غزة ـ ماهر إبراهيم
تؤكد الإحصاءات الرسمية والخبراء في الأراضي الفلسطينية أن البطالة من أهم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي باتت تهدد النسيج الاجتماعي الفلسطيني، محذرين منها كأخطر مرض اجتماعي يواجهه المجتمع لما يترتب عليه من آثار وأمراض اجتماعية وشرور ومشاكل عائلية قد تؤدي إلى تفكك المجتمع وتشوه قيمه.
وقدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني نسبة البطالة بـ 2,30 في المئة. وذكر في فبراير الماضي أن محافظة الخليل سجلت النسبة الأعلى للبطالة من بين محافظات الضفة، حيث بلغت 6,23 في المئة. وفي قطاع غزة احتلت محافظة خان يونس أعلى معدل للبطالة حيث سجلت 4,50 في المئة، ووفقا لتقديرات رسمية هذا العام 2010 فقد بلغ عدد العاطلين في الأراضي الفلسطينية نحو 500 ألف عاطل عن العمل. ومعظم الزيادة جاء بسبب الحصار الإسرائيلي في غزة. وحذر تقرير فلسطيني آخر من تصاعد معدلات الفقر والبطالة في قطاع غزة. وأظهر تقرير الغرفة التجارية الفلسطينية ارتفاع نسبة الفقرلـ 80 ونتيجة للعدوان على القطاع أغلقت كافة القطاعات الاقتصادية - صناعية وزراعية وتجارية - أبوابها أمام الباحثين عن فرصة عمل. وأوضح التقرير أن 85% من سكان القطاع أصبحوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية المقدمة من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (اونروا) وبرنامج الأغذية العالمي والجمعيات الخيرية والإغاثية المختلفة.
ويقول الخبراء إن الواقع الاجتماعي الفلسطيني لا يبشر بأي تغيير ولم يتحقق لهم تحسن على المستوى الاقتصادي وما يرتبط به من أزمات وقضايا مجتمعية، بل تراجعت الأوضاع القهقرى، وأعربوا عن مخاوف كبيرة بان الأزمة في تصاعد، والمتهم الأول هو الاحتلال الإسرائيلي بممارساته العدوانية والتضييق على سكان قطاع غزة والضفة الغربية وباتت الصورة مأساوية.
وحسب دراسة أجراها الاتحاد العام لنقابات فلسطين ـ حصلت عليها البيان ـ بعنوان «الآثار الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للحصار والإغلاق على العامل الفلسطيني» فان ما تمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلي من إجراءات بحق الفلسطينيين خلقت وضعاً صعباً تمخض عنها نتائج متنوعة اقتصادية واجتماعية ونفسية تتمثل في العصبية والتوتر والعنف ضد أفراد الأسرة. وأشارت الدراسة أن المجتمع الفلسطيني سواءً في الضفة الغربية أو قطاع غزة يواجه معدلات بطالة عالية جداً جراء ممارسات الاحتلال من إغلاق وحصار ومنع وصول المواد الخام لأراضي السلطة الوطنية الفلسطينية إضافة إلى منع وصول العمال لأماكن عملهم لكسب قوت أطفالهم بشكل طبيعي.
واتهم خالد عبد الغني الخبير في الاتحاد العام لعمال فلسطين الإجراءات الإسرائيلية بأنها وضعت الاقتصاد الفلسطيني على حافة الانهيار وأدت إلى تسارع انتشار البطالة والفقر وارتفاع حدته إلى درجات غير مسبوقة وقضت على فرص تحسن نوعية الحياة التي ظهرت في السنوات السابقة وأفرغتها من مضمونها حيث أدت الممارسات الإسرائيلية إلى فقدان عشرات الآلاف من العمال لمواقع عملهم سواء في سوق العمل الإسرائيلي داخل الخط الأخضر أو في الضفة الغربية قطاع غزة ما أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة وانخفاض حاد في مستوى المعيشة مما تسبب في فقدان الكثير من الأسر الفلسطينية إلى مصادر دخلها واستطاعت نسبة كبيرة من الأسر الفلسطينية مع تدني هذا الدخول عبر سياسة التقشف.
حلول :
أكد عبد الغني أن المطلوب كحل عاجل لأزمة البطالة هو توفير شبكات الحماية المجتمعية ومنها إقرار التشريعات والقوانين وآليات تنفيذها وتطوير وتعزيز قانون التأمينات الاجتماعية بالإضافة إلى تطوير صندوق التشغيل وتطوير برامج التشغيل المؤقتة وتحويل برامج المساعدات الطارئة من برامج اغاثية إلى إستراتيجية تنموية وتشجيع إقامة التعاونيات وتطوير الموجود منها باعتبارها حجر الأساس من اجل أي تنمية اقتصادية. كذلك إقامة المحاكم العمالية وتطبيق قانون العمل الفلسطيني وتوسيع وتسهيل المشاركة في سوق العمل سواء المحلي أو الخارجي.
دراسة:
أعلن عن دراسة أجراها الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين حول «الآثار الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للحصار والإغلاق على العامل الفلسطيني». من أبرز النتائج التي أظهرتها الدراسة: 1- زيادة عدد الأسر الفلسطينية التي تعيش تحت خط الفقر جراء الحصار والإغلاق الإسرائيلي المفروض على الأراضي الفلسطينية. 2- انتشار المشاكل النفسية السلوكية لدى العامل الفلسطيني وأسرته بشكل كبير بعد الحصار3.- تحول سلبي في السلوك الاجتماعي لدى العامل الفلسطيني جراء الحصار والإغلاق الإسرائيلي. 4- ازدياد دور الجمعيات والمؤسسات غير الحكومية في التخفيف من معاناة العامل الفلسطيني بشكل نسبي.
وأوضحت الدراسة أن زيادة عدد الأسر التي تعيش تحت خط الفقر ناتج عن الحصار والإغلاق الإسرائيلي. وأكدت زيادة عدد الأسر التي تعيش تحت خط الفقر، وان 6,98 % من الفلسطينيين قد تأثروا اقتصاديا جراء الحصار والإغلاق الإسرائيلي كما وجد أن نسبة 3,99 % دخلهم الحالي غير كافي لسد الحاجات والمتطلبات الأساسية. وكشفت الدراسة ازدياد حدة المشاكل النفسية السلوكية لدى الأسرة الفلسطينية بشكل كبير بعد الحصار مقارنة بما كانت عليه قبل الحصار الإسرائيلي.
وقد بينت الدراسة تراجع في مستوى الصحة النفسية العامة للعامل الفلسطيني وازدياد المشاكل النفسية السلوكية لدى العامل الفلسطيني بشكل كبير بعد الحصار عن ما قبل الحصار. حيث إن 3,83 % اعترف بوجود حالات من العصبية والعنف ضد الزوجة والأبناء وذلك كنتيجة للكبت والمشاكل النفسية التي ينتجها الحصار الإسرائيلي. وان 5,93 % تعترف بتغيير سلبي بنسبة عالية في الحياة النفسية الداخلية (علاقة الفرد بنفسه) جراء الحصار الإسرائيلي. قالت نسبة 1,89 % بوجود حالات من العصبية والتوتر كنتيجة لسياسة الحصار والإغلاق الإسرائيلي. وان 7,79 % لديهم قلق ومشاكل في النوم جراء الحصار الإسرائيلي وما ينتجه من قلق وتوتر وأرق. و نسبة 8,97 % يشعرون بالحزن والكآبة بشكل عام نتيجة للإغلاق والحصار الإسرائيلي. وبينت الدراسة أن 58 % تظهر لديهم علامات عنف وعدوان تجاه الآخرين بشكل غير مقصود (لا واعي) بعد الحصار الإسرائيلي. وأظهرت النتائج أن نسبة 71 % لديهم ميول انطوائية جراء الحصار والإغلاق الإسرائيلي وهذا يؤدي إلى تفكيك وتدمير التلاحم الاجتماعي الفلسطيني ويولد مشكلات نفسية سلوكية لدى الفرد. وبناء على هذه الأرقام أكد الخبراء وجود تراجع في مستوى الصحة النفسية وانتشار المشاكل النفسية والسلوكية لدى المجتمع الفلسطيني بسبب البطالة.
