ثمة ظاهرة راهنة باتت محل رصد متواصل من جانب ساسة الغرب ومحلليه.. ويمكن تلخيصها في عبارة حاسمة تقول:

آسيا في طريقها إلى التكامل، ومن ثم إلى دور محوري وقيادي تضطلع به في مسيرة العقود المقبلة من القرن الحادي والعشرين.

نعم.. أخطر ما بات يلحظه مراقبو تحولات الأوضاع في العالم هو ظاهرة فريدة أقرب في أعراضها إلى مباحث علم النفس ويطلق عليها التوصيف التالي:

الشيزوفرانيا الآسيوية الجديدة: آسيا بين التكامل والانعزال.

في دافوس

وفي هذا السياق يذهب راصدو الشأن الآسيوي إلى أن القارة الشاسعة تطرأ عليها أحوال من التغير في مسارها السياسي، وفي النهج الذي باتت تتبعه قواها الفاعلة الكبرى (الصين على سبيل المثال) من حيث إطلالتها على أحوال القارة بشكل خاص وعلى ظروف العالم الراهنة بشكل عام.

وبمناسبة الصين، فقد سبق لدوائر منتدى دافوس الشهير، الذي يضم فعاليات وقيادات دنيا التجارة والأعمال في عالمنا.. أن عَقَد مقارنة بين ما كانت عليه الصين في عام 2008 وبين ما صارت عليه في عام 2010 الحالي..

وبديهي أن الفترة الزمنية الفاصلة لا تشكل سوى غمضة عين ؟ كما قد نقول ؟ في حياة الأمم ومسيرة الشعوب.. إلا أن منتدى دافوس المعقود سنويا في سويسرا، وعلى نحو ما أكدت الباحثة «كاترين بنهولد» ارتأت أن الصين كانت تمثل في عام 2008 اقتصادا ناشئا أو ناهضا يتلمس طريقه إلى حيث يكون له موطئ قدم في سوق الاستهلاك الأوروبية.

ولكن بادرت الصين خلال العامين الماضيين إلى اتخاذ إجراءات كان لها صداها الإيجابي عالميا، ولم يكن أقلها مثلا ذلك النجاح الذي سجلته بيجين في عقد فعاليات دورة الألعاب الأوليمبية العالمية مع ما سبقها من رفع رقابة الحكومة والحزب الشيوعي الحاكم في الصين عن مواقع الكترونية متعددة على شبكة الانترنت العالمية.. بعدها.. مضت الصين ؟ بخطوات حذرة ومحسوبة بدقة ؟ إلى حيث تركت بعض العنان لارتفاع قيمة عملتها الوطنية مقابل قيمة الدولار، وهو ما بعث قدرا من الاطمئنان وبعض الرضا في أوساط الاقتصاد في أميركا وأوروبا على السواء.

بعدها.. ومع الأشهر المنصرمة من العام الحالي لم تعد الصين تلتمس السبيل أمام النهوض.. بل إنها نهضت فعلا ؟ على نحو ما تذهب الباحثة كاترين بنهولد أيضا (في دراسة منشورة في نيويورك تايمز في أواخر يناير الماضي).. بل إن نهوضها جدير إن عاجلا أو آجلا بأن يؤكد نفسه في أسواق العالم ما بين أميركا إلى أوروبا إلى اليابان.

الصين أربكت الغرب

مع ذلك.. ففي ظل غيوم الأزمة المالية التي مازالت مخّيمة على تلك الاقتصادات.. جاء هذا النهوض السريع للصين بمثابة عامل إرباك لتلك الأسواق التي طالما نعمت بمقاليد الهيمنة على اقتصادات الدنيا، ولدرجة تقول معها البروفيسور كرستين فوربس وهي مستشار اقتصادي سابق في البيت الرئاسي الأبيض:

لقد أصبحت الصين مصدرا لأكبر أمل يراود الغرب وأكبر خوف يخشاه الغرب أيضا.. فلم يكن أحد على استعداد لمجاراة تلك السرعة التي نهضت بها الصين.. وهانحن نسعى جاهدين لفهم الأسلوب الذي نتبعه في التعامل معها.

هذا الأسلوب هو الذي يحاول الغرب توسيع آفاقه ليشمل ربوع القارة الآسيوية بأسرها.

وبديهي أن للغرب تاريخا طويلا مع ربوع شتى من القارة الآسيوية.. وإذا ما عمدنا إلى تجنيب الحديث عن غربي آسيا ؟ منطقة الشرق الأوسط وقد كانت بصورة أو بأخرى جزء من تعقيدات علاقة الغرب مع الإمبراطورية العثمانية فيما كان يعرف تاريخيا باسم «المسألة الشرقية» فإن باحثي الغرب يقصرون الحديث الراهن على تطورات الأمور في آسيا من أواسطها أقصى شرقها إلى الشمال.. وبالذات إلى الجنوب بما في ذلك منطقة النمور الآسيوية التقليدية فضلا عن الصين ؟ العملاق الأصفر على نحو ما كان يسميه نابوليون بونابرت.

