تواجه الأسرة المصرية مشاكل وتحديات كبيرة اقتصادية واجتماعية لها مردود سلبي بالغ على المجتمع ككل اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية، تمتد تأثيراته لأجيال متعددة، إذ تعاني الأسرة باعتبارها نواة المجتمع من المشاكل وتواجه التحديات التي يواجهها المجتمع من تدني الأجور والمرتبات، وارتفاع الأسعار، وفقدان المعيل، والأنماط المعيشية الخاطئة، والتقاليد والأفكار المتوارثة الخاطئة.
في البداية تؤكد الدكتورة فرخندة حسن الأمين العام للمجلس القومي للمرأة، إن الأسرة المصرية باعتبارها نواة المجتمع تعاني من نفس المشكلات وتواجه نفس التحديات التي يواجهها المجتمع المصري، وخاصة ما يتعلق بتدني الدخل نتيجة انخفاض الأجور والمرتبات وانتشار البطالة حيث لا يوجد أسرة ألا وأحد أفرادها على الأقل يعاني من البطالة، أو فقدان رب الاسرة سواء للوفاة أو للطلاق أو الإدمان وقيام الزوجة بدور الأب والأم في نفس الوقت. وأضافت إن من بين المشاكل التي تواجه الأسرة المصرية الإستهلاك البذخي ، والمباهاة ، وتقليد الفقراء للأغنياء في اسلوب المعيشة، والرغبة في الثراء السريع خاصة وأن وسائل الإعلام ووسائل الاتصال الحديثة سهلت المعرفة وقصرت المسافات وأزالت الحواجز، ورغم الفوائد المعرفية لذلك إلا أنها أيضا كان لها نتائج اجتماعية واقتصادية سلبية.
وتؤكد الدكتورة فرخندة حسن على أن الدولة من جانبها تبذل قصارى جهدها للحد من المشاكل التي تواجه الاسرة المصرية من خلال العديد من البرامج سواء بمساعدة المرأة المعيلة أو توفير برامج تمويل المشروعات وتقديم تسهيلات قروض المشروعات الصغيرة، أو بزيادة برامج التوعية ومحو الأمية والتثقيف وزيادة وعي الاسرة والمجتمع بمخاطر المشاكل التي تواجه الاسرة والمجتمع وضرورة التكاتف والتعاون بين الحكومة والمجتمع المدني ورجال الاعمال لمواجهتها والتغلب عليها. أما الكاتبة والروائية فتحية العسال فتؤكد أن الأسرة المصرية مطحونة، بين سندان تدني الأجور والمرتبات، ومطرقة الاسعار والمتطلبات الاساسية والطموح المشروع بالعيش حياة كريمة تحقق الحد الأدنى لأدميته وتضمن له انسانيته التي أهدرت في طوابير البحث عن رغيف العيش وأنبوبة البوتاجاز، أو البحث عن بدائل للحوم التي إشتعلت أسعارها وأصبح من العبث مجرد التفكير في اسمهما.
وأضافت إن الغالبية من الأسر المصرية تعيش تحت خط الفقر تعاني من الجوع والمرض والتشرد، بعضها يسكن في عشش أو بيوت كرتونية أو في المقابر أو في منازل آيلة للسقوط، أو في مساكن غير أدمية، لذلك كان من الطبيعي أن تنتشر البلطجة والعنف والإدمان والتشرد وأطفال الشوارع وتزداد معدلات الطلاق والزواج العرفي وحالات الإغتصاب.
وأوضحت العسال أن ما يزيد الطين بلة هو هذا الفارق الشاسع بين طبقة الأثرياء والفقراء الذين يشكلون الغالبية العظمى من الشعب، واعتماد الدراما المصرية على تصوير حياة الترف والبذخ والإسراف، وهو ما يتأكد كل يوم من خلال صفحات الحوادث التي تكشف كل يوم عما وصل إليه السفه في الإنفاق من الطبقات الثرية، وليس ادل على ذلك من إنفاق رجل أعمال الملايين على مطربة، ثم انفاق ملايين أخرى لقتلها، ورجل أعمال ثان ينفق الملايين لقضائه عدة ايام مع اميرة سعودية، وثالث ينفق الملايين على راقصة شهيرة ويصور نفسه معها بالفيديو إلى غير ذلك.
ولفتت إلى أن مثل هذه الأمثلة وغيرها الكثير والكثير من شأنها أن تثير الأحقاد والضغائن في النفوس، ويؤدي إلى انتشار الجريمة، فضلا عن التطلعات غير المشروعة والرغبة في التربح السريع سواء بالسرقة أو الرشوة أو القتل أو الممارسات غير الأخلاقية، ويفتح بابا ممن الجحيم على المجتمع.
الدكتورة إنشاد عز الدين استاذ الاجتماع بجامعة القاهرة أكدت على أن أهم المشاكل التي تواجه الأسرة المصرية هو تدني الأجور والمرتبات مع الإرتفاع المستمر في الاسعار وهو ما يخلق فجوة كبيرة بين مستوى دخل الاسرة وحجم الإنفاق مما يؤدي إلى خلق الكثير من القضايا والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية نتيجة عدم قدرة تلك الأجور والمرتبات على تلبية الاحتياجات الحياتية الاساسية والضرورية.
