يعتبر موضوع التقيد بميزانية معينة، يحددها دخل الفرد، معضلة أسرية يعيشها أفراد العصر الحديث، الذي أصبحت فيه كماليات العصر الماضي ضروريات القرن الواحد والعشرين.

حيث أن مصاريف الفرد تتغير من فصل إلى فصل، ففصل الصيف مثلاً يرهق أغلب العائلات الباحثة عن اللهو والسمر والاستمتاع بالشواطئ، والمهرجانات وهو يلقب في تونس «بصيف المصاريف» خاصة هذا الصيف الذي يعد صيفاً ساخناً على جيب المواطن العادي وذلك لتزامن هذا الفصل، مع العودة المدرسية وقرب حلول شهر رمضان المبارك ومن ثم عيد الفطر، فيما يعتبر فصل الشتاء الأخف وطأة من غيره حيث تلتزم فيه الأسرة بتوفير الضروريات والمتعلقة أغلبها بالأكل وتدريس الأطفال، والمصاريف البسيطة، واللافت أن مكتب الدراسات التونسي المتخصص في دراسة الأسواق وسلوكيات المستهلك التونسي نشر دراسة صادمة مؤخراً، حيث أثبت أن 85% من التونسيين مدينون للبنوك و32% مدينون للأقارب أو الأصدقاء.

يقول «رضا بن عرفة» وهو من مكتب الدراسات المتخصص في دراسة الأسواق وسلوكيات المستهلك، أن النسبة التي نشرها المكتب تم إجراؤها على 900 شخص من مختلف الفئات العمرية، وقد كانت الدراسة بمنتهى الشفافية، وذلك الرقم الصادم يفسر مدى رغبة الأسرة التونسية المحدودة الدخل في العيش برفاء الأسر العالية الدخل، والتداين يخلق الكثير من المشاكل ويرهق صاحبه، وخاصة التداين بمبالغ كبيرة للبنوك، حيث أن نسبة كبيرة من المتداينين قد فعلوا ذلك لشراء أشياء كثيرة لا تتناسب مع دخلهم المتواضع وتدخل في باب الرغبة في الظهور بمظهر الأغنياء لا غير. وعن أغرب حالات التداين يقول بن عرفة: تلجأ بعض الأسر التونسية إلى أخذ قروض عالية من أجل قضاء عطلة صيفية في إحدى المنتجعات السياحية أو الفنادق الفخمة، والبعض يتداين من أجل إقامة حفلات أعراس تشابه حفلات أعراس النجوم والملوك.

وهناك من يتداين من أجل إقامة حفل لنجاح ابنه أو ابنته وانتقالها من عام دراسي لأخر، وكل هذه الأنواع من التداين الغير مبرر يثبت أن بعض الأسر التونسية غير واعية بخطورة التداين من أجل المظاهر، ضاربين بعرض الحائط المقولة الشهيرة «القناعة كنز لا يفنى». وإن كان هناك نسبة من المستجوبين برروا تداينهم بالحالات الطارئة كالمرض أو غيره يقول محدثنا: الدراسة بينت أن 8% فقط هم من تداينوا من أجل بعض الظروف الطارئة والتي كان المرض من أهمها، أي أن أغلب من أجريت عليهم الدراسة كانوا يتداينون من باب الاختيار وليس من باب الضرورة.

الحملات الدعائية هي السبب

لماذا يعيش المواطن التونسي بالتداين على الرغم من الحملات التوعوية التي تقوم بها منظمة حماية المستهلك كل فترة؟ هذا السؤال أجابنا عليه «محجوب البرني» المختص في علم الاجتماع، حيث قال إن السبب الأول للتداين هو عدم قناعة الإنسان بدخله الشهري وعدم مقدرته على التوفيق بين دخله ومصاريفه.

كما أن النصيب الأكبر من المشكلة يعود إلى الحملات الدعائية والإشهارية لمنتجات السوق والتي قد لا نحتاجها ولكن إلحاح الدعايات يجعلنا نشتريها دون وعي، فيجد المواطن نفسه مجبرا على التطور الذي يراه من حوله، فيلجأ إلى التداين، بعد أن يكون أجهز على راتبه في الجزء الأول من الشهر، كما تقول إحصائيات منظمة الدفاع عن المستهلك.

وعن الأشياء التي تحولت من كماليات إلى احتياجات ماسة يقول البرني: قبل أكثر من عشر سنوات من الآن في تونس لم يكن للهاتف المحمول أي ضرورة تذكر حتى إن الرخص كانت تعطى فقط للأطباء والكوادر الذين تتأكد شركات الهاتف من دخلهم مسبقاً، أما الآن فقد أصبح الهاتف المحمول ضرورة قصوى، وتجد أن كل فرد من العائلة يملك هاتفاً محمولاً ينفق عليه شهرياً مئات الدنانير، كما أن الملابس الفاخرة والتي تحمل أهم الماركات العالمية لم تصبح حكرا على أصحاب الدخل الكبير فقط بل إن أبناء الطبقة المتوسطة الدخل أصبحوا يجابهونهم في الذوق واتباع خط الموضة والعصر.

وكل ذلك من جراء الدعايات والخطط الإشهارية التي تعدها مؤسسات خاصة للقضاء على دخل المواطن، ولا ننسى السيارات الشعبية التي غزت الشوارع التونسية وأصبح المواطن العادي يسعى من خلال التداين مع البنوك لشراء سيارة شعبية يقضى أكثر من عشر سنوات لسداد نصف حقها.

هذا عدا عن تلاحق مواسم المصاريف الساخنة التي ترهق العائلة ففصل الصيف يلاحقه موسم الدخول المدرسي وقبله بأسابيع شهر رمضان المبارك والذي تكثر فيه مصاريف الأكل والشرب، ومن بعده عيد الفطر الذي تحتفل به العائلات بكل بذخ وترف. ومع ذلك لا يجب أن ننكر غلاء المعيشة في العالم ككل، حيث أن دخل الفرد عندما يكون محدوداً يحبط صاحبه وخاصة رب الأسرة فتجده يبحث عن حلول لإرضاء أسرته وإشباع رغباتهم التي يفرضها عليهم العصر.

شر لا بد منه

تقول أسماء بن يوسف وهي موظفة في بنك عن تجربتها الشخصية في إعطاء القروض للمواطنين: ملفات طلبات القروض المتوسطة والصغرى لا يحصى، فكل يوم يتوافد عشرات الأشخاص من أجل تأمين قرض معين حتى إن كانت قيمته ألف دينار أي قرابة «800 دولار أميركي»، والأسباب تختلف من فرد لأخر ولكن الأغلبية هي لمواكبة موجة ارتفاع الأسعار الصيفية، فكل رب أسرة مطالب بأن يلبى حاجات أسرته التي بات أغلبها سقفها عاليا، والتداين هو شر لا بد منه.

وعن تجربتها الشخصية في إدارة مصاريف بيتها تقول: أنفق شهرياً ما يقارب على 2000 دينار تونسي، فأنا أم لثلاثة أولاد شباب لهم متطلباتهم، وزوجة لموظف بسيط ودخلنا الشهري لا يغطي مصاريفنا للأسف كأغلب العائلات التونسية، وأضطر إلى التداين بمبالغ بسيطة من أسرتي كما أحاول أن أضغط على مصاريف العائلة في فصل الشتاء حتى أستطيع رد المبالغ التي أكون قد استعرتها في السابق من عائلتي.

وتضيف: «دائماً ما تكون الأم هي المطالبة بتسيير شؤون المنزل بما في ذلك الضغط على مصاريف العائلة، ولكن كلها محاولات تفشل بمجرد أن يعلن أحد الأبناء بأنه بحاجة لشيء معين خاصة عندما يكون هذا الشيء عبارة عن جهاز كمبيوتر يتعلم عليه، أو الاشتراك في نادي رياضي معين، فالأم لا تستطيع منع أبنائها من التعلم من أجل عدم توفر الماديات وهنا نضطر للتداين حتى لا نربي أولادنا على الحرمان.

نتائج الحرمان أفضل من نتائج الديون

ترى «ليلى حرباوي» وهي مختصة في علم النفس: إن شعور الإنسان بالحرمان له سلبيات كثيرة ولكن ذلك الشعور قد يدفع الإنسان إلى النجاح إن كان في الدراسة أو في العمل، فهو نتيجة فيها جوانب سلبية وإيجابية في أن واحد وتختلف من شخص إلى شخص وهنا يجب أن يكون عنصر الإيمان حاضراً في قلب ذلك الإنسان الذي يشعر بالحرمان المادي.

في المقابل، فإن الشخص الذي يعيش غارقاً في الديون، فإنه لن يسلم من الإحساس بالتوتر والضغط النفسي اليومي الذي قد يدخله في متاهات نفسية هو في غنى عنها خاصة وأن التوتر النفسي يعتبر بوابة العبور للكثير من الأمراض الجسدية أخطرها ارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض القلب.

وحول الحل الأمثل الذي لا بد أن يسلكه الفرد العادي للموازنة بين دخله الشهري ومصاريفه تقول محدثتنا: الحل يكمن في كتابة الاحتياجات على ورقة، وكل غرض يجب أن نضع أمام سعره، وبعد جمع الاحتياجات، تقوم ربة الأسرة أو صاحب القرار في البيت ومن الأفضل أن تشترك كل الأسرة في القرارات، باختيار الاحتياج الضروري ومن بعده ترتب باقي الاحتياجات فمنها ما نستطيع تأجيله ومنها ما نستطيع الاستغناء عنه وهكذا.

كما يجب على الأسرة أن تتحاور، فيما بينها وأن تتفهم بعضها البعض، ومن الواجب على الأهل أن يربوا أبنائهم على تحمل المسؤولية وأن يكونوا عنصراً فعالاً وسط العائلة، حتى تستطيع الأسرة العيش بسلام.

تونس ـ ضحى السعفي