تنشر مجلة «كَرَنْت هستوري» المهتمة بمجريات السياسة العالمية الراهنة ؟ في واحد من أحدث أعدادها دراسة عن هذه الحركة التكاملية التي تشهدها القارة الآسيوية في الوقت الحالي..

يقول صاحب الدراسة «جوشيا كورنالانذيك» وهو كاتب متخصص في الشأن الآسيوي ؟ الصيني ؟ إن آسيا ولأول مرة في التاريخ بدأت تبدي إشارات موثوقة وموثقة من حيث خطواتها نحو مزيد من التكامل والتماسك ؟ التدامج بين أقطارها.. وهو ما يتمثل ؟ كما يقول الباحث الأميركي ؟ في بناء مؤسسات إقليمية حقيقية وفاعلة ودينامية. حيث يأتي ذلك بعد مرحلة انعزال وتباعد بين كثير من تلك الأقطار الآسيوية

رابطة «الآسيان»

وإذا ما كان ردنا على هذه المقولة بأن آسيا سبق وأن شهدت مؤسسات إقليمية راسخة القدم ومنها مثلا منظمة «الآسيان» الشهيرة وتعّرفها مصطلحات الأمم المتحدة على الوجه التالي:

منظمة أمم جنوب شرقي آسيا.

إلا أن الجديد في الدراسة التي نحيل إليها هو أن دول آسيا ؟ شرقيها وجنوبها الشرقي بالذات ؟ بدأت تتخذ خطوات غير مسبوقة بالفعل على طريق هذا التكامل وفي مقدمتها استحداث آليات مبتكرة للتعاون الآسيوي ؟ الإقليمي في مجالات حساسة وجوهرية في آن معا وفي مقدمتها ما يلي:

معلومات الاستخبارات.

قضايا البيئة والاحتباس الحراري وتغير المناخ.

ظاهرة انتقال الأمراض الخطيرة المعدية عبر الحدود الوطنية.

وما أبعد يوم آسيا عن البارحة..

توضح الدراسة الأميركية المنشورة كيف أن زائر آسيا في عقد الثمانينات كان يرى أن الكثير من دولها تعيش دون أن تربطها حتى علاقات دبلوماسية مع بعضها البعض. أما اليوم فالوضع مختلف.. لا من حيث التركيز على العلاقات الدبلوماسية فذلك أمر يمكن أن يكون شكليا وقد لا يعكس حالة التكامل والترابط المنشود.

أميركا تتراجع

إن التركيز الحالي ينصّب باطراد على محور العلاقات التجارية والأنشطة الاقتصادية. ومرة أخرى فما برحت الصين هي مفتاح هذه الظاهرة الأخيرة في التوسع والتعمق يوما بعد يوما.

يضيف الأستاذ كورلا نتزيك قائلا:

في السنوات القليلة الماضية، أزاحت الصين الولايات المتحدة عن مكانتها بوصفها أكبر شريك تجاري مع كل من كوريا الجنوبية واليابان واستراليا.. وباتت كبريات الشركات الآسيوية تركز على حالات الاندماج والاستحواذ داخل حدود القارة في حين ظلت تعمل على اجتذاب ألمع المهارات الإدارية من داخل أقاليمها بدلا مما كانوا قد درجوا عليه في مراحل سبقت من تطورهم الاقتصادي متمثلا في جلب أو استيراد الكفاءات الإدارية من أقطار الغرب الأوروبي والأميركي..

وإذا كان صوت الأرقام من أفصح ما يكون، ورغم ما كان العالم يتابعه حتى عقود قليلة من زماننا من عداوات كانت مشتجرة مثلا بين الصين ؟ الأم وتايوان ؟ الجزيرة ؟ فالحاصل أن الشركات التايوانية وليس غيرها وظفت في الفترة الأخيرة في اقتصاديات الصين الأم استثمارات زادت على مبلغ 150 مليار دولار بالتمام والكمال.

وهنا قد نطرح السؤال المنطقي أو البديهي؟

ما هي العوامل الجوهرية التي دفعت إلى مثل هذه الحركة من التكامل ومن ثم تعزيز النهوض في ربوع القارة الآسيوية؟

عوامل جوهرية

في محاولة الإجابة تتجلى أمام الباحث أوضاع وعوامل بالغة الأهمية نحاول أن نعرضها بإيجاز شديد على الوجه التالي:

أولا: إن التطور الاقتصادي عزز من امكانات التبادل التجاري، مما أدى إلى توسيع آفاق التعاون عبر حدود الدول التي ما لبثت أن فتحت أسوارها أمام تدفق الاستثمارات الآسيوية لإنشاء المشاريع والاضطلاع بالأنشطة المشتركة على الصعد الإقليمية.

