الضحايا، في أول يناير هذا العام كان عدد الأشخاص الذين أصيبوا ببتر وقمنا نحن بتزويدهم بأطراف صناعية 124 شخصا حصلوا على 129 طرفاً صناعياً.
واليوم وصلنا إلى 150 شخصاً حصلوا على 156 طرفاً صناعياً، بالغضافة إلى تنفيذ أكبر حملة للتوعية بمخاطر الألغام هذا العام واستمرت من 7 مارس وحتى 15 أبريل ووصلنا من خلالها إلى 15 ألف تلميذ ومن ثم إلى أسرهم والمجتمعات القريبة والمحيطة بمدارسهم، ونقوم حاليا بالتنسيق ما بين الأطراف المعنية محليا وبالتفاوض مع الأطراف المعنية دولياً.
وهناك تنسيق مع القوات المسلحة لتحديد المناطق التي تم تطهيرها بدقة لمعرفة الإطار الزمني لخطة عمليات التطهير وفق لما هو موجود بالضبط ومن ثم تحديد التكلفة.كانت القوات المسلحة قد قدرت تكلفة أعمال التطهير بالتعاون مع شركة رونكو الأميركية 250 مليون دولار أميركي، وانا متفائل نتيجة الدروس المستفادة خلال المرة الأولى بأن المبالغ التي نحتاج إليها هي أقل من ذلك بكثير.
وهل لديكم إحصائيات أو حصر بحجم الأضرار الناتجة عن هذه الألغام والأجسام القابلة للانفجار؟
نعم لدينا، وهذا العام فقط وقعت عشرة حوادث منذ بداية العام وحتى الآن هو رقم كبير، فقد بسببها خمسة أفراد وأصيب أربعة ببتر تحت الركبة، وأصيب خامس ببتر في القدم والسادس أصيب ببتر كف يده اليمنى، وهناك أرقام مرعبة لمن فقدوا حياتهم منذ عام 1942 وحتى يومنا هذا، وكذلك كل من تحولوا إلى معاقين، وهو أمر مؤلم.
ومن ثم كان من أهم إنجازات المرحلة الأولى أننا أسسنا قاعدة بيانات شاملة للناجين من حوادث الألغام بعد أصابتهم، فعلياً، ونحن ندبر الدعم للمجتمع المحلي أن ننتبه إلى أنه كان له ذوي يعولهم، فبالإضافة لتزويد الناجين البالغ عددهم 677 منهم نحو 250 شخصا أصيبوا ببتر في الأطراف زودنا نحو 60 في المئة منهم بأطراف صناعية.
الأمر الأخر والذي سيمتد أثره لأسر المتوفين، توصلنا إلى الانتهاء من دراسة مسحية ميدانية شملت المنطقة من الحمام وحتى الحدود مع ليبيا لتشمل النشاطات المدرة للدخل التي يمكن أن يقوم بها ضحايا الألغام ومن ثم اسر من فقدوا حياتهم بسببها.
قيل إن ضحايا الألغام وأسر القتلى يسعون حالياً لتحريك دعاوى قضائية ضد الدول التي قامت بزرع هذه الألغام لمطالبتها بالتعويض، فما حقيقة ذلك؟
نعم، أنا وصلتني هذه المعلومات، واتصلت ببعض الناشطين المحليين وتأكدت من هذه المعلومات وأن هناك جمعية أهلية تسمى «الناجون من الألغام للتنمية الاقتصادية» تقود هذا التوجه.
ما مدى قانونية هذا التحرك؟
إخواننا هؤلاء قاموا باتخاذ عدة إجراءات، وانتهزوا فرصة وجود الأمير أندور شقيق ولي العهد البريطاني في منطقة العلمين في أكتوبر من العام الماضي خلال ترأسه لاحتفال الدول المتحاربة بذكرى قتلاهم بحرب العلمين في الحرب العالمية الثانية.
ووجهت الجمعية خطابا للأمير أندروا ناشدوه فيه تقديم الدعم لهم وللمنطقة ولكنهم لم يتلقوا عليه أي رد حتى الأن، كما أنهم تواصلوا مع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والمحكمة أوعزت إليهم بمقاضاة بريطانيا محليا قبل أن تنظر المحكمة في الموضوع، وبناء عليه على ما يبدو رفعوا القضية أمام القضاء في محافظة مطروح ؟ شمال غرب مصر- وعندهم فريق قانوني يعكف على أعداد الأوراق والمستندات اللازمة لذلك.
