تتابع انبلاج فجر الحضارة الزاهرة والثقافة المستنيرة التي شهدها المجتمع العربي المسلم مع قيام الدولة العباسية التي أصبحت عاصمتها منذ منتصف القرن الثامن الميلادي منارة تفاعلت في بوتقتها عناصر ومواهب تنتمي لشتى الأعراق والأقطار والأديان والثقافات، وتفرعت عنها مراكز متعددة على امتداد الشرق والغرب.
وعمدت إلى إبداع وتطوير أول عنصر تقوم عليه أي حضارة زاهرة وهو صناعة الورق من أجل الكتاب في وقت كانت أوروبا فيه مازالت محصورة في استخدام جلود الحيوان.وتنقسم أبواب الكتاب حسب مواقيت الشعائر الإسلامية إلى فجر بدأت تباشيره مع تأسيس مدينة بغداد لتكون عاصمة للثقافة والحضارة على مستوى عالم القرن الثامن للميلاد، ثم منتصف النهار أو ظُهر الإسلام الذي شهد تطور هذا النزوع الحضاري. ولاسيما في مجالات الطب والرياضيات والعلوم الطبيعية إلى حلول وقت العصر الذي اكتمل فيه نضج هذه الحضارة كي تفرز عددا من أهم الفلاسفة والمفكرين، الذين تناهت إليهم مواريث الفكر لدى اليونان والرومان فكان أن شرحوها وانتقدوها وأثروها بالدروس والتعليقات، إلى أن ينتهي الكتاب بمرحلة المغرب التي شهدت غروب هذه الحضارة وخاصة على يد جحافل الغزو الأوروبي الاستعماري.
حين يقلب القارئ الحاذق صفحات هذا الكتاب لن يشعر بأنه يتدارس موضوعا بالغ الأهمية فحسب، بقدر ما أنه يتابع قصة ملحمية أجاد فيها مؤلف الكتاب الجمع بين أسلوب السرد العلمي للوقائع والأحداث، وبين أسلوب العرض الدرامي الذي أضفى على موضوعه لمسة نابضة بالحيوية، خاصة والكتاب يتناول قضية بالغة الأهمية يلخصها عنوانه الفرعي في السؤال البلاغي التالي: كيف استطاع العرب أن يغيروا حضارة الغرب؟
ويكاد هذا السؤال أن يرادف عنوانا آخر لكتاب ظَهَر إلى النور منذ نحو 45 عاما، وأحدث بظهوره دويا إيجابيا بالغ الاحترام. وقد أصدرته المستشرقة الألمانية الشهيرة الدكتورة زيغريد هونكة وحمل العنوان التالي:
«شمس العرب تشرق على الغرب»، أو «فضل العرب على أوروبا». إذن فنحن نتعامل مع الكتاب الذي بين أيدينا مع ذلك الفصيل المستنير من كتابات العلماء المنصفين المنتمين، بحكم النشأة، إلى حضارة الغرب وثقافته، والمنصفين بحكم موضوعية المنهج العلمي الأمين مع الحق والحقيقة بعيدا عن شبهة التحيز أو آفة التعصب أو التحامل الجائر على منجزات العرب وأمجاد المسلمين.
إنجازات إسلامية عربية
لعل آخر ما سبق صدوره في هذا المضمار من الإنصاف العلمي كتاب عمره الآن سنتان بعنوان: «تاريخ ضائع» وقد تابع فيه مؤلفه الكاتب الصحافي «مايكل هاملتون مورجان» هذه الانجازات التي صدرت عن روح الإسلام، ودعوته إلى التعلم والتفكر والتغيير لما فيه مصلحة الخلق وعمران الأكوان، ومن ثم اتخذت هذه المنجزات لغة العرب الشريفة لسانا لها وتعبيرا عن نهجها وتجسيدا حيا لما أسدته إلى الحضارة الإنسانية من أياد بيضاء في ميادين شتى: ما بين الطب إلى الكيمياء وما بين الكشف الجغرافي إلى علوم المنطق والفلسفة وعلم التاريخ.
