ترصد هذه الحلقة ظاهرة التوازي بين تقسيم المؤلف دراسته حول الحضارة الإسلامية العربية حسب مواقيت الصلاة، وبين ما ذهب إليه العّلامة المصري الراحل أحمد أمين في تقسيمه دراسة «الحياة العقلية في الإسلام» إلى فجر وضحى وظُهْر، على نحو ما تقوله عناوين سلسلة أحمد أمين الشهيرة.

وتتابع الحلقة بدايات تأسيس المجمع العلمي العباسي باسم «بيت الحكمة» على يد الخليفة المنصور، ومن ثم تطوره وازدهاره في عهد الخليفة المأمون، مع التركيز على الأخير الذي لم يكن مجرد حاكم تاريخي بقدر ما كان كذلك مفكرا ودارسا وحافظا لكتاب الله الكريم.

لا يستطيع القارئ العربي المثقف أن يقلب صفحات هذا الكتاب دون أن يستدعي اسم الأستاذ أحمد أمين عليه رحمة الله، وهو المفكر المصري الذي يرتبط اسمه بسلسلة الدراسات الرصينة التي أرّخ فيها للحياة العقلية في الإسلام، واختار لها عنوانها الشهير الذي بدأ بكتاب «فجر الإسلام»، واختتمها بكتاب «ظُهر الإسلام»، وما بينهما كتاب «ضحى الإسلام».

أغلب الظن أن مؤلف كتابنا المقيم حاليا في العاصمة الأميركية واشنطن قد تناهى إلى علمه، سواء بحكم تجواله في أقطار تنتمي إلى عالم العروبة والإسلام، أو بحكم دراسته للدكتوراه، التي تركز على الجانب الاجتماعي من العقيدة الدينية ما سبق إليه الأستاذ أحمد أمين من تقسيم التاريخ الفكري ؟ العقلي لعطاء الإسلام، دينا وثقافة وحضارة حسب مواقيت اليوم والليلة، وإن كان مؤلفنا قد أضاف إليها مواعيد العَصْر والمغرب والعشاء.

في هذا الإطار، نشكر المؤلف في تعمقه بتقصي جذور الازدهار الذي تمتعت بها الحركة الثقافية العقلية للإسلام. وقد بلغت ذروتها في عصر الخليفة العباسي المأمون الذي له الفضل في تطوير الأكاديمية الشامخة التي حملت اسم «بيت الحكمة» وقد اتخذها مؤلفنا عنوانا لهذا الكتاب.

والمعنى أن المؤلف يتعامل بمنطق العلم الموضوعي مع نهضة العرب والمسلمين في الزمن العباسي. وهذا المنطق، المحايد أو المنصف منهجيا كما نراه، يرى أن هذه النهضة لم تأت بغتة، بين عشية وضحاها، بل كان لها جذور وبدايات كانت واعدة بحق حتى في أيام من الدولة الأموية التي سبقت إمبراطورية العباسيين.

هنا ينقل الكتاب عن مؤرخ مسلم شهير هو المسعودي في كتابه بعنوان «مروج الذهب» (لهذا الكتاب ترجمة إنجليزية منشورة في لندن عام 1989). حيث يذكر المسعودي أن الخليفة «أبوجعفر المنصور» يرجع إليه الفضل (قبل عبد الله المأمون طبعا) في التوجّه إلى أنشطة حافلة واسعة النطاق في مجال الترجمة بالذات:

وفي هذا الإطار أَمَر هذا الخليفة العباسي الثاني بإعداد ترجمات عربية لعدد من الأعمال الكلاسيكية، التي شكلت محاور معرفية، وقام بتأليفها علماء كبار من الهنود والفرس واليونان.

هنالك اتسعت آفاق المعرفة وبات الأمر يتطلب موقعا وجهودا وأفرادا مؤهلين من أجل ترجمة ودراسة ونسْخ وتخزين هذا الكم المتزايد باطراد من المعارف والنصوص المكتوبة أصلا بالفارسية أو اليونانية أو السنسكريتية (لغة الهند الكلاسيكية القديمة، وهي أم اللغات الهندو- أوروبية الحديثة).

هنالك أيضا تطلّع الخليفة المنصور إلى نماذج سبقت وجسدتها سير وأعمال أباطرة فارس القديمة وملوك الأعاجم فكان أن أمر بتأسيس «مكتبة ملكية» كما يصفها مؤلف كتابنا تضم حيزا واسعا للعمل وهيكلا إداريا يتسم بالكفاءة والفعالية وتتمتع باعتمادات مالية.

مؤسسة «بيت الحكمة»

كان هذا المشروع هو النواة الأساسية للأكاديمية، التي ذاع صيتها في الآفاق بعد أن حملت كما أسلفنا عنوان «بيت الحكمة». ويصفها كتابنا في الكلمات التالية: كان «بيت الحكمة» هو التعبير المؤسسي من جانب المجتمع والحاكم عن ذلك الطموح المبكر الذي راود الخلفاء العباسيين ممن جعلوا هذا الطموح جزءاً من سياستهم الرسمية.