المسؤولية القانونية
وماذا عن المسؤولية القانونية للدول المتسببة في زرع هذه الألغام وترك الأجسام القابلة للانفجار؟
للأسف الشديد المسؤولية القانونية ليست ثابتة، وذلك لأن المبدأ القانوني المعروف سواء في القانون الدولي أو القانون المحلي هو أنه «لا جريمة من غير نصس، ومن ثم بما أنه لا يوجد نص يجرم ما فعله المتحاربون من تلك هذه الأجسام القاتلة على أرضنا فلا يوجد مسؤولية قانونية فالمسؤولية القانونية فيها خلاف، ولكن الثابت يقينا، وهذه الدول نفسها تعترف به أن هناك مسؤولية أخلاقية.
بعض الدول المسؤولة عن تلك الجريمة تربط بين تقديم مساعدات لمصر في هذا الصدد وتوقيع مصر على الاتفاقية الدولية لحظر الألغام المضادة للأفراد، فما هو موقف مصر؟
بالفعل بعض الدول ساقت هذه الذريعة للتنصل من مسؤولياتها الأخلاقية، بريطانيا تحدثت بها، وكذلك إيطاليا وان كانت إيطاليا أكثر ودا وإعرابا عن الصداقة، لأن إيطاليا صحيح أنها لم تقدم دعما لأغراض إزالة الألغام بالساحل الشمالي الغربي ولكنها أوعزت لوزارة الدفاع الإيطالية بتقديم مساعدة عينية مباشرة لوزارة الدفاع المصرية عبارة عن 170 مكتشف ألغام.
وأيضاً خلال الزيارة التي قام بها الرئيس مبارك لإيطاليا في وقعت وزيرة التعاون الدولي فايزة أبو النجا اتفاقا مع إيطاليا لتخصيص مليون يورو لتمويل الأنشطة التنموية المدرة للدخل لضحايا الألغام، وألمانيا قدمت 500 ألف يورو في المرحلة الأولى دون أن تخصص أو تربط أو تشير إلى اتفاقية أوتاو، بريطانيا أشارت لاتفاقية أوتاو في معرض تقديمها لمساعدة رمزية قدرها 250 ألف جنية استرلينيني.
ما هي خططكم لتنمية المناطق الملوثة بالألغام والأجسام القابلة للانفجار بعد تطهيرها؟
أنا كلفت أخيرا برئاسة الفريق الفني الذي سيعهد إليه تحديث خطة التنمية، وأنا أرجو أن نتمكن من ذلك خلال الفترة المتبقية حتى نهاية هذا العام لكي يكون هناك اطار واضح نتحرك فيه، لأن هناك علاقة وثيقة بين نزع الألغام والتنمية.
هل هناك تفكير في تغيير استراتيجية التعامل مع قضية الألغام من الاعتماد على المساعدات والمنح إلى الاعتماد على الاستثمار؟
فكرة الاستثمار واردة، ولكن مازال الأمر كما قلت حيث تجري عمليات التنسيق محليا والتي سأقوم بعرضها على وزيرة التعاون الدولي والتي ستقوم بدورها بعرضها على القيادة السياسية، هذه الرؤية داخل فيها عملية الاستثمار، بمعنى أنا رؤيتي أن نركز أكثر على التنمية من باب تقصير الطريق، فنحن نقوم بنزع الألغام وعمليات التطهير ليتم تنميتها.
ونحن نفكر في أن نركز على التنمية وأن يأتي التطهير أثناء التنمية، بمعنى أنك ستحصل على مليون متر مربع مثلاً لإقامة محطة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية مثلاً، وأثناء تحضير المكان يتم تطهير هذه المساحة، نظراً لمحدودية الموارد ومواجهة النقص في مخصصات الأعمال المضادة للألغام، صحيح أن مصر تأتي في المرتبة الثانية بعد أنجولا في حجم التلوث بالألغام.
ولكن كل ما نزيله من ألغام يستنزل على عكس دولة مثل أفغانستان التي تدور في دائرة مفرغة من التلوث بالألغام والأجسام القابلة للانفجار، أيضاً لبنان جاءت حرب يوليو 2006 لتمسح تماما كل ما أنجزه المشروع اللبناني لإزالة الألغام الذي تم قبلها بخمس سنوات، فنحن هنا وضعنا مختلف، وما أريد أن أوكد عليه أن بعد التنمية سيدخل في المرحلة الثانية حسب تقديري، لأنه من الواضح أن الاعتماد فقط على أخلاق وأريحية الدول الأخرى والجهات المعنية ربما لا يكفي لتوفير الاحتياجات المطلوبة.
القاهرة ـ عماد الأزرق