ونفت أن يكون من بين مشاكل الأسرة المصرية الإنفاق البذخي أو الترفي، مشيرة إلى أن عدد سكان مصر نحو 82 مليون نسمة، وأن مليوني فقط من السكان لديهم القدرة على الإنفاق الترفي أو البذخي، في حين أن هناك نحو 80 مليوناً يعانون من ضيق ذات اليد وعدم تلبية الإحتياجات الضرورية للحياة.
وأوضحت أن هذه الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين الأسر المصرية أصبحت بارزة بشكل واضح وخاصة بعد اختفاء الطبقة الوسطى التي كانت تحقق التوازن داخل المجتمع وتؤدي لتقارب الشرائح الاجتماعية، لافتة إلى أن التمايز الطبقي المادي الموجود حاليا بين شريحة صغيرة للغاية من الاثرياء وشريحة كبيرة من الفقراء من شأنه أن يؤدي إلى إثارة الأحقاد مما يولد مشاعر بالقهر والظلم، وخاصة في ظل عدم وجود تكافؤ الفرص وغياب العدالة الاجتماعية.
وأشارت عز الدين إلى أن مايشغل بال الأسرة المصرية ويؤرق مضاجعها هو كيفية مواجهة المرض في ظل عدم وجود نظام جاد وفعال للتأمين الصحي.
وتلبية الاحتياجات الأساسية والضرورية، وعدم قدرتها على توفير الحياة الكريمة لأبنائها يتمتعون فيها بمسكن مناسب يوفر لهم الخصوصية وخدمة صحية مناسبة وتعليما ملائما وغذاء صحيا وسليما.
ونوهت غلى أن من بين المشاكل التي تواجه الأسرة المصرية ايضا تربية النشء والمستجدات التقنية الحديثة مثل الإنترنت والانفتاح غير المحسوب على الكثير من الثقافات والذي من شأنه المساس بالقيم والثوابت، وتوليد العنف نتيجة القهر وغياب الديمقراطية.
أما فتحية البحيري رئيس جمعية الإرتقاء بالأسرة المصرية فترى من وجهة نظرها أن أم المشاكل التي تواجه الأسرة المصرية والتي يتولد عنها مشاكل أخرى كثيرة تتفاقم وتتزايد، هي مشكلة قانون الأحوال الشخصية في مصر والذي لا يعطي للمرأة باعتبارها اساس أي أسرة الإحساس بالأمان وجعل حياتها ومستقبلها دوما مهددا بالطلاق، والحرمان من أطفالها، وعدم الإنفاق، وتعدد الزوجات، والكثير من منغصات الحياة التي تجعل دائما حياة الأسرة غير آمنة و«على كف عفريت».
وأضافت أن عددا كبيرا من الدول العربية والإسلامية نجحت في تخطي هذه العقبة، بأن يكون تعدد الزوجات بإذن قاضي يكون له البحث في اسباب وقدرة الزوج على الزواج الثاني مع الوفاء بمتطلبات ومستلزمات الزواج الأول، وضمان حقوق الزوجة الأولى وأولادها دون اللجوء للقضاء لسنوات طويلة.
وأشارت إلى أن الطلاق الغيابي ايضا يعتبر من أهم المشاكل التي تواجه الأسرة المصرية، حيث تفاجأ المرأة أنها تعيش مع زوجها وأولادها وعندما تحدث الوفاة تكتشف أنه قام بتطليقها غيابيا دون أن تعرف وأنها تعيش معه وهي مطلقة، وقد تكتشف ذلك بالصدفة اثناء حياة زوجها وهي مأساة بمعنى الكلمة دينية وأخلاقية وانسانية واجتماعية.
وأوضحت أنه بعد انسحاب القطاع العام من الساحة الاقتصادية وتطبيق نظام الخصخصة فإن الغالبية العظمى الآن اصبحوا يعملون بالقطاع الخاص الذي يستنزف طاقات الشباب والعاملين به، وترى الزوج يخرج من الصباح الباكر لينتقل من عمل لأخر نظرا لارتفاع الأسعار وتلبية احتياجات أسرته ويعود في ساعة متأخرة منهكا، وربما يسري هذا الحال أيضا على الزوجة مما يقتل الحياة الزوجية.
وأشارت إلى أن انشغال الزوجين وانهماكهما في العمل مع الإلتزامات المنزلية الأمر الذي يكون له تأثير سلبي بالغ على الحياة الزوجية وهو ما يشعل الخلافات داخل الأسر المصرية، وتابعت أضف إلى ذلك عدم قدرة الاجيال الجديدة من الشباب على تحمل الحياة الزوجية والصمود أمام المشاكل والعقبات التي تعترض حياتهم وهو ما يولد العنف الأسري.
ولفتت البحيري إلى أن من اهم المشاكل التي تواجه الأسرة المصرية أن أغلب الأسر المصرية تعولها سيدات أم لكونهن مطلقات، أو أرامل، أو متزوجات وأزواجهن سافروا للخارج وانقطعت أخبارهم، أو لا يريدون الإنفاق على أسرهم، وتجد المرأة نفسها مضطرة لتحمل أعباء الأسرة بالكامل سواء المادية أو الاجتماعية.
القاهرة- عماد الأزرق