هنا نطرح السؤال البديهي: كيف تطورت هذه المؤسسة التي شهدت ميلادها حقبة الخليفة المنصور وتتمثل الإجابة فيما يلي: على مر الزمن نضجت المؤسسة وأصبح «بيت الحكمة» يضم مكتبا للترجمة، مكتبة حافلة، خزانة لإبداع الكتب، ومجمع أكاديمي يضم علماء ومثقفين ودارسين من كل أنحاء الإمبراطورية الإسلامية التي امتدت في مشارق الأرض ومغاربها.

ويوضح كتابنا أيضا مدى احترام مثقفي ذلك العصر الزاهر لهذه الأكاديمية العربية الإسلامية حين يؤكد أن المثقفين كانوا يطلقون عليها مسميات شتى من قبيل: كنز الكتب، أو كنز الحكمة.

وبقدر ما كان اعتمادات الميزانية في خدمة بيت الحكمة، بقدر ما كانت سياسة الدولة تدعم هذا الصرح الباذخ للترجمة والبحث والإطلاع، كانت الجهود الدبلوماسية، وكان مبعوثو الخلفاء إلى الخارج يعملون أيضا في خدمة إثراء وتطوير «بيت الحكمة».

كيف كانت الوفود والبعوث العباسية إلى البلاط البيزنطي المنافس في عاصمته القسطنطينية تحمل ضمن متاعها في كل مرة طلبات للحصول على نسخ من النصوص الإغريقية ذات القيمة الفكرية والعلمية الكبيرة، ومن ثم أمكن بنجاح كما يؤكد مؤلف كتابنا تأمين اقتناء أعمال فلاسفة وحكماء اليونان الكبار.. أفلاطون، أرسطو، أبوقراط، جالينوس، وإقليدس.

شروط السلام

بل يلفت المؤلف أنظارنا إلى أن العرب المسلمين وضعوا شرطا جوهريا ضمن بنود معاهدة صلح وسلام بين بغداد وبيزنطة. ولم يكن هذا الشرط سوى الحصول على كتاب، أو بالأصح نسخة من كتاب مرجعي كان له تقدير خاص في عالم ذلك الزمان هو كتاب العالم السكندري العظيم «بطليموس» في علم الفلك، الذي عرفه العرب واللاتين باسم شهير هو «المجسطى».

في السياق نفسه ينقل مؤلفنا شهادة أدلى بها في وقتئذ واحد من أكبر مترجمي وعلماء القرن التاسع للميلاد هو «حنين بن اسحق»، وهي شهادة حق توضح بجلاء كيف كان بناة الحضارة العربية (وقد غذتها وأثْرتها جهود أساتذة كبار من مسلمين ومسيحيين وغيرهم)، يبذلون جهودا حثيثة ولا يدخرون أي رخيص أو غال من أجل اقتناء كتاب مرجعي مفيد في علوم الطب، أو الفلك، أو الكيمياء، أو غير ذلك من ميادين البحث والمعرفة.

يقول حنين بن اسحق: لقد وكلّت نفسي باذلا ما استطعت من جهد لكي ألتمس كتابا نفيسا هنا أو سفْرا مفيدا هناك، ولهذا كنت أجول الآفاق ما بين بلاد النهرين (العراق) إلى الشام إلى فلسطين إلى مصر، وحتى الإسكندرية.

ويوضح المؤلف أن العرب اهتموا، على وجه الخصوص، بالترجمة عن اللغة اليونانية، وبذلوا جهودا لا تنكر في الارتقاء بمستوى الترجمة من حيث الدقة والأمانة، وهو ما أضفى مزيدا من الثراء العلمي على العلم والفلسفة لدى العرب المسلمين.

ودفع هذا التطور الباهر في مجال الرياضيات، أو علم الضوء والبصريات مثلا، العلماء العرب إلى الرجوع إلى انجازات من سبق من علماء اليونان. وهكذا شهدت ميادين البحث العلمي في ظل الحضارة العربية عملية استظهار واسعة النطاق لمؤلفات العلماء اليونانيين الأقدمين. وترجمتها وإعادة صياغتها والتعليق عليها وتطوير أطروحاتها، وتحسين مقولاتها، بل وتصحيح ما سبق وأن وقعت فيه من عثرات وأخطاء.

وربما كانت البداية هي ترجمة منطق أرسطو، ومن خلاله استوت ركائز المنهج العلمي بعيدا عن التوسل بالخرافة، أو ترديد مقولات الماضي التي لم تثبت صحتها.