ثانيا: إن الثمار التي عادت من نجاحات جهود التنمية أدت منطقيا إلى زيادة الدخول المالية وتعديل هياكل الأسرة الآسيوية التقليدية وأساليب حياتها في ظل ازدهار شرائح واسعة النطاق من الطبقات الآسيوية الوسطى بكل ما واكب ذلك من تغيرات في أساليب المعيشة وسبل الترفيه ومستويات التعليم وعادات الاستهلاك..

وقد أدى جدل هذه الظاهرة إلى أن تلك التحولات بعيدا عن عادات وطرائق الماضي اتسمت بدورها بطابع معّمم وشراكة لا لا تخطئها الصين ولا الفهم بحيث جمعت بين الشرائح التي نعمت بكل من هذه المتغيرات على اختلاف الدول والأقطار والموقع من الإقليم الآسيوي، وتم ذلك بفضل التطور المذهل في تكنولوجيات المعلومات والاتصال سواء عن طريق البث الإذاعي ؟ والمتلفز أو عن طريق مواقع التشبيك الحاسوبية وغيرها.

ثالثا: هذه الشراكات انعكست على شكل ما أصبح يعرف في ربوع شمال وجنوب شرق آسيا بأنه «الموجة الكورية» مجسدا في مسلسلات التلفاز الكورية (الجنوبية) التي يتم ترجمتها إلى لغات آسيا المتنوعة وتعرض على شاشات أقطارها المختلفة.. وقل الشيء نفسه ؟

كما تضيف الدراسة الأميركية ؟ عن حالات التقارب إلى حد الترابط والتمازج التي ما برحت تشهدها القارة من خلال المهرجانات الموسيقية والسينمائية الإقليمية التي كان من شأنها بناء جسور بين شعوبها.. وخاصة بين الصين واليابان.. وبين الصين وتايوان.

رابعا: يُحمد لهذه البلدان أن أصغت إلى الحكمة الكونفوشية ؟ كما قد نسميها ؟ وقد اتبعتها الصين حين عملت على التقليل إلى أدنى حد من المنازعات الحدودية، مؤكدة في الوقت ذاته أهمية التفاوض والتراضي والحلول الوسط لمثل تلك المنازعات وهو ما أدى إلى نزع فتيلها سواء بين الصين وتايوان أو بين بيجين وطوكيو.

قال كوان يو

لم يفت هذا الأسلوب الكونفوشي على واحد من حكماء السياسة في تلك المنطقة من الإقليم الآسيوي.. وهو «لي كوان يو» السياسي المخضرم الذي يعزى إليه الفضل في معجزة تحويل بلاده سنغافورة من جزيرة مكسورة الخاطر إلى نمر اقتصادي منتفض بالحيوية..

لقد ظل هذا الحكيم السياسي ينظر بعين الريبة إلى سلوكيات الصين، ربما على مدار حقبة زعيمها «ماو» وما بعدها لكن لم يسعه وهو يرقب ويرصد هذه النزعة الصينية إلى التراضي والترابط والنهوض سوى أن يقول في تصريح أخير ما يلي:

تُحسن الصين صنعا وهي تتقرب من جيرانها.. وبرغم أن الصين لم تخترع التعبير الشهير عن «القوى الناعمة» إلا أنهم ما برحوا يستخدمونه بقدر ملحوظ من الحذق والمهارة.

والحق أن هذا القدر الملحوظ يتبدى من خلال سلوك بيجين المسؤول إزاء الاهتمام بقضايا لا تدخل مباشرة في أجندات السياسة أو الحرب أو حتى الاقتصاد.. إنها قضايا التعاون عبر الحدود في مكافحة آفات الاتجار بالمخدرات أو الحد من انتشار الأمراض المعدية باعتبار أن هذه الآفات إنما تدخل في صميم الأمن القومي لكل بلد على حدة ومن ثم في صميم الأمن الإقليمي لأصقاع القارة في مجموعها.

في كل حال.. فها هي آسيا تتحرك.

وتتواكب معها تحركات الأرصاد السياسية والتحليلات الاقتصادية والتنبؤات المستقبلية.

من هنا يحق للدراسة المنشورة في مجلة «كرنت هستوري» أن تختم إطلالتها بسطور تقول فيها عن مستقبل آسيا:

في منطقة تضم أغلبية سكان العالم.. وتشهد أسرع الاقتصادات نموا على ظهر البسيطة، فمن شأن هذا التكامل أن يفضي في نهاية المطاف إلى تقزيم أوضاع بغير حصر في أوروبا وفي أميركا الشمالية على حد سواء.

محمد الخولي