يؤكد مشهد مفتش الأسلحة، التابع للأمم المتحدة سابقا، هانز بليكس، وهو يلقي الخطب الحماسية جيئة وذهابا أمام لجنة تشيلكوت للتحقيق في أبعاد مشاركة بريطانيا في حرب العراق، أخيرا، أنه بطل الثرثرة.
فقد هاجم بليكس رغبة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير والرئيس الأميركي السابق جورج بوش، «المزودة بوقود هرمون الرجولة»، لسحق نظام صدام حسين، ليرسخ صورته كمخادع هادئ ومحارب زائف من أجل الفضيلة، الذي حاول بمفرده أن يمنع الحرب، بالإشارة إلى أن صدام لم يكن يملك أسلحة دمار شامل.
ولكن محاولته فاشلة حقا. هذه محاولة لإعادة كتابة التاريخ على نطاق كان من الممكن أن يفخر به حتى جوزيف ستالين الزعيم السوفيتي الأسبق. بليكس ومفتشو الأسلحة الآخرون التابعون للأمم المتحدة مهدوا الطريق في الواقع لقصف من وصفوهم صراحة ب«السفلة» و«الساقطين أخلاقيا» في العراق.
النقد الغائب
وقد قامت وسائل الإعلام بالتربيت على ظهر بليكس، من دون توجيه أي نقد إليه، بعد تصريحاته الغاضبة أمام لجنة تشيلكوت. إحدى القنوات الإعلامية قالت بقوة عن بليكس:«هذا المحامي الدولي المعروف وجه ضربات موجعة إلى توني بلير.» ويمتدح بليكس الآن لأنه ابلغ تشيلكوت بأنه رغم إجراء ست عمليات تفتيش في اليوم، في قرابة 700 موقع في العراق، في العام 2002 وأوائل العام 2003، فانه وفريقه لم يجدوا شيئا يمكن اعتباره انتهاكا واضحا لقرارات الأمم المتحدة بشان أسلحة العراق، (أهمية هذا الكلام ؟ شبه معدومة - وهو ما سيتضح لاحقا).
في الحقيقة، فان مفتشي الأمم المتحدة قد مهدوا الطريق للحرب على العراق. وكانوا يجوبون العراق طولا وعرضا، منذ أواسط التسعينيات، ليقوموا فعليا بدور الجواسيس نيابة عن المجتمع الدولي، في أعقاب حرب العراق المدمرة.
ورغم ذلكن وفي العام 1998، وبينما كان الرئيس الأميركي آنذاك بيل كلينتون وبلير يجهزان آخر مغامرة قصف جوي للعراق في إطار عملية ثعلب الصحراء، كان على المفتشين أن يغادروا الأراضي العراقية. وقد عاد المفتشون إلى العراق في العام 2002، خلال فترة الإعداد لحرب الخليج الثانية في مارس 2003.
ومرة أخرى عادوا إلى سلوكهم المعتاد في اقتحام المواقع من دون استئذان، في الأراضي العراقية، مزودين بسلطة غير عادية تمثلت في التهديد بإعطاء الضوء الأخضر لقصف العراق، في أي وقت، إذا تجرأت بغداد على تطوير أسلحة محظورة بمقتضى قرارات الأمم المتحدة.
وفي هذه الفترة من منتصف التسعينات إلى 2003، أثار المفتشون الشكوك، الواحد تلو الآخر، بشأن «البعثيين»، الطبقة الحاكمة في العراق آنذاك، واصفين إياهم بأنهم«ساقطون أخلاقيا» يتملكون زمام دولة مارقة خطيرة للغاية، ومتهمين إياهم أيضا بمحاولة تطوير برامج أسلحة كيميائية وبيولوجية مثل الطاعون والجمرة الخبيثة والجدري، وغيرها. لقد ضغط بوش وبلير على الزناد في مارس 2003، نعم، لكن من جهز المدفع للإطلاق كانوا هم المفتشون.
السنوات المظلمة
الفترة بين العامين 1998، عندما غادر المفتشون العراق، و2002، عندما عادوا إليه تحت رئاسة بليكس، يشار إليها في دوائر التفتيش عن الأسلحة باسم «السنوات المظلمة».
خلال تلك الفترة حاول المفتشون، الذين كانوا يشعرون بالمرارة لاضطرارهم إلى ترك وظائفهم المهمة للغاية والمشابهة لوضع المستعمرين في العراق، حاولوا باستماتة إقناع العالم بأن صدام كان لا يزال يمثل تهديدا يجب تحييده. لقد قاموا بإلقاء الخطب، وساهموا في تأليف كتب ومقالات بالصحف حول برامج أسلحة العراق المزعومة.
بعضهم ساعد كلا من توم مانغولد وجيف غولدبيرغ في تأليف كتابهما «حروب الطاعون: قصة حقيقية عن الحرب البيولوجية»، والذي نشر في العام 1999 وأعيد إصداره في العام 2000.
يصف هذا الكتاب العراق بأنه«واحدة من أكثر الدول المارقة في العالم خطورة.» وبأنه«مكان محتمل لحدوث أول حرب بيولوجية في الألفية الجديدة.» البريطاني ديفيد كيلي، خبير سابق بوزارة الدفاع، انتحر في يوليو 2003 بعد أن انكشف أنه كان هو المصدر الذي تزودت منه شبكة«بي بي سي» بمعلومات بثتها عن أن حكومة حزب العمال بقيادة بلير لفقت ملفاتها عن العراق. كان كيلي دائما في طليعة مثيري الرعب من العراق، خلال تلك السنوات المظلمة.
لقد قام بزيارة العراق 37 مرة بوصفه مفتشا عن الأسلحة. وقد أخبر مانغولد وغولدبيرغ بان العراق كان يعمل على تطوير«ثلاثة برامج أسلحة بيوليوجية فيروسية، هي جدري الجمال، وفيروسات الروتا والتهاب الملتحمة النزفي»، واصفا الأخير بأنه فيروس صغير فتاك لا يمكن تدميره وبالإمكان رشه على الملابس والجلد. كما كان هناك أخرون مثل كيلي، منهم مفتش أسلحة آخر اسمه هاشم كليب. وحتى عندما وصلت أنباء إلى مساعدي بوش في 2001 بأن صدام خفف برامج أسلحته، واصل المفتشون الحديث عن خطر صدام.
بقلم - بريندان أونيل
