في هذه الأيام التي تسبق شهر رمضان الكريم تلجأ عائلات كثيرة في العاصمة الجزائر والمدن الكبرى الأخرى كوهران وقسنطينة وعنابة وسطيف وبجاية إلى رهن بعض ممتلكاتها لدى البنوك للحصول على مصاريف إضافية بالنظر لزيادة الإقبال على الاستهلاك.

وتقف عشرات النساء على أبواب البنوك لرهن الذهب والزرابي والأشياء الثمينة الأخرى، وهو تقليد دأبت عليه الأسر منذ عقود. يوزن الذهب ويقدم مقابله من المال ويدون تاريخ الإيداع والتاريخ المفترض للاسترجاع وسداد الدين. وبلغت قيمة الرهن هذا العام 700 دينار لكل غرام من الذهب أي ما يعادل عشرة دولارات.

ويشترط ان تراجع العائلة البنك في الوقت المحدد للحصول على أشيائها المودعة وإرجاع القيمة المالية وفي حال تأخرت ستدفع غرامة عن كل يوم تأخير. رغم هذه الشروط القاسية فان العائلات لا تجد بد من اللجوء لهذا الحل للاستجابة لرغباتها الاستهلاكية خلال رمضان.

وتحكي فتيحة عقبة عن رهن ذهبها كله للبنك مقابل مال لم تستطع سداده في الوقت لأنها لا تستطيع التقسيط فالبنك يشترط إعادة المبلغ بالطريقة التي دفع بها، ولقد أدى ذلك الى زيادة كبيرة في حجم الدين نتيجة تراكم الغرامة عليها، ولولا تدخل أقاربها للإفراج عن ذهبها لفقدته الى الأبد.

سألتها عن دافع الإقبال أكثر على الاستهلاك في رمضان بأكثر من طاقة العائلة الى درجة تدفعها للتفريط في الممتلكات الثمينة فقالت «أنها تقاليد لم نقدر على تجاوزها. فرمضان شهر يعود مرة في السنة وهو يتطلب موائد غنية وسهرات بالمكسرات والحلويات وما إليها.

وكل الناس يستهلكون وكثير منهم لا يقدر على ما يفعل» ونقلت إليها أقوالا عن نساء ريفيات مسنات قلن إنهن وعائلاتهن في رمضان كن خلال ثورة التحرير بين 1954 و1962 يحضرن الفطور من طبق واحد مصنوع في معظم الأحيان من الأعشاب البرية والتوابل، وهو ما لا ينهك ميزانية العائلة .

فضحكت وقالت «ذلك كان زمن الثورة حيث فرضت القناعة نفسها على الناس كنمط حياة... أما اليوم نحن في وضع آخر والميزانية منهكة في رمضان والأعياد والمناسبات مهما كانت كبيرة» فتيحة هذه نموذج لحالة تفكير الأجيال الجديدة من الجزائريات والجزائريين، لقد صار القرض امرأ عاديا ويطلب حتى للمسائل الاستهلاكية البسيطة وهو ما لم يكن لدى الأسلاف موجودا بالمرة لأن رهن الممتلكات لا يكون الا للحاجات القصوى كشراء أرض أو مسكن أو قطيع.

ففي عيد الأضحى يستلف الكثيرون مبالغ مالية كبيرة لشراء الاضاحي لان الجيران اشتروا وليس لمجرد إحياء السنة. يقول الشيخ شمس الدين وهو من أهم رجال الدين وأكثرهم علاقة بالصحافة في الجزائر حالياً «أن لا تضحي خير من ان تتباهى بذلك وترهن نفسك شهورا... الأضحية لمن استطاع وليست واجبا شرعيا لجميع الناس... من المفروض ان لا يشكل إحياء سنة حميدة عبئا ثقيلا على الأسرة تتأثر به وقد تصل الى مشاكل مع الغير.

اعرف ان أشخاصا اشتروا اضاحي بالتقسيط ليوم العيد لكن أجورهم لا تسمح بدفع الأقساط فدخلوا في نزاعات مع من باع لهم... هذا تهور». وتساءل «من الناس من يشتري كبشا بقسمة تفوق أجره الشهري ثلاث مرات، فمن أين له ان يوفر ما يغطي به العجز في الميزانية؟» ولا يختلف الوضع بالنسبة للأعراس حيث تثقل الديون عائلتي العريس والعروس على السواء لان كليهما تقيم عرسا منفصلا لمئات من المدعوين حتى اذا كان وضعهما المالي لا يسمح بذلك.

فالتباهي تفشى في الأوساط الشعبية وصار لباس العروس وذهبها يدخل عائلتها وعائلة العريس في دوامة الديون قد لا تسدد لسنوات. وقدرت جمعية من ولاية قالمة شرق البلاد ما تحمله العروس معها من ذهب يوم الزفاف بنحو 300 ألف دينار أي ما يزيد عن أجر استاذ بالتعليم الثانوي مدة عام كامل.

وبينما كانت الأعراس سابقا تقام في البيوت بلا حرج صارت كل العائلات تقريبا تقيمها في صالات خاصة يتم استئجارها بأسعار خيالية، فحتى العائلات التي تقطن القرى والبلدات الصغيرة صارت تقيم اعراسها في المدن حيث تتوفر قاعات الحفلات.

ويتطلب الحصول عليها التسجيل قبل ستة أشهر من موعد العرس وتقديم نصف المبلغ كضمان. ويصل متوسط استئجار صالة بالعاصمة مدة 12 ساعة الى ما يزيد على 120 ألف دينار )1800 دولار( واكتسحت العادات الدخيلة العائلات وصارت تنفق أموالا طائلة على شكليات مثل أنواع العلب التي تقدم فيها الحلويات للمدعوين . ناهيك عن تحضير كل عائلة تقيم عرسا لأربعة أنواع من الحلويات على الأقل.

ويتمادى الكثير من العائلات في إهدار الميزانية باستقدام فرق موسيقية تكلفها اموالا طائلة لمجرد الظهور بمظهر الغني. وان سألت هذه العائلات عبرت عن أوجاعها وهي تنفق على ما تراه زيادة بلا معنى كان الأغنياء أول من بادر بها، لكن لا تستطيع تجاوزها لان «كلام الناس أكثر إيلاما» على حد قول ربة بيت زفت ابنتها وظلت تسدد الديون لأزيد من ثلاث سنوات.

في الأعراس كما في المناسبات تنفق نسبة عالية من الجزائريين أكثر من قدراتها، ولا توجد ثقافة تسيير الميزانية ولا الحساب المستقبلي. فحين فتحت الدولة المجال لشراء السيارات بالتقسيط عن طريق البنوك اندفع مئات الآلاف ممن لم يكونوا يتصورون أبدا أنهم يكسبون سيارة لضعف رواتبهم، فاشتروا سيارات وفتحوا على أنفسهم ابواب جهنم حيث تطالبهم البنوك بالدفع الشهري بينما هم لا يقدرون.

وتورطت في هذه الأوضاع حتى عائلات تتشكل من عدد كبير من الافراد يعيشون من مرتب واحد أو حتى من منحة تقاعد.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي