شهدت أيام يوليو الحالي نشاطا ملحوظا في العاصمة الأميركية. بدأ بإقرار الكونجرس بمجلسيه ـ النواب والشيوخ ـ لقانون الإصلاحات المالية الذي ظلت تراهن على إصداره الإدارة الديمقراطية الحالية في مواجهة معارضة بالغة الشراسة من جانب المعارضة الجمهورية.

ويقضي القانون الجديد بتفعيل النظم واللوائح والضوابط التي تؤدي في تصور واضعيه إلى ضبط وترشيد أداء المصارف ومؤسسات التمويل والإقراض وما في حكمها من فعاليات النظم المالية انطلاقا من وعي الدروس المستفادة والمريرة أيضا من حالة الانفلات التي سادت على مدار معظم سنوات النصف الأخير من القرن الماضي، وخاصة في عهد الرئيس الأسبق رونالد ريجان، وتحت الشعار الذي كان أثيرا لدى كل من ريجان في أميركا والسيدة تاتشر في انجلترا، وهو شعار التحرر من اللوائح والتنظيمات وإطلاق العنان، كل العنان للمؤسسات المالية والاقتصادية في مجالات المضاربة بغير حدود والإقراض بغير قيود ولا ضوابط.. وهو ما أفضى في خريف عام 2008 إلى وقوع الأزمة الاقتصادية الخانقة التي مازالت عقابيلها ماثلة ومحسومة في أميركا وفي مواقع شتى من العالم.. وفي كل حال يأتي القانون الاقتصادي الجديد بمثابة انتصار ثان لإدارة أوباما بعد إنجازه الأول ممثلا في قانون التأمين الصحي، وهو ما يعزز موقفه الحزبي في الانتخابات الدعائية المقررة في نوفمبر ـ الشهر المقرر أيضا أن يشهد انعقاد مجموعة العشرين لبحث التطورات الاقتصادية العالمية في زسولس عاصمة كوريا الجنوبية.

رغم أن الزمان سيكون واحدا من حيث الموعد الموقوت وهو شهر نوفمبر القادم.. فإن المكان جدير بأن يتوزع إلى موقعين على خارطة عالمنا. آية ذلك أن سيشهد شهر نوفمبر المقبل انتخابات التجديد البرلمانية في كونجرس الولايات المتحدة.. فيما يشهد الشهر ذاته في مدينة سول ـ عاصمة كوريا الجنوبية انعقاد قمة مجموعة العشرين التي تمثل أكبر وأهم اقتصادات في العالم. والسؤال المطروح هو: * ما الذي يجمع بين المناسبتين؟ ـ هذا الجامع المشترك هو القانون الذي أصدره الكونجرس الأميركي ووّقع عليه، في احتفال مشهود في واشنطن، الرئيس أوباما بتاريخ 21 يوليه الجاري، وسط توقعات بالغة التفاؤل من جانب أركان حزبه الديمقراطي، وفي غمار تحذيرات بالغة التشاؤم من جانب أركان معارضيه في الحزب الجمهوري.

ومحور هذا كله هو ما وصفته الدوائر المعنية بأمور المال وقضايا الاقتصاد بأنه أكبر مراجعة للقوانين المالية تمت في أميركا منذ 70 عاماً.

وبديهي أن هذه الإشارة إلى الأعوام السبعين السابقة تلمح إلى كون القانون الجديد جاء ليشكل أهم إصلاح أو تنقيح أو ترشيد لمسيرة الأداء المالي في أميركا.. وهي بديهيا تجسد نموذجا في السلوك الاقتصادي لأطراف شتى من عالمنا ـ منذ أزمة أو فلنقل منذ الكساد الكبير الذي سبق وأن داهمت آثاره بنية الاقتصاد الأميركي ومن ثم العالمي في عقد الثلاثينات الماضي، وكان أن تصدت لها إدارة الرئيس الأسبق فرانكلين ديلانو روزفلت (1882- 1945) من خلال سياسة الترشيد والتنظيم والانضباط التي أعلنها تحت عنوانها الشهير في أدبيات الاقتصاد المعاصر وهو: الصفقة الجديدة (نيو ديل).