وشددت الدراسة على حصول تحول سلبي في السلوك الاجتماعي الفلسطيني.جراء الحصار والإغلاق الإسرائيلي. وبينت أن 2,94 % أثر وضعهم الاقتصادي الذي يعيشونه في ظل الحصار الإسرائيلي على علاقاتهم الأسرية والاجتماعية. وأظهرت الدراسة أن نسبة 1,84 % أثر الحصار على سلوكهم كعمال داخل أسرهم. وبينت أن نسبة 4,80 % يشعرون بالعزلة الاجتماعية جراء الحصار الإسرائيلي المستمر على الفلسطينيين وأن نسبة 2,89 % تغيير سلوكهم الاجتماعي سلباً جراء الحصار والإغلاق الإسرائيلي. وبناءاً على وجود الدلالات الإحصائية السابقة تبين لنا صحة الفرضية.
الآثار السلبية:
وعن الآثار النفسية السلبية للممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين قالت الدراسة : نشأ عن هذه الظروف الضاغطة التي يعيشها الفلسطيني حاليا آثاراً سلبية من اضطرابات نفسية ومشكلات انفعالية وسلوكية أصبحت خطر يهدد هذه الشريحة العمالية، واستخدم الاحتلال الإسرائيلي شتى المؤثرات النفسية والاقتصادية والاجتماعية للتأثير على حياة الفلسطيني بهدف تدمير بنيته الحياتية، حيث استخدام سياسة التجويع وأصبح عمال فلسطين يعيشون تحت خط الفقر كل هذا ولد وما زال يولد مشكلات نفسية سلوكية وانفعالية كنتيجة حتمية لما يخلفه الحصار من ضغط نفسي بشكل غير عادي، وقد يحاول العامل الفلسطيني التكيف مع هذا الظرف الصعب ولكن استمرارية الضغط تخلق حالة من الاستنزاف المستمر والإضعاف الدائم والبطيء للطاقة النفسية والجسمية بشكل يقود إلى الأمراض النفسية والانفعالية والسيكوفسيولوجية (النفس جسدية).
وحول انعكاس الحصار على مستوى الفرد أوضحت الدراسة أن الحصار أدى إلى: 1- شعور العامل بالإحباط واليأس نتيجة فقدان مصدر رزقه 2- شعور العامل بخيبة الأمل الاجتماعي والشكوك بكل ما يدور حوله مما يؤدي إلى عدم استقرار في الوضع الاجتماعي. 3- أصبح الفلسطيني مهددا بالانحراف نتيجة ما يتعرض له من ضغوطات نفسية واجتماعية ناتجة عن حالة الفقر التي تعيشها أسرة العامل لتراجع مستواها المعيشي. 4- التدخل المستمر للمواطن في كل ما يتعلق بشؤون الأسرة أحدث نوعا من العنف بين أفراد الأسرة وهذا ناتج من خلال التواجد في البيت بشكل مستمر بسبب عدم وجود عمل ليقضى العامل وقته فيه مما أدى إلى وجود العنف الأسرى، وبلغت نسبة الأسر التي وقعت في دائرة العنف 3,83% .
وعن تأثيرات الحصار على المجتمع أوضحت الدراسة أنه أدى إلى:
1- ازدياد المشاكل العائلية بصورة كبيرة وخاصة العودة إلى قضايا التي مر عليها زمن مثل القتل وبالثأر والانتقام مما زاد نسبة تفشي الجريمة في المجتمع الفلسطيني بشكل ملحوظ.
2- تدهور المستوى المعيشي لغالبية الأسر في المجتمع الفلسطيني بنسبة 6,98 % جراء الحصار أدى إلى إنفاق كل مدخرات الأسرة وأدى بدوره إلى زيادة الفقر بنسبة عالية جداً. 3
- فقدان المجتمع لبعض الضوابط الاجتماعية التي تحفظ الاستقرار في المجتمع بسبب غياب دور مؤسسات السلطة الفلسطينية وخاصة أجهزتها الأمنية نتيجة لما تعرضت إليه من تدمير في البنية التحتية وغياب القانون وإحلال الفوضى جراء ممارسات الاحتلال اليومية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي للمجتمع الفلسطيني.