هل يمكن فهم سياسة إسرائيل تجاه قطاع غزة؟ أعتقد أنه من الممكن ذلك - ولكن بقدر كبير من السخرية-، وهذا فقط إذا نظرنا إلى ما وراء خضم التفاصيل، التي تكون أحيانا متضاربة، والتي ظهرت منذ الاعتداء الإسرائيلي على أسطول الحرية، الذي كان متوجها إلى غزة، في 31 مايو الماضي. للوهلة الأولى، يصعب فهم الأسباب، التي تجعل أي حكومة في العالم، تفعل شيئا يسبب لها هزيمة ذاتية.

فعلى الأقل، قدمت إسرائيل لحماس -المسيطرة على قطاع غزة- نصرا دعائيا كبيرا، كان يجب الانتباه إليه، وتوقعه بسهولة. على الجانب الآخر، هناك، بما لا يدع مجالا للشك، سبب للاعتقاد بأن الأحداث الحمقاء الدموية، التي وقعت، هي تعبير عن الاتجاه السائد في السياسة الإسرائيلية، في الوقت الحالي. لنستمع أولا إلى تعليقات الرأي العام.

رأي عام مضلل

»كل شيء كان يمكن أن يسير على ما يرام، غير أن الركاب تصرفوا بشكل غير مناسب.» هكذا عرضت إحدى الصحف، في عناوينها الرئيسية، رد فعل قائد فريق البحرية الإسرائيلي، الذي هاجم السفينة التركية مرمرة- التي كانت تحاول نقل مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة، ضمن قافلة الحرية؟ والذي جرح في الأحداث. (قيل إنه كان يتحدث من سريره في المستشفى).

ومن المؤكد انه ليس وحده، الذي يؤمن بوجهة النظر تلك إزاء الأحداث. وفي أول تعليق له على الأحداث، حمل وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك، الناشطين على متن السفينة التركية، مسؤولية ما حدث، ثم أضاف لاحقا، في استنباط لا منطقي مذهل، إنه في الشرق الأوسط لا يمكنك أن تظهر الضعف، رغم أن هذا هو بالضبط ما أظهره الاعتداء الإسرائيلي.

وكرر ناطقون باسم الجيش والحكومة الإسرائيليين، مرارا، أن الجنود الإسرائيليين كانوا معرضين لخطر الموت- كما لو كانوا ضحايا أبرياء وقعوا في كمين، وليسوا، كما هي الحال، قراصنة مدعومون من دولتهم، قاموا بمهاجمة قافلة تحمل مساعدات إنسانية، في المياه الدولية.

الإعلام الإسرائيلي العبقري في «اختراع دور الضحية»، وهو تعبير مستعار من فيلسوف السياسة الهندي جويترمايا شارما، لديه القدرة على الإتيان بومضات مذهلة.

وخلال أسبوع واحد من الاعتداء، كان ناشطو سفينة مرمرة، الذين قاوموا الهجوم الإسرائيلي، قد تحولوا إلى إرهابيين في أحاديث الرأي العام الإسرائيلي- وهي فئة واسعة بشكل مذهل، لدرجة أنه يبدو أنها تشمل أحيانا أي فرد يرفض الالتزام بالخط الحكومي. واستخدم وزير الخارجية الإسرائيلي، أفيجدور ليبرمان، تلك التسمية بحق الناشطين في قافلة الحرية من دون تمييز، حتى قبل أن تبدأ القوارب بالإبحار.

ولكن من المهم هنا أن نؤكد أن ممارسة العنف من جانب بعض الناشطين على السفينة التركية ضد القوات الإسرائيلية يناقض المبادئ الأساسية، التي تعتنقها حركة السلام الإسرائيلية منذ سنين عدة.

الذين يعملون منا ؟ناشطو السلام الإسرائيليين- في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تعرضوا للهجوم مرات عدة، وأحيانا بوحشية، من قبل المستوطنين الإسرائيليين، وأحيانا من قبل الجنود وقوات الشرطة الإسرائيلية، ولكننا لا نقابل العنف بالعنف.