وحين نشرع في تقليب صفحات كتابنا، يطالعنا للوهلة الأولى منهج المؤلف الذي شاء فيه أن يعبر عن فهمه واحترامه لديانة المسلمين. وهو يقسم فصول الكتاب مستخدما مصطلح صلوات المسلم عبر مواقيتها المختلفة: الفجر إلى الظهر، العصر، ثم المغرب إلى العشاء.
بيد أن المؤلف شاء أن يبدأ موضوعه من وقت العشاء حيث يتناول في الفصل الأول من الكتاب مرحلة تأسيسية ومؤلمة في تاريخ العرب والمسلمين هي حقبة الحروب الصليبية. لذلك سنعمد في عرضنا لمادة الكتاب وأطروحاته إلى أن نبدأ مع الباب الثاني وعنوانه كما يلي: الفجر.
يقع هذا الباب في فصلين أولهما بعنوان: «بيت الحكمة» وهو العنوان الرئيسي على غلاف الكتاب. أما الفصل الثاني من الباب المذكور فيحمل العنوان التالي: رسم خارطة العالم. ومن هنا نبدأ.
خيوط النور التي أشرقت بها حضارة إسلامية كانت فتيّة، مفعمة صاعدة.. يؤرخ لها مؤلف الكتاب في يوم محدد من أيام القرن الثامن للميلاد. 30 يوليو عام 762 ميلادية. في صبيحة ذلك اليوم صدر الأمر من بلاط الخليفة العباسي «أبو جعفر المنصور» إلى مهندسيه المعماريين بوضع حجر الأساس لمدينة جديدة حملت اسم «بغداد» وارتبط بها لقب آخر هو «دار السلام».
الانهيار الأموي
يواصل المؤلف موضحا أنه قبل هذا التاريخ بنحو 12 سنة فقط استطاعت قوات العباسيين أن تنهي حكم الدولة الأموية. ولم ينج من حكامها سوى شخص واحد هو «عبد الرحمن» الذي لجأ إلى منطقة المغرب الأقصى من الشمال الافريقي، ثم كان له فضل إنشاء خلافة مجيدة باذخة في جنوبي اسبانيا كانت بمثابة المهاد الأكبر لحضارة عربية إسلامية سادت وازدهرت في تلك الربوع الأندلسية على مدار قرون عدّة من عمر الزمان.
يقول مؤلف الكتاب: قبل فترة ليست بالوجيزة من انتصار دولة العباسيين في عام 750 للميلاد، كانت جيوش الإسلام قد نجحت في انتهاج السبيل الذي سبق أن سار فيه الفاتح المقدوني الأشهر الإسكندر الأكبر قبل ألف سنة، حيث وصلت طلائع المسلمين إلى أقاليم أفغانستان وأراضي الهند وتخوم الصين.
حتى حدود الصين
على الجانب الآخر جاءت فتوحات المسلمين العرب في المناطق التي كانت تسيطر عليها دولة الروم البيزنطية. وكان معنى هذه الفتوحات التي امتدت من آسيا الصغرى وسوريا الكبرى وضفاف المتوسط وتوغلت جهة الشرق إلى حدود الصين.. أن دخل في عقيدة الإسلام وانضم إلى مواطني الدولة الإمبراطورية العباسية أجيال وأفواج كانت تنتمي إلى شعوب وعقائد وطوائف وأديان وحضارات وثقافات شتى.
هنا يقف مؤلفنا بقدر من التأمل والتركيز عند التحولات التي حدثت في شرقي البحر المتوسط يقول: المناطق التي تخلصت من قبضة البيزنطيين شكلت ملجآ آمنا لعناصر من سكان سوريا، كانوا يدينون بالمسيحية وضمت حشودهم اليعاقبة والنساطرة وأتباع مذاهب نصرانية أخرى ممن بدأوا منذ القرنين السابع والثامن للميلاد يفرّون من القسطنطينية عاصمة إمبراطورية الروم الشرقية للنجاة بعقائدهم ومذاهبهم من سطوة حكام بيزنطة الذين فرضوا عليهم مذهب الدولة تحت سيف القهر والاضطهاد.
من هنا يضيف الكتاب بالحرف الواحد: هكذا وجد العلماء المسيحيون أنفسهم أحرارا في إعادة الاستكشاف ومعاودة النظر بعمق واطمئنان في التراث الكلاسيكي (يقصد ميراث الحضارة عند اليونان والرومان) فيما كان هؤلاء العلماء والدارسون يستظلون بظلال حماية المسلمين.
وهكذا نمت وازدهرت وسط هذه البيئة من التسامح والتعايش والحرية مراكز زاهرة في المنطقة ما بين جنديسابور إلى حرّان وما بين مرو إلى بغداد عبر اختلاف البيئات والأقطار، وهذا ما أتاح للعباسيين مصدرا شاملا وهائلا لا يستهان به من المهارات اللغوية، في جذورها الأصلية ومن المواهب والإبداعات العلمية والفكرية ومن المعارف الثقافية التي امتدت واتسعت بغير حدود.
بين الفتح والغزو
هنا لا يصح أن يطلق المؤرخون على هذا المد الذي قاده المسلمون بأنه كان غزوا بقدر ما كان فتحا من الفتوحات المشهودة التي أضافت بثراء عميم إلى حضارة الإنسان:
إن الغزو يرادف العنف والتدمير، والفتح يرادف بناء الحضارة وتهيئة السبل أمام التجديد والكشف والازدهار. يعلق المؤلف قائلا: جاءت فتوحات المسلمين وبناء الإمبراطورية (الخلافة) الإسلامية لكي تستعيد الوشائج التي كانت تربط فيما بين المراكز التاريخية للحضارات العريقة التي سبقت على مر الزمان.
وتم ذلك على رقعة مترامية الأطراف من مساحة الكرة الأرضية، فكان أن أدى ذلك إلى إيجاد بوتقة انصهار هائلة هيأت سبل التفاعل والتمازج بين الأنساق الثقافية والمواريث الحضارية التي طالما ظلت متباعدة إن لم تكن متنافرة عن بعضها البعض، على مدار قرون سبقت، وبفعل الانقسامات (والصراعات) السياسية.
تلك هي البوتقة التي ضمت ـ كما يوضح المؤلف ـ تفاعل التيارات الهيلينية ذات الجذور الإغريقية العريقة من مدينة الإسكندرية، من ناحية، إلى تراث السومريين في بلاد الرافدين، فضلا عن حضارة الفرس وحكمة الهند، من الناحية الأخرى. كما شهدت هذه التفاعلات مشاركة عناصر وعقائد شتى.
صناعة الورق
كان لابد أن يفضي هذا النشاط التاريخي إلى نتائج يمكن وصفها بأنها باهرة أو تاريخية بدورها، كيف لا وقد أدت بوتقة التفاعل في ظل الإمبراطورية الإسلامية إلى تمكن المسلمين من التعلم وتطوير إمكانات جوهرية في حقل المعرفة ومضمار الفكر والإبداع والحضارة الإنسانية على السواء: إنها تكنولوجيا صناعة الورق.
تعلمتها العناصر المسلمة من أهل الصين، وكانت، كما يؤكد كتابنا، عنصرا هائلا من العناصر التي ساعدت على ولادة وتطور ونضوج مشروع الثقافة الثرية الواسعة النطاق، الذي شهد ولادته البلاط العباسي في تلك الفترة من حياة وحضارة المسلمين. هنا يروي الكتاب أصل حكاية اكتشاف وتعلّم صناعة الورق على النحو التالي.
في عام 751 استطاعت جيوش المسلمين أن تلحق الهزيمة بقوات أسرة «تانغ» الحاكمة التي كانت تسيطر على غربي الصين. ومن أسرى هذه المعارك كان ثمة صانع ماهر نبغ في صناعة الورق الصالح للكتابة فكان أن عكف على تعليم الناس في سمرقند أصول إنتاج هذا الورق من خلال تصنيعه من مادتي الكتاّن والقنّب.
ويحسن المؤلف حين يضيف، من باب الاحتراز العلمي الجدير بأي باحث رصين، موضحا أن الحكاية قد تكون مختلطة بلمسات من خيال الفولكلور، ولكنها لا تنكر بحال من الأحوال أن تكنولوجيا صناعة الورق قد تدفقت أو حتى تسربت من الصين وأقطار وسط آسيا إلى حيث وصلت إلى أيدي العرب المسلمين خلال سنوات ازدهار الدولة العباسية.
أما نتائجها فكانت تتمثل، كما يؤكد المؤلف، في التوصل إلى وسيلة زهيدة التكلفة ومتينة ومريحة لتدوين المعلومات من شتى الأنماط. ما بين كشوف الخراج (الضرائب ـ المكوس)، وحتى قصائد العاشقين، وما بين رسائل الفلاسفة المفعمة بالحكمة، إلى جداول الفلكيين التي ترصد مسارات المجّرة وأبراج النجوم.
وزاد على ذلك أن صناعة الورق وصلت إلى أصقاع العالم وأرجاء أخرى من مناطق مسلمي ذلك الزمان في سوريا واليمن وشمال افريقيا ثم الأندلس، حيث تخصصت مدن بعينها في صناعة رقائق فاخرة من الورق المصقول.
ويضيف كاتبنا قائلا في السياق نفسه: شهد عام 795 أول حديث عن إنشاء مصنع لإنتاج الورق في بغداد، وبعدها ظلت حاضرة العباسيين تفخر بأنها كانت تحوي «بازار» للأدوات الكتابية حمل اسم سوق الوراقين الذي اشتهرت منتجاته من أفخر أنواع الورق الذي ذاع صيته عبر عواصم وبلدان شتى لدرجة أن أطلقت عليه المصادر اليونانية البيزنطية مصطلح «بغداتكسيون» نسبة إلى بغداد ومصانعها.
أوروبا وجلد الحيوان
هنا يعمد المؤلف إلى إلقاء نظرة فاحصة على أحوال أوروبا التي عاصرت تلك الفترة من الازدهار الذي شهده عالم العرب والمسلمين. يقول ان أوروبا ـ المسيحية آنذاك كانت تعتمد في كتاباتها على نسْخ الكتب أو الخرائط مستخدمة جلود الحيوانات التي كانت تسلخها وتشدها وتنظفها وتكشطها ثم تنشرها في الشمس حتى تجف توطئة لاستخدامها في أغراض الاستنساخ.
وكانت تلك عملية شاقة بكل معنى الكلمة، كما يصفها المؤلف، فضلا عن صعوبة الحفظ أو الاطلاع أو التخزين. لم يكن غريبا والحالة هذه أن تحتل الكتب مكانة فريدة في الحياة العربية الإسلامية، خاصة وأن ديانة المسلمين، كما يضيف المؤلف، تشجع على الدرس والعلم واستخدام العقل واكتشاف آلاء الكون.
في هذا الإطار كان طبيعيا كذلك أن تنبغ طائفة من الخطاطين الذين حولوا عملية نسخ الحروف إلى فن رفيع قائم بذاته، ومن ثم كانت الصناعة المزدهرة تضم صانعي الورق وفناني الخطوط العربية ومحترفي تجليد الكتب بعد انتاجها، وهي صناعة نمت وتطورت جنبا إلى جنب، كما يقول كتابنا، مع جهود البحث والدرس والتأليف والترجمة. مع هذا فقد كان للحكاية جانبها السلبي، وهو جانب طريف بقدر ما يرتبط بالضعف، أو حتى بالطمع الإنساني وكلاهما يشكل جزءا من واقع الحياة على كل حال.
يقول المؤلف: كانت الكتب غالية الثمن، وكانت النسخ القليلة الصادرة منها من إبداع فناني الخط المنسوخ لا يستطيع اقتناءها سوى صفوة المجتمع وكبار الأثرياء..
من هنا لم تكن عمليات المغالاة في السعر بل وحتى تزييف النسخ الصادرة بعيدة عن مجتمع المثقفين والقارئين. وكان المؤلفون يجدون أنفسهم تحت رحمة الخطاطين الذين كان الواحد منهم يبالغ في رفع أجره قبل أن يسلم نسخة أو نسخ الكتاب المرتقب كاملة إلى أيدي هذه الصفوة من أهل العلم، والراغبين في الاطلاع والمعرفة.
الحلقة: ( 1)
الكتاب: بيت الحكمة: فضل العرب على حضارة الغرب
تأليف: جوناثان ليونز
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: بلومز بري برس ـ نيويورك
عدد الصفحات: 246

