يحرص المؤلف على تأكيد أن كل ما أنجزته النهضة العلمية والفكرية في أزهى العصور الإسلامية إنما يرجع في جذوره المضيئة إلى رسالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، منذ تلقى الوحي في غار حراء، ومن بعدها نشر تعاليم الدين الجديد، الذي يدعو أول ما يدعو إلى البحث والتفكر، فضلا عن دعوة نبيّه إلى طلب العلم ولو في الصين، وبمعنى أنها دعوة إلى تفاعل الحضارات وتداخل الثقافات، وهو ما عمد إليه بناة النهضة الإسلامية ؟ العربية في منتصف العصر العباسي، ومن بعدهم في دولة المسلمين في الأندلس.
كما تعرض الحلقة للعلاقة الإيجابية التي ربطت بين روجر الثاني ملك صقلية وبين الشريف الإدريسي أعظم علماء الجغرافيا في العصور الوسطى، والذي اشتهر برسم أول خريطة العالم.
وفي افتتاحية الفصل الرابع من هذا الكتاب يسجل المؤلف، «جوناثان ليونز» هذه الكلمات: إن إمبراطورية المأمون العباسية العظيمة إنما تدين بالكثير من حيويتها الهائلة إلى ما سبق إطلاقه من طاقات الحيوية الروحية والفكرية منذ مائتي سنة في بقعة نائية من بقاع شبه الجزيرة العربية.. في إشارة إلى بعثة النبي محمد صلي الله عليه وسلم.
في معرض العودة إلى الجذور الأولى يقول المؤلف: هناك في تلك البقعة القصّية، وفي عام 610 للميلاد، بدأ رجل، كان يشتغل بقدر متواضع من التجارة وصحبة القوافل عبر الصحراء، في تلقي الوحي من الله عز وجل خلال فترات اعتزال كان ينقطع فيها للتعبد في شعاب الجبل. وعندما تلقى أولى قطرات الوحي الإلهي شعر بالجزع، ولم يبلغ بذلك أحدا سوى زوجته العطوف خديجة، ولكن سرعان ما استوت خطواته على الطريق، بعد أن جاءه الأمر في صيغة تقول:
«يا أيها المدثر قم فأنذر». وكان أن اجتذبت رسالة «محمد» عددا من وجهاء مكة، ولكنها وجدت صدى في نفوس أفراد من الفقراء والبسطاء، إذ كانت رسالة من العدل الاجتماعي، والدعوة إلى العمل الصالح، وتأكيد وحدانية الرب المعبود.
انتهت عبارات المؤلف على الصفحة 78 من الكتاب. وعمد بعدئذ مؤلفنا إلى إحاطة جمهرة قارئي الإنجليزية بتطورات الرسالة المحمدية وأهم أحداثها وتعاليمها..
إلى أن يقول في صفحة 81: يجنح الكثيرون اليوم بالنظر إلى الدين (أي دين) على أنه مناوئ للتقدم العلمي، ومع ذلك فإن الإسلام منذ بداياته الأولى عَمَد صراحة إلى تشجيع ورعاية التفكر والتأمل بكل أساليبه. كيف لا ـ يضيف مؤلفنا ـ وقد حث النبي محمد أتباعه على طلب العلم ولو في الصين، فضلاً عن وصف العلماء على لسان رسول الإسلام بأنهم «ورثة الأنبياء».. فما بالك بحكمة شعيرة الحج إلى مكة، التي من شأنها أن توجد سوقا عالمية لتبادل الأفكار والابتكارات وفرصة للتعلم وتداخل الثقافات.
هكذا يضيف المؤلف كان العلماء والفلاسفة العرب يستندون إلى دعم إلهي إذ كانوا يرون في الكشف والدرس العلمي تعبيرا عن كلمة الله مهتدين في ذلك بكثير من آيات القرآن الكريم، التي تناولت نواميس الخلق، وقوانين الكون، وحركة الكواكب والنجوم، وتعاقب الليل والنهار.
الاهتمام بالجغرافيا
وفيما تركزت هذه الاحتياجات على عنصر «الزمان» لمعرفة أهّلة الشهور الهجرية ومواقيت الصلوات، فقد اتسع الاهتمام العلمي ليركز بدوره على عنصر «المكان»: وكان أبلغ تعبير عن هذا الاهتمام بالجغرافيا ذلك الطموح الذي استبد بالخليفة المأمون شخصيا من أجل رسم خريطة العالم بحيث لا يقتصر الأمر على مواقع الأماكن، ولكن يتسع أيضاً لكي يشمل الشعوب والأقوام فيما أصبح يعرف فيما بعد باسم الجغرافيا البشرية.
في هذا الخصوص يقول مؤلف الكتاب (ص89): لهذا أمر الخليفة المأمون بتشكيل فريق ضم عشرات من العلماء وعمد إلى بلورة مهمة هذا الفريق ؟ على نحو ما يوضح المسعودي في «مروج الذهب» - بأنها «تصوير الكون بكل أبعاده وبروجه ومداراته وتخومه وبكل ما يحوي من يابسة ومياه وبقاع مأهولة أو مهجورة، وبكل ما يضم من شعوب وأقوام وبادية وحواضر، وما يشمله من عجائب وغرائب.
ويضيف كاتبنا قائلاً: إن خريطة المأمون صورت 30 مدينة وبلدة كان لها أهميتها في العالم القديم إضافة إلى خمسة بحار و290 نهرا و200 جبل.. هذا علما بأن العلماء المسلمين والعرب من مجموعة المأمون المذكورة عملوا على تصحيح ما سبق وذهب إليه عالم الجغرافيا القديم «بطليموس» الذي رسم المحيط الهندي على أنه بحر مغلق.
وبدلا من ذلك فقد أكد العلماء المسلمون أن العالم المسكون كتلة من اليابسة يحدق بها محيط شاسع من المياه. ويوضح الكتاب أيضاً أن الفريق العلمي الذي عمل لحساب الخليفة المأمون لم يقتصر على علماء الجغرافيا وحسب، بل ضم كذلك علماء اختصاصيين في الرياضيات واللغات، إلى جانب الرحّالة الذين تجولوا في الأقطار والأمصار، ثم أودعوا خلاصة تجاربهم في مؤلفات جمعت بين رونق العمل الأدبي وموضوعية الدراسة العلمية.
وقد اتبع هذا التقليد بعد ذلك رحالة عظام أمثال محمد بن أحمد المقدسي الذي أنجز في عام 985 للميلاد كتابه الموسوعي «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» مستندا في الكتاب إلى الرحلات والاستكشافات التي دامت على مدى عقدين من عمر الزمان.
دعوة كريمة من صقلية
ولكن كان على علم الكشوف والجغرافيا في عالم العروبة والإسلام أن ينتظر إلى عام 1138 ميلادية لكي يشهد إنجازات أكبر علماء الجغرافيا المسلمين، ممن تركوا تأثيرا محسوسا بكل مقياس على علم الجغرافيا على مر التاريخ.
يتحدث كتابنا تحديدا عن الشريف الإدريسي. يقول المؤلف: في عام 1138 للميلاد تلقى الإدريسي واحدة من أهم الدعوات في تاريخ العلم. كان الإدريسي شاعرا وصيدلانيا وأستاذا في علم النبات ومثقفا موسوعيا، لدرجة أن مؤلفاته كانت تسرد أسماء النباتات في أصولها العربية والفارسية واللاتينية والهندية واليونانية ولغة شعوب البربر وقدماء الهنود.
تقضي الدعوة الموجهة بتكليف الجغرافي المسلم بإعداد خريطة للعالم يرسم خطوطها ويشفعها بمسرد وصفي لتفاصيلها. كانت دعوة بالغة السخاء. ومن عجب أن الشريف الإدريسي لم يتلقاها هذه المرة لا من خليفة مسلم ولا سلطان ولكن كان صاحب الدعوة العلمية حاكما مسيحيا شاباً اسمه «روجر الثاني»: هو ملك جزيرة صقلية التي كانت إمارة إسلامية في يوم من الأيام.