سفينة بلا سلاح

ربما كان هناك بالفعل متشددون على متن السفينة، كما تزعم الحكومة الإسرائيلية. ولكن هذه ليست النقطة المهمة. تلك السفن كانت تحمل أدوية، ومقاعد متحركة للمعاقين، وإسمنتا، وأغراضا أخرى كان سكان غزة في حاجة ماسة إليها، لكنها لم تكن تحمل أسلحة.

ورغم الحجج الملتوية التي ساقها الناطقون باسم الحكومة الإسرائيلية، بمن فيهم سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، مايكل أورين، فان القرار بشن هجوم عسكري على القافلة البحرية ، ومع التخفيف، لا يمكن الدفاع عنه، أو تبريره من وجهة نظر أخلاقية.

الأكثر من ذلك، وبعيدا عن الاعتبارات الأخلاقية التي، على العكس من الرأي العام في إسرائيل- هي حاسمة عند إجراء أي حسابات ذات جدوى، فان الأضرار التي لحقت بمصالح إسرائيل على المدى البعيد، وخاصة علاقاتها الإستراتيجية مع تركيا، واضحة أمام الجميع.

كما أنه لا قيمة لما طرحه الوزير الإسرائيلي زووي هوسير خلال الاجتماع الوزاري الطارئ الذي اتخذ القرار، من اقتراح السماح للقافلة بالمرور، كما تم بالفعل من قبل مرات عدة، أشهرها قافلة غزة الحرة الأولى في أغسطس 2008، التي كان على متنها داعية السلام الإسرائيلي المعروف جيف هالبر، والذي تم اعتقاله فور عبوره من غزة إلى إسرائيل.

لم يستمع أحد لصوت هوسير، وصوت الوزراء بالإجماع، لمصلحة شن الهجوم على السفينة. كان الإجماع ساحقا، بما يدفع للاعتقاد بأن من يحكمون إسرائيل ليسوا فقط غير أكفاء، ولكنهم في عزلة عن العالم الواقعي. الأمر الأكثر إثارة للخوف هو أن نسبة كبيرة من الناخبين الإسرائيليين متأثرين بهذا الخداع الحكومي الإسرائيلي.

استمتاع بالقمع

ما حدث في المياه المفتوحة يوم 31 مايو لم يكن خطأ تقنيا، أو فشلا بسيطا في تنفيذ العملية، كما قد يحلو للكثير من الإسرائيليين أن يتصوروا الموقف، كما أنه لم يكن من توابع العجز الواضح في أروقة صناع القرار الإسرائيليين والفشل في التفريق بين الأهداف الغامضة أو السطحية، والأهداف الأصيلة، التي تحقق مصالح إسرائيل ؟

وعملية صد قافلة تحمل عددا من المقاعد المخصصة للمعاقين لم تكن بدورها تحقق مصالح إسرائيل. على العكس من ذلك يظهر ما حدث، بشكل واضح للغاية، النظرة الضيقة الشريرة للصهيونية المقرونة بالاستمتاع بالقمع، الذي ليس له حدود.

ليس سرا أن حصار غزة غير فعال. التجارة المنتعشة عبر الأنفاق بين غزة وصحراء سيناء المصرية تزود سكان غزة بكل ما يحتاجونه، ويستطيعون دفع ثمنه بما في ذلك الصواريخ والأسلحة الأخرى التي تصل إلى حكومة حماس والجماعات الأخرى المتشددة. ولكن ليس باستطاعة الكل أن يدفعوا لشراء ما تأتي به الأنفاق.

ويعاني سكان غزة، التي تعد واحدة من أكبر الكثافات السكانية في العالم، الفقراء من نقص حاد في مواد بعينها، منها بخاصة مواد البناء، مثل الزجاج والأسمنت، وبالطبع من الدمار الواسع الذي خلفته عملية «الرصاص المسكوب» الإسرائيلية في ديسمبر 2008 ويناير 2009.

