تؤدي الحدود المرسومة بشكل دقيق إلى منع الخلافات السياسية بين الدول، وهذا ما لم يحدث بين إسرائيل ولبنان، فالحدود لم يتم ترسيمها بين البلدين وهذا ما أدى إلى الاعتداء الأخير الذي قامت به إسرائيل على لبنان، وأسفر عن مقتل ثلاثة جنود لبنانيين وضابط إسرائيلي وصحافي لبناني.
عندما انسحبت إسرائيل من جنوبي لبنان عام 2000، اضطرت بسبب التضاريس على الأرض وبسبب الدواعي الأمنية لنصب السياج الحدودي على عجل، ثم عادت لتدعي أن هذا أفقدها جزءاً من الأرض لصالح لبنان، ونظراً لأن مساحة تلك الأرض المفقودة، بحسب الإدعاء الإسرائيلي، ضئيلة للغاية، فالمنطق يشير إلى أن إسرائيل عليها أن تتجاهل تلك النقطة، غير أنها تثور بين آن وآخر.
ويشير آموس هاريل، الكاتب في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، إلى أنه منذ حرب 2006، فإن إسرائيل تسعى لضم تلك الجيوب وفرض السيطرة عليها من جديد، وهذا يعني المزيد من التوتر والمشكلات في المنطقة، وتدعي إسرائيل أن حاجتها لتلك القطع الصغيرة من الأرض تكمن في رغبتها في قطع الأشجار، التي من الممكن أن تحجب الرؤية عن الجنود الإسرائيليين العاملين على طول تلك الحدود، أو أن تشكل غطاء لعناصر حزب الله.
لهذا يعمد الإسرائيليون بين فترة وأخرى إلى عبور السياج الحدودي المتنازع عليه، لكي يقطعوا الأشجار وخلافه، وأدى عبورهم الأخير إلى الاشتباك بين الطرفين. لو كانت هناك اتفاقية حدود واضحة بين البلدين لما حصل ذلك الاشتباك، حيث كان من الممكن لتلك الاتفاقية أن تتضمن بنداً ينص على أنه ينبغي عدم زراعة الأشجار والشجيرات ضمن مسافة 500 متر على كلا الجانبين من الحدود، وأن يتم هذا بإشراف مباشر من الأمم المتحدة.
إذ استدعى الأمر، لكن المشكلة تكمن في أن إسرائيل انسحبت عام 2000 مضطرة، ولم يتم ذلك بناء على اتفاقية محددة بين البلدين، ويرى المحللون الغربيون أن ذلك الانسحاب الإسرائيلي من جنوبي لبنان من دون اتفاقية واضحة كان خطوة غبية من جانبهم، فبالإضافة إلى أنه كان بمثابة النصر لحزب الله، فقد شكل توترات حدودية مزمنة بين البلدين، كما يرى المحللون أنفسهم أن إسرائيل لديها هذه العقلية دوماً، حيث أنها تنزع لعدم توقيع اتفاقيات مع جيرانها بشكل عام.
قد لا يكون الوقت متأخراً جداً على تصحيح الخطأ، وتهدئة الأوضاع بعد 10 سنوات من التوتر الحدودي، لكن الحادث الأخير سيؤثر سلباً على فرص إيجاد حل، على الأقل في المرحلة الراهنة، ولكي تتحقق المصلحة لجميع الأطراف ينبغي أن تكون هناك اتفاقية تضم سوريا أيضاً باعتبارها دولة مهمة في المنطقة، وعلى تلك الاتفاقية أن تتطرق لحل مشكلة مزارع شبعا الشائكة.
في الوقت نفسه نتساءل حول توقيت ذلك الاعتداء الإسرائيلي وما إذا كان مقصوداً في تلك الفترة الحساسة، حيث تترقب لبنان نتائج القرار الظني، الذي سيصدر عن محكمة العدل العليا بشأن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
بالمقابل يرى محللون آخرون أن الحادث الأخير لا يحمل دلالات كبيرة، وأنه مجرد حادث منفصل، ومن هؤلاء تيمور غوكسيل، الاستاذ الجامعي في بيروت، الذي عمل أيضاً في السابق فترة طويلة مع قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في جنوبي لبنان «اليونيفيل»، حيث قال : «الأمر سيظل قيد السيطرة، ما دام بين الجيشين فقط».
وقال ميلوس ستروغر، كبار المستشارين السياسيين في اليونيفيل إن هذا الحادث يعتبر الأخطر منذ عام 2006، حيث أنه شهد أول إصابات في الأرواح من الجانبين منذ انتهاء العمليات الحربية بين الطرفين ذلك العام.
حزب الله أعلن حالة الاستعداد القصوى في بيروت وجنوبي لبنان، لكنه لم يتدخل في اشتباكات «العديسة»، حتى لا يتطور الموقف إلى حرب بين البلدين، واستمرت المناوشات بشكل متقطع لفترة إلى أن تدخل الجنرال «سانتي بونفانتي»، نائب قائد قوات اليونيفيل، وطلب من الطرفين وقف إطلاق النار، حتى يتسنى له الإطلاع عن كثب على موقع الحادث بواسطة طائرة هليكوبتر عسكرية.
وذكر أحد المسؤولين في اليونيفيل أنه كان صعباً على كل من الطرفين التوقف عن إطلاق النار، حتى طلبت قوة حفظ السلام منهما ذلك، وفي الجانب اللبناني فقد استنكر الرئيس اللبناني ميشيل سليمان ورئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري ذلك الاعتداء الإسرائيلي، وقال الحريري في بيان صحافي إن : «المجتمع الدولي يقوم بمسؤولياته، وسيضغط على إسرائيل لردعها عن العدوان».
بقلم: برايان ويتيكر - اعداد قسم الترجمة