وبعدها شّمر الشريف الإدريسي عن ساعد الجهد العلمي إلى أن استطاع مع فريق من العلماء المعاونين أن يصدر في عام 1154 كتابه الشهير الذي حمل العنوان التالي: «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق»، وهو العمل الذي تعارف عليه مثقفو العرب والمسلمين بأنه «كتاب روجر»، وفيه قدم العالم المسلم المغربي الأصل أشمل وصف ؟ كما يؤكد مؤلفنا ؟ لعالم ذلك الزمان.
ويواصل المؤلف حديثه التحليلي عن «كتاب روجر» فيقول: بأي مقياس فإن الذي أنجزه «الإدريسي» كان إنجازاً هائلاً. وبقدر ما أفاد العالم فقد كان تجسيدا نابضا بالحياة لأمجاد علم الجغرافيا عند العرب، وهو ميدان استطاع فيه العلماء المسلمون أن يتفوقوا بأشواط بعيدة عن أسلافهم من علماء اليونان والفرس والهنود.
كما أن هذا التعاون بين عالم مسلم (الإدريسي) وعاهل مسيحي (روجر ملك صقلية) أفضى إلى وضع التراث الثقافي، المعرفي العربي عند مفترق الطرق في العالم المعروف آنذاك، فما بالك وقد كان الملك روجر ونفوذه في جزيرة صقلية وجنوبي إيطاليا قوة مرموقة في البحر الأبيض المتوسط وتحتفظ بعلاقات حيوية في مجالات التجارة والدبلوماسية والعسكرية مع جميع الدول المهمة في الشرق والغرب.
أهمية «نزهة المشتاق»
يذكر مؤلفنا أيضاً أن خارطة الإدريسي كانت الأساس الذي انطلق منها راسمو الخرائط البحرية والساحلية في عصور الكشوف الجغرافية التي انطلقت من أوروبا في مراحل لاحقة.
وقد ظهرت طبعة عربية مختصرة من الكتاب المذكور في أوروبا عام 1592، وكانت أول عمل علمي للمسلمين من إنتاج مطبعة مديتشي الأكاديمية في روما وجاء إصدارها أي على استمرار أهمية الكتاب. ثم ظهرت ترجمة لاتينية من كتاب الإدريسي في باريس في عام 1619، ولكن مع حذف اسم المؤلف ونسبة الكتاب إلى مصدر مجهول يحمل لقب «جغرافي من أهل النوبة»(!).
وفي عام 1841 كتب الروائي الأميركي الشهير «إدجار الآن بو» قصته بعنوان «هبوط إلى معمعة العاصفة» وأشار في سطورها إلى ذلك «الجغرافي النوبي» مستخدما المصطلح اللاتيني «ماريه تيني برادوم» أو بحر الظلمات ؟ الوصف الذي أطلقه الشريف الإدريسي على المحيط الأطلسي.
ثم ظهرت أيضاً ترجمة فرنسية رصينة لكتاب الجغرافي المسلم في عام 1841 وكان هدفها ؟ كما ينبه مؤلفنا (ص99) هو: تحسين معرفة المعاصرين من أهل الغرب بالعالم ولاسيما بإفريقيا التي كانت تتجلى أهميتها في تلك الفترة بوصفها جائزة الموارد بالنسبة لنزعة التوسع الاستعماري التي كانت سائدة في أنحاء أوروبا.
أما ملك صقلية المسيحي روجر الثاني، الذي بسط رعايته وأولى كل التشجيع للشريف الإدريسي أستاذ علم الجغرافيا المسلم، فقد توفي عام 1154 في أعقاب صدور كتاب «نزهة المشتاق».
ومن معاصريه في جنوب أوروبا من نعى عليه تشجيعه لمفكر ينتمي إلى عقيدة الإسلام ويكتب أعماله بعربية القرآن. لكن مؤلف كتابنا له رأي آخر يعبر عنه في كلمات يقول فيها:
أيا كانت شخصية روجر فمن الواضح أن التزام الملك المذكور بتحصيل المعارف، ناهيك عن رعايته للشريف الإدريسي وعمق اهتمامه بكتاب نزهة المشتاق (كتاب روجر)، وبرسم خارطة عظيمة للعالم، فإنه يجسد في هذا كله تراثا جديرا بأن يماثل تراث الخلفاء العباسيين الأوائل، وفي طليعتهم أبو جعفر المنصور وعبدالله المأمون.
والحاصل أن هذا الشوق العميق والجديد لاستيعاب أحدث ما توصلت إليه إنجازات العلم عند العرب والمسلمين، وهي إنجازات كانت لا تزال على هوامش أو حواف الحياة الثقافية الأوروبية في تلك الفترة، كانت بمثابة وقود اندفعت به رحلة كانت أقرب منها إلى الحج، وقام بها إلى بلاد المشرق مثقف جسور كان معاصرا للملك روجر الثاني، ومازالت حوليات تلك الفترة تذكر اسمه ولا تنساه وهو: «أديلارد أوف باث» أو الراهب المثقف، القادم من مدينة باث على نهر الآفون في إنجلترا.
هذا الراهب المتعطش إلى معرفة الجديد عن أهل المشارق وبخاصة عن شعوب العرب والمسلمين هو الشخصية المحورية التي نتابعها عبر الصفحات الأولى من الباب الثالث من هذا الكتاب. والباب يحمل عنوان: الظُهر بمعنى منتصف النهار.
ويتألف الباب من 3 فصول يتابع أولها حكاية «أديلارد أوف باث» الذي يختار له المؤلف وصفا يضعه أيضاً عنواناَ لهذا الفصل في العبارة التالية: أول رجال العلم. يقول المؤلف في مستهل السطور: لا أحد يعرف أين تعلم «أديلارد» اللغة العربية، وربما يكون قد تلقنها في مدينة سيراكيوز في صقلية، التي كانت مسلمة في يوم من الأيام، أو ربما تعلمها في مدينة أنطاكية الواقعة في آسيا الصغرى (تركيا حاليا).
العربية.. لغة العلم
المهم أن أديلارد انطلق في رحلته إلى بلدان المشرق وظل يجول في أنحائها نحوا من 7 سنين كان خلالها قادرا على التحاور مع علماء المنطقة، مما يدل على إجادته للغتهم العربية، وقد حرص على ذكر الأساتذة الذين تلقى على أيديهم علوم العرب والمسلمين. وقد بدأت رحلته إلى أقطار المسلمين والعرب في عام 1109 للميلاد، وكان مقصدها الأساسي هو أنطاكية.
لماذا؟ لأنها ؟ كما يجيب مؤلفنا ؟قد بدأت تتخذ سمتها بوصفها مركزا مهما من مراكز الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية (لغة العلم في أوروبا والغرب في ذلك الزمان).
ولماذا الترجمة من العربية؟ لأن علم الطب العربي الذي تطور على يد الأطباء المسلمين كان يتمتع بأعلى مكانة مرموقة في ميدان العلاج على مستوى العالم كله. فالطب عند المسلمين لم يكن يجاريه أحد في ذلك الزمان.
هكذا يؤكد مؤلف كتابنا، مضيفا أن عَالم أوروبا والغرب بالذات كان متلهفا على ترجمة موسوعة طبية صادرة باللغة العربية بعنوان «الكتاب الملكي» وهو من تصنيف الطبيب الحكيم المسلم على ابن العباس ويعرف في حوليات الثقافة الغربية باسم «حالي عباس». وقد وضع موسوعته في القرن العاشر الميلادي لتحوي 10 فصول عن نظريات الطب، و10 فصول أخرى عن الممارسات العلاجية.
وأقدم على ترجمة الموسوعة من العربية إلى اللاتينية عالم إيطالي اسمه «ستيفن أوف بيزا»، نسبة إلى المدينة الإيطالية الشهيرة ببرجها المائل. وبعد الترجمة أصبح الكتاب ؟ كما يذكر مؤلفنا ؟ في مقدمة المراجع الأوروبية في تخصصه، فيما أضفى الناس على مترجمه الطلياني لقب «ستيفن الحكيم».