إسرائيل عاقبت نفسها

كان الهدف من الحصار هو معاقبة حكومة حماس، وحسب أكثر السيناريوهات الإسرائيلية إسقاطها، أو ربما إقناعها بإطلاق سراح الجندي الاسرائيلي المخطوف جلعاد شاليط. لكن تأثيرها الرئيسي حتى الآن كان عزل ومعاقبة من فرضوا الحصار، وليس المحاصرين.

لماذا إذن إبقاء الحصار؟ لماذا يتم تحويل قافلة مسالمة إلى تهديد وجود، وهو ما دأب رئيس الوزراء وناطقون باسم الحكومة الإسرائيلية على تأكيده؟

أحسب أن العمى (السياسي) يضرب بجذوره أبعد من ذلك. نحن نشهد علامات لاشك فيها على «فشل أنظمة متعدد»، هو نتيجة مباشرة، حسبما أرى، لأربعة عقود من الاحتلال. طبيعة النظام السياسي والاجتماعي ومستقبل إسرائيل برمته في خطر. كما أن خطر الانزلاق إلى نظام قمعي، تديره قوات أمن سرية، كبير جدا.

من المهم أن نفهم نطاق التغيير الذي طرأ على إسرائيل، منذ تولي الحكومة الحالية السلطة في ربيع 2009. يترأس نتانياهو حكومة مؤلفة، في معظمها، من مستوطنين ومؤيديهم في الجناح اليميني المتشدد.

وتقوم سياستهم إزاء فلسطين والفلسطينيين على اتجاهين. الأول إطالة أمد الاحتلال قدر الإمكان، بهدف أساسي هو ابتلاع أكبر قدر من الأراضي الفلسطينية وضمها إلى إسرائيل، وهو ما نراه يطبق بالحرف ويوما بيوم في الضفة الغربية. والثاني هو السيطرة على المواطنين الفلسطينيين بوضعهم وراء حواجز وفي جيوب معزولة. وإذا استمر الوضع السياسي بالتدهور فربما لا تصبح غزة حالة فريدة.

الحل الأمثل

حتى الآن، يبدو أن أفضل حل لمشكلة حكم حماس في غزة هو إبرام اتفاق مع القيادة المعتدلة، والمسؤولة، والفاعلة بدرجة متزايدة، في رام الله. مثل هذا الاتفاق الذي يجب أن يقوم على انسحاب إسرائيل على الخط الأخضر وإخلاء المستوطنات قد يضع نهاية لمؤسسة الاحتلال الواضحة في الضفة الغربية، المتعارضة مع أسس القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. وتشير الدراسات إلى أن مثل هذا الاتفاق يحظى بقبول معظم الفلسطينيين في الضفة وغزة وهو ما سيقوض محاولات حماس لمد نفوذها على الضفة.

بدلا من ذلك، يفضل اليمين الإسرائيلي التورط في أعمال عنف عقيمة، مثل الاعتداء على السفينة مرمرة. أصدقاء إسرائيل القلائل الباقين في العالم يرون بوضوح أن الحصار يأتي بنتائج عكسية، ويجب إنهاؤه. وبعد لقائه الرئيس محمود عباس أخيرا اقترح الرئيس الأميركي باراك أوباما انهاء الحصار ورفعه عن كل شيء باستثناء الأسلحة.

الوقت ينفد بسرعة، وربما يكون قد فات بالفعل وقت التوصل إلى حل يقوم على التقسيم. ولكن يظهر من وقت لآخر، أن هناك بعضا من وميض أمل. فقد عبرت شخصيات إسرائيلية أخيرا عن اقتراحات للتوصل إلى حلول من بينها، مقال لوزير الحرب الإسرائيلي الأسبق موشيه أرينز قال فيه إن الانسحاب من الضفة وإخلاء المستوطنات أمر يمكن تصوره. كما وردت تقارير عن استعداد مجموعات صغيرة من المستوطنين الذين ابدوا استعدادا للتعايش مع الفلسطينيين واقروا بان الوضع الحالي لا يطاق.

بقلم: ديفيد شولمان- ترجمة: عصام بيومي