في خريف العام 2003، وبعد ستة أشهر على حرب العراق، عندما كان الرأي العام لا يزال مؤيدا بدرجة كبيرة للحرب، كنت ألقي كلمة أمام اجتماع لكبار قادة الجيش البريطاني. زيارتي كانت جزءا من جولة للترويج لكتابي«حروب بلير». واحتراما لجمهور الحاضرين، قررت أن اخفف حدة كلامي عن أن توني بلير قد أقحم القوات البريطانية في الحرب، بناء على نظرة سطحية ومتغطرسة إزاء السياسة الخارجية.

وفي نهاية محاضرتي، كان التصفيق فاترا للغاية، وبشكل مثير للحرج. خشيت أنني قد تجاوزت الحدود، رغم احتراسي المسبق. بعد ذلك داهمتني التساؤلات، ثقيلة وسريعة. ألم آخذ في اعتباري أن الجيش لم يكن مستعدا بشكل يرثى له؟ أي الأمرين كنت أصدق: أن رئيس الوزراء قد كذب، أو أنه فقط تجاوز في استخدام الأدلة؟

لقد ارتكبت الخطأ الأقل خطورة باعتقادي أن كبار ضباط الجيش أيدوا مشروع الحرب. كان يجب أن أتزود بمعلومات أفضل. كان هناك خليط من الغضب والازدراء، وهم يرون في زعيمهم رجلا ضعيفا في مواجهة إدارة أميركية متشددة، واستخدم الجيش للاستعراض على الساحة العالمية. لكن الانتقادات التي وجهت إلى بلير ومن كانوا حوله، خرجت في شكل مؤسسي تقليدي، إذ أنها لا يطلع عليها العامة ويمكن تفنيدها.

تجارب مثل هذه ساعدتني في تكوين فكرتي عن البرلمان، وأنا أتابع التحقيقات التي أجريت بشان العراق في السنوات الأخيرة. بالتوازي مع التحقيقات البرلمانية التي كان يجريها برلمانيون، بلا أمل، حيث أنها كانت فوق طاقتهم، كانت هناك عملية تبرئة هوتون، والفرصة الضائعة المتمثلة في تحقيقات باتلر، التي طلب مني أن أقدم أدلتي أمامها.

ادلة واضحة

في كل حالة، كانت الأدلة تُبسط ليراها الجميع. ظهرت رواية مقنعة عن أن رئيس الوزراء كان تحت ضغط حرصه على ألا يصبح مطوقا من جانب المعارضة المحافظة من ناحية، وضغط رغبته بالحفاظ على العلاقة مع«معلمه» في البيت الأبيض، من ناحية أخرى.

كانت تعليمات بلير إلى مستشاريه، في الجيش، وقادة الأجهزة الأمنية، والدبلوماسيين هي أن يفعلوا أي شيء حتى لا يتخلص صدام من المصيدة. إذا كان ذلك يعني التلاعب بالأدلة، أو تضخيم التهديدات والتجهيز للحرب، وسط الإصرار حتى وقت متأخر أمام القوات المسلحة، على أنه ليس هناك أي خطط من هذا القبيل، فليكن الأمر كذلك.

كنا نعلم منذ فترة طويلة أن بلير ألزم نفسه بالمشاركة في تحركات بوش العسكرية، خلال لقاء بينهما في المنتجع الرئاسي الأميركي في كراوفورد بولاية تكساس في إبريل 2002. ونعلم منذ فترة طويلة أيضا إلى أي مدى فعل المدعي العام لورد غولد سميث ما كان يتوجب عليه فعله، قبل أن يعيد حساباته، ويحذف تحفظاته إزاء شرعية الحرب. إلى ذلك يظهر أن الحجة الرئيسية فيما يتعلق بحرب بلير ضعيفة للغاية: هل تبرر رغبات الإنسان وسائله المخادعة الواعية وغير الواعية؟

تخريب منذ البداية

تحقيقات لجنة تشيلكوت، التي تصادف مناسبة مرور عام على بدئها هذه الأيام، خُربت منذ البداية. لم يكن هدفها هو تحديد المسؤولية. الكل أدرك من البداية أن بلير سيخرج من القضية بلا أي عقاب.

وكان من المؤسف حقا أن نرى الكثير من الذين إما شجعوا بلير على الحرب، أو عضوا شفاههم ومطوها أمامهم- مثل أعضاء الصف الأول من حزب المحافظين، وعدد كبير من المتنافسين على قيادة حزب العمال، وكثير من المسؤولين في أجهزة الاستخبارات إم آي-5 وإم آي-6، وفي وزارة الخارجية، والقوات المسلحة، وغيرهم كثير- يهزأون الآن من بلير لاتخاذه تلك القرارات.

رئيس الوزراء الذي خلف بلير في منصبه غوردون براون شجع على إجراء جلسات استماع لإظهار عدم ارتياحه لما حدث في عهد بلير، لكنه وأينما ذهب بعد ذلك لم يكن يخرج عن الخط العام، حتى في شهادته أمام لجنة تشيلكوت.

ما فعله تشيلكوت للآن هو إجراء برلماني بحت، وهو الاحتفال باكتمال رسم صورة حرب العراق، بينما لم يمس أيا من المشاركين فيها بسوء. ملابسات تحقيق لجنة تشيلكوت في حرب العراق ستقدم للمؤرخين مادة دسمة. لكن الآن، وحالا، فانها ستؤدي إلى تغييرات كبيرة في طريقة عمل البرلمان. وبشكل أو بآخر فقد حدث ذلك.

بقلم - جون كامفنر - ترجمة: عصام بيومي