الحرية أو الانفلات

وفيما ترجع بذور مثل هذه الأزمات ـ الدورية ـ كما يعرفها دارسو الاقتصاد الرأسمالي ـ إلى تكريس وتثبيت فكرة الحرية الاقتصادية بغير حسيب أو مُراجع أو رقيب، على نحو ما سبق وأكدت عليه مدرسة شيكاغو الشهيرة في دراسة الاقتصاد، وعلى رأسها البروفيسور ميلتون فريدمان، فإن الذيول الواقعية أو الإجرائية لهذه الأزمة المالية إنما ترجع إلى ما تم تكريسه من ممارسات استبعاد دور الدولة بوصفها ضامن الملجأ الأخير كما قد نسميه لصالح المجتمع ومواطنيه ضد حيتان البيزنس وهوامير الأجهزة المصرفية وبارونات البورصات والمضاربات.. وهو ما شهدته بالذات حقبة السيدة مرغريت تاتشر في انجلترا ومن بعدها ولاية الرئيس رونالد ريجان في أميركا.

وربما كان أخطر ما في هذا الإمعان في رفض تفعيل اللوائح التي تنظم الأنشطة المالية ـ المصرفية بالذات.. هو أن كاد أصحاب هذا الاتجاه يحّلون أفكارهم محل العقائد شبه المنزلة على نحو ما يشير المفكر الكندي زراؤول سولس في كتابه الأشهر بعنوان «سقوط العولمة»(من ترجمة كاتب السطور) وهو ما ظل يضع في موقع المرفوض أو المنبوذ، جموع المنبهين إلى خطورة الانسياق في هذا الاتجاه والمنادين بقدر ولو معقول من إعمال اللوائح وتفعيل الضوابط وإشعار القائمين على دنيا المال والأعمال من مديري بنوك ورؤساء مجالس إدارات ومستشاريهم الفنيين ـ التكنوقراط، بأن ثمة إطارا ينظم أعمالهم دون أن يصادر على انطلاقاتها أو اجتهاداتها.

في ضوء هذا كله نستطيع أن نتفهم مغزى التعليقات التي حرص الرئيس أوباما على إبدائها لحظة توقيع القانون التنظيمي الجديد حين قال:

ـ بفضل هذا القانون فلن يُطلب بعد ذلك من أفراد الشعب الأميركي أن يتحملوا عبء سداد الفواتير الناجمة عن أخطاء وول ستريت.

في نفس السياق أضاف أوباما معلقا وربما محذرا يقول في حسم واضح:

؟ لن يكون هناك حِزم (مالية) لانتشال المؤسسات المالية (من أزماتها) على حساب دافع الضرائب.

في مبنى ريجان

ومن المفارقات التي لاحظناها في هذا الصدد أن حفل التوقيع تم في المبنى الذي يحمل اسم رونالد ريجان وهو كما أسلفنا، واحد من زعماء تيار اللا تنظيم واللا رقابة واللا ضوابط.. ولهذا أضاف أوباما يقول:

ـ إن هذه الإصلاحات جاءت لتمثل أنجع سبل الحماية المالية للمستهلك في التاريخ.. باعتبار أنها تتصدى لممارسات الاستغلال والخداع في صناعة الرهونات.. وتؤدي إلى تبسيط بنود العقود بحيث يعرف المرء مضمون ما يضع توقيعه عليه.

في كل حال فثمة إجماع بين مراقبي المشهد الاقتصادي الأميركي بأن مثل هذه الإجراءات ـ الإصلاحات في القاموس الأوبامي ـ قد لا تظهر آثارها بوضوح إلا في غضون سنتين من تاريخ العمل بها على نحو ما تقول الكاتبة هيلين كوبر (في نيويورك تايمز، عدد 21/7/2010). وقد نلاحظ من جانبنا أيضا أن هذه القوانين الجديدة ما كان لها أن تحظى بموافقة مجلس الشيوخ الأميركي إلا بعد نجاح الإدارة الديمقراطية في ضم 3 أصوات من جانب المعارضة الجمهورية، منها صوت سيدتين هما سوزان كولنز وأوليفيا سنو فيما كان النائب الديمقراطي الوحيد الذي انشق على حزبه ورفض إقرار القانون، واسمه روس فينغولد، قد بنى موقفه الرافض على أساس أن القانون ليس حازما ولا حاسما كما ينبغي.

