بدأ الصراع على انتخابات رئاسة الجمهورية في مصر مبكرا، وربما قبل أن يتوقعه الكثيرون، ويرجع ذلك إلى الزخم والحراك السياسي الذي تشهده الحياة المصرية حاليا وظهور حركات أكثر نشاطا عن ذي قبل، تلك الحركات التي أعادت الحياة من جديد إلى روح الكثير من التنظيمات والحركات والأحزاب السياسية المصرية التقليدية وغير التقليدية.

ولعل من أبرز سمات هذا الحراك والبعث الجديد في الحياة السياسية المصرية هو دخول فئات وأطراف وشخصيات بطعم ونكهة سياسية جديدة على الحياة المصرية، وربما يكون قرار الدكتور محمد البرادعي المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية بدخول ذلك المعترك، ليس بالسمة الوحيدة، وخاصة وإذا علمنا أن شاعرا سياسيا ينتمي لحزب «مصر الفتاة» قرر هو الأخر دخول هذا المعترك. «البيان» أجرت حوارا مع الشاعر حسين راشد مساعد رئيس حزب مصر الفتاة وأمين لجنة الإعلام والثقافة بالحزب، والذي قرر ترشيح نفسه لمنصب الرئاسة في مصر، وكان معه هذا الحوار..

شريحة الابداع الانساني

بداية إن ترشيح شاعر وأديب لانتخابات الرئاسة أمر في حد ذاته جديد لم نسمع به إطلاقاً في عالمنا العربي فما السبب في اتجاهك لذلك؟

الشعراء والأدباء بصفة خاصة يمثلون شريحة الإبداع الإنساني طوال التاريخ، وهم الوقود الحيوي في إثراء الوجود بكل ما هو جديد وخاصة أنهم في بحثهم عن عوالم أخرى غير المعاشة كانت مدنهم مدنا فاضلة راسخة تحمي وجدان الشعوب وترقى بذوقة العام.

وقد يكون سبب عزمي خوض انتخابات الرئاسة القادمة يعتمد في الأساس على كوني سياسياً مصرياً، ومساعداً لرئيس حزب «مصر الفتاة» وأميناً عاماً للجنة الإعلام بالحزب، وأعتقد أنني الوحيد في أحزاب المعارضة المصرية الذي يرأس لجنة إعلام وثقافة، وأنا بالفعل شخصية فاعلة في الحقل الثقافي المصري على أرض الواقع، وفنان تشكيلي أيضاً، ولي معارضي الكثيرة في ربوع مصر.

وكذلك قاص وروائي، ولنا أن نتحدث بالفعل عن هذه الميول الأدبية في شتى مناحي الأدب والفن الذي هو خط تواصل حقيقي لخدمة العامة ورسالتنا الحقيقية هي تنوير هذه العامة في شتى المناحي الفكرية والفنية، ولا ننسى أننا رأينا في العصر الحديث رئيس الولايات المتحدة الأميركية شاعراً.

تذليل العقبات

وهل تعتقد أن المرحلة القادمة وما يمربه المجتمع من ظروف صعبة اقتصادية وسياسية واجتماعية يمكن أن تستوعب فكرة وجود أديب أو شاعر في منصب الرئاسة؟ ألا ترى انك ستواجه صعوبات بالغة التعقيد حتى من خلال الشعب الذي قد لا يكون على معرفة كاملة بك؟

لا شك أن هناك عقبات وصعوبات شتى، ولكن هل لأن أمامنا صعوبات وعقبات نقف محلك سر، ولا نكمل المشوار، نحن معشر الأدباء والشعراء لدينا ذاكرة حية وفعالة لا تقف عند حدود الممكن، وإن توقفت عند حدود الممكن فهذا معناه أنها فقدت ميزة الإبداع، وإن كنت أرى أن أمامنا وقتا كافيا لتعريف الشعب بي وببرنامجي وبفكري، وهذا يتطلب من جميع الشعراء والمثقفين أن يكونوا فاعلين في مثل هذه المهمة التي لن تكون صعبة فيما لو آمنوا بقضية الفكر والثقافة لخدمة السياسة.

رسالة أدبية

ولكن الشاعر والكاتب لديه رسالة أدبية محددة يقدمها من خلال كلماته وأدواته فهل اتجاهك للانتخابات يأتي انطلاقا من هذه الرسالة، أم أن لديك أسبابا أخرى؟

لا شك حينما يشعر المبدع والأديب أن الأدب والفكر والإبداع أصبحت مهددة في هذا العصر، فإنه يتوجب عليه أن يوجد لنفسه سلاح يستطيع من خلاله الحفاظ عليها، وإن كان الترشيح والفوز بمنصب رئيس الجمهورية هو الحل فليكن، نحن نعيش اليوم زمناً اختلط فيه الحابل بالنابل، ولم يعد هناك قيمة فعلية للأدب والشعر، وأصبح العامة ينظرون للشعراء والأدباء للأسف الشديد على أنهم يعيشون في كوكب آخر ولا يشعرون بالناس ولا بآلامهم ومعاناتهم، ولا يقتربون من طموحاتهم وأحلامهم وأحوالهم.

ويعتقدون أن الشعر والأدب أصبحا مجرد برواز قديم مهمل ليس له حائط، وهذا أمر خاطئ ومحزن في نفس الوقت، هذا بالإضافة إلى أن هناك الكثير من الموجات الأدبية التي لم تعد تعترف برسالة الأدب وأشاعوا عبارات « الأدب للأدب «و» الفن للفن» إهمالاً ونكراناً برسالة الأدب والفن الحقيقي في منظومة الحياة.

الشعر والادب ليس بمهنة

فكرة الترشح لمنصب رئاسة الجمورية في حد ذاتها كيف جاءتك؟

ربما أكون قد أجبت عن هذا السؤال، ولكن أضيف علاوة على ما قد سبق أن الشعر والأدب ليسا بمهنة وليسا بهواية بل هما قاعدة أساسية يرتكز عليها الإنسان كي يستطيع الإبحار في بحر الحياة، ولا شك أن المبدع له زاوية رؤية خاصة ينظر من خلالها للحياة، وعلاوة على ذلك فمسيرتي الحزبية والصحفية وقراءاتي التي لم تتوقف جعلتني ألم بهذا العلم «السياسة».

وعلينا نحن أن نؤمن بأنفسنا أولاً كي نستطيع إقناع العامة بنا، فإلى متى ينظر للمبدع على أنه يعيش في عالم الخيال ومتعلق بحبال الهواء، وهو في الأساس غائص في عمق الحياة حتى أذنيه يبحث وينقب في كيفية ترجيح كفة الذوق والأخلاق والفضيلة، فيما يبحث