ويلاحظ المؤلف، في هذا الصدد، مدى التناغم والاتساق الذي ساد تجربة البحث العلمي في تلك الفترة التي كانت واعدة من حياة الدولة العباسية. ويوضح أن أول عوامل هذا الانسجام يتمثل في أن العلماء والمفكرين والباحثين في «بيت الحكمة»، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو يهودا، كانت تجمع بينهم وشيجة الإيمان برب واحد.

كما جمعت بينهم أيضا صفة التناغم من حيث الأداء والتعبير اللغوي، بين العرب العاربة (الأقحاح كما قد نسميهم)، وبين المستعربين الذين كانوا ينتمون إلى أقوام وشعوب أخرى، ولكن اعتناقهم الإسلام دفعهم إلى اتخاذ لغة القرآن لسانا جليا للتعبير، وسبيلا بليغا للترجمة عن لغات أجنبية شتى.

ظهور المأمون

وسط هذه الظروف تهيأ المسرح الحضاري للدور المحوري، الذي أسنده القدر إلى ذلك الحاكم العباسي المثقف الذي ألمحنا إليه ومازال اسمه مقرونا بأوج النهضة الفكرية الكبرى في تاريخ حضارة الإسلام والمسلمين: عبدالله المأمون.

يقول مؤلف الكتاب: في مرحلة الصبا حفظ المأمون القرآن الكريم بناء على توجيه من والده الخليفة «الأسطوري» هارون الرشيد، وبعد ذلك بدأ يتلو سور القرآن آية من بعد آية على مرأى ومسمع من أساتذة وعلماء الفقه والتلاوة في البلاط الإمبراطوري.

ولاشك أن حفظ القرآن كما يوضح المؤلف - كان له الفضل في شحذ ملكات التذّكر وقدرة الحفظ والاستظهار فضلا عن إثارة ملكة الفضول العلمي والشغف إلى المعرفة عند المأمون..

والحق، يضيف المؤلف، أن ظهور هذه الملكات لم يفت ملاحظة أبيه هارون الرشيد الذي كان يقول لمعلمي فتاه الصغير على نحو ما ينقل المستشرق كوبرسون في كتابه عن المأمون:

لا تتركوا ساعة تمر دون أن تزودوه بثمرة جديدة من ثمار المعرفة: ولكن لا تتركوه نهبا للسأم أو الضجر، ولا تغرقوه في دوامة ما تقولون، وليكن طريقكم وَسَطا بين أن تيسروا له كل شيء، أو أن تتركوه بغير ما يشغل تفكيره. وكان طبيعيا أن تحصد الحضارة الإسلامية العربية ثمار هذه التنشئة العلمية الرفيعة التي بدأت، كما ألمحنا، بالقرآن الكريم، ولمّا تنته في حياة الخليفة المأمون بقراءات ومحاورات واطلاعات في مجالات العقائد والفلسفات والفلك وتواريخ الأقدمين.

أكثر من هذا، ففي سنة 832 زار المأمون مصر، وكانت تلك ختام سنوات حياته، ولم يكتف الخليفة العباسي بالإطلاع على ميراث حضارة مصر في مجالات الفلك وعلم النجوم، بل التمس الخليفة العباسي، كما يؤكد المؤلف، أن يتعلم اللغة الهيروغليفية محاولا أن يفك شفرتها ويفهم ما تومئ إليه من معان ورموز.

ويضيف المؤلف في هذا السياق قائلا: لم ينجح المأمون في مسعاه بالنسبة للهيروغليفية ولكنه عمد بالفعل إلى اقتحام هرم الجيزة الأكبر، محطما بذلك هالات ومحاذير من الخرافات والأساطير، ودخل إلى جوف هرم خوفو، ويمّم شطر المقبرة الملكية، ليجد أنها أصبحت للأسف التاريخي فارغة من محتوياتها التاريخية على يد لصوص الزمن القديم.

ويختم المؤلف هذا الفصل الحافل عن تأسيس بيت الحكمة كمجمع للبحث والترجمة في عهد المنصور ومن ثم ازدهاره في عهد المأمون، بإشارة من كتاب «الفهرست» لابن النديم، يقول فيها أن المأمون راوده حلم ذات ليلة، ورأى فيه رجلا أصلع الرأس حاد الملامح أبيض السحنة. ولم يكن هذا الرجل سوى أرسطو حكيم اليونان القديم.

وقد سأله المأمون خلال الرؤيا عن تعريف الخير فأجاب: الخير يتمثل في عنصرين هما العقل والوحي بمعنى العلم والدين. قال ابن النديم على نحو ما ينقل مؤلفنا: وهكذا ارتأى المأمون أن طلب العلم واجب ديني، وعليه كان حلم الخليفة هو الأساس والدافع للارتقاء بالكتاب إلى أعلى مكانة وأرفع مقام.

الحلقة: ( 2)

الكتاب: بيت الحكمة: فضل العرب على حضارة الغرب

تأليف: جوناثان ليونز

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: بلومز بري برس ـ نيويورك

عدد الصفحات:246