بين المضاربة والسياسة

وكانت زالتايمزس قد نشرت دراسة موجزة تهدف لتسليط الأضواء على القانون الجديد قبل توقيع الرئيس الأميركي عليه فأوردت تشخيصا للحالة التي آلت إليها أمور الاقتصاد على النحو التالي:

ـ على مدار نصف القرن المنقضي ظل المقرضون والمضاربون والمتاجرون يقودون باطراد مسيرة الاقتصاد، فيما ينزاح عن الطريق السياسيون من كلا الحزبين.. بل كان هؤلاء الساسة يتسابقون في إصدار القوانين التي أتاحت للشركات المالية أن تصبح أكبر حجما وأغزر أرباحا.. ولكن أقل شفافية.. وكانت النتيجة هي زكتالوجس من الإصلاحات والإضافات (التي لم تفلح) في إصلاح نظام علاه الصدأ وفشل في مسايرة حجم وتعقيدات التطورات المالية الحديثة.

على الجانب الآخر من المنافسة الحزبية لم يتورع واحد من أركان المعارضة الجمهورية في مجلس الشيوخ عن وصف هذه القوانين واللوائح والضوابط التنظيمية على النحو الطريف التالي:

ـ إنها 2300 صفحة تجسد زوحْشاس تشريعيا لأنها تخلق بيروقراطيات جديدة واسعة النطاق وتدمر عنصر التنافسية في مضمار النشاط الاقتصادي.

وكان طبيعيا أن تخف إلى الرد على الاتهامات ومحاولة تبديد هذه المخاوف أو الوساوس دوائر الإدارة الديمقراطية الحاكمة.. ولهذا سارع وزير الخزانة الأميركي تيموثي جايتنر إلى الترحيب بإقرار مجلس الشيوخ للقوانين الجديدة قائلا:

- إنها ستعاقب على التهور (بمعنى الانفلات والجموح في مباشرة النشاط المالي ـ الاقتصادي) وتكافئ على التعقل (بمعنى الانضباط والترشيد).

ومضى المسئول المالي قائلا:

ـ إن البنوك المستقرة (في إدارتها وأنشطتها وكذلك المشروعات والمؤسسات المالية الجيدة الإدارة) سوف تتكيف مع هذه القوانين التي تم إقرارها وتتخذ طريقها الى الازدهار في إطار مدونة السلوك الجديدة.. ومن ثم توضع قواعد أفضل للنمو الاقتصادي في المستقبل.

وفي كل حال.. وبمناسبة حكاية مستقبل النمو الاقتصادي، فقد تزامن مع سّن قوانين اللعبة الاقتصادية في أميركا.. صدور تقرير جديد (في الأسبوع الأول من يوليه) عن صندوق النقد الدولي ـ وهو لا يبعد في العاصمة واشنطون سوى بمسافة قصيرة عن مبنى ريجان الذي شهد توقيع القوانين المالية التي نحن بصددها.

وفي سطور التقرير العالمي عبارات واستنتاجات قد تبعث بعض الطمأنينة بالنسبة لحركة نمو الاقتصاد في عالمنا.. حيث رفع صندوق النقد الدولي معدل هذا النمو من نسبة 4 في المائة إلى نسبة 5,4 في المائة خلال عام 2010 الحالي.

آسيا قاطرة النمو

ولكن في إجابة السؤال البديهي عن أسباب هذه الزيادة الإيجابية في كل حال يجيب التقرير قائلا:

ـ إن هذا النمو الملموس تحقق بفضل الانتعاش الملحوظ في نمو... القارة الآسيوية. (والإشارة هنا قد تكون إلى اقتصاديات آسيوية ما برحت تموج بحركة دينامية ودءوبة.. ما بين الصين إلى الهند وما بين ماليزيا إلى كوريا الجنوبية وغيرها من كيانات القارة الآسيوية التي يشهد لها صندوق النقد الدولي بصورة إيجابية، فيما يمضي تقرير الصندوق على نحو ما تذكر هيئة إذاعة زالبي بي سيس البريطانية كي يحذر من أن أزمة الديون السيادية في أوروبا يمكن أن تؤدي إلى تقويض معدلات النمو على صعيد أقطار الاتحاد الأوروبي ذاتها وهو ما يمكن أن يمتد تأثيره ـ كما حذر الصندوق الدولي أيضا ـ إلى حيث إلحاق الأضرار بنمو الاقتصاد العالمي بشكل عام.

قمة العشرين

وفي ضوء هذا الدور الايجابي الذي يسنده صندوق النقد الدولي لتلك الفعاليات الاقتصادية في القارة الآسيوية يمكن أن نفهم مغزى ونتائج انعقاد قمة مجموعة العشرين المرتقبة في العاصمة الشرق ـ آسيوية ـ زسولس وخاصة من حيث تزويد منظومة الاقتصاد العالمي بالمزيد من أدوات الترشيد والشفافية وسبل التنبيه والإنذار المبكر وتفعيل الضوابط التي تكفل ألا ينزلق الاقتصاد العالمي من جديد إلى هاوية أزمة تتضرر منها بالدرجة الأولى اقتصاديات الأقطار النامية فيما تلحق أبلغ الأضرار أيضا بالفئات المستضعفة والطبقات الأشد فقرا في تلك الأقطار، بل وفي البلدان المتقدمة ذاتها، وهو ما يحبط آمال العالم في بلوغ الغايات الإنمائية الشهيرة للألفية وفي مقدمتها ـ كما قد نذكر ولا ننسى ـ هدف القضاء على الفقر بعامة والعمل بكل جهد على الوصول بحجم الفقراء في العالم إلى النصف بحلول عام 2015.

هكذا يستعد أوباما وإدارته وحزبه لانتخابات نوفمبر وهم يشهرون في وجه منافسيهم الجمهوريين سلاح انتصارهم الأول بإقرار قانون التأمين الصحي ثم سلاح الانتصار الأخير بإقرار قانون الضوابط والتنظيمات المالية.

ثمة استعدادات أخرى تدور هذه المرة في مدينة بازل ـ سويسرا لبلورة قواعد مالية جديدة، بعضها يهدف إلى مواجهة ما أقرته أميركا مؤخراً من ضرورة المتابعة إن لم يكن المراقبة لسير العمل في المصارف الكبرى ومؤسسات الإقراض وبورصات المال والأعمال ولكن من منطلق دعوى يتبناها زمعهد المالية الدوليةس الذي ترعاه أكبر بنوك العالم ومفادها أن إجراءات أوباما الأخيرة قد تنال من أفاق النمو في دول العالم. والمواجهة سجال.. لا تزال.

نوبة صحيان

جاء القانون الأميركي الجديد ـ في تصورنا ـ بمثابة زنوبة صحيانس أو جرس إنذار أو زإجراء للترشيدس في وجه ما ظل يهيمن على الأداء الاقتصادي في أميركا وأوروبا ومناطق شتى من عالمنا من نزعة انفلات باسم الحرية الاقتصادية صحيح أن الحرية أمر مطلوب في حد ذاته أو فلنقل هي أمر مندوب إليه بمصطلح الفقه الإسلامي. لكن شريطة أن تكون هادفة إلى تحقيق الصالح العام لمجموع المواطنين والمتعاملين.. دون أن تسلم نفسها إلى جموح الانفلات أو رفض كل ضوابط الترشيد والانسياق وراء رعونة الإقراض والاقتراض بغير ضوابط أو تخطيط..

وهو ما أوصل العالم ـ كما هو معروف ـ إلى حواف أو شفير أزمة اقتصادية تبدت نذرها ـ كما هو معروف ـ مع الهزيع المخيف والأخير من ولاية الرئيس السابق جورج دبليو بوش في خريف عام 2008 فكان أن تجسدت في انهيار وأحيانا زوال عدد من كبريات المؤسسات المالية بالولايات المتحدة (ليمان برزرز مثلا) وإفلاس النظام الاقتصادي في دول غربية بأكملها (أيسلندا مثلا).. دعك من ربقة الأزمات الخطيرة التي وقعت في براثنها مؤخرا أقطار أعضاء في الاتحاد الأوروبي (اليونان مثلا).

محمد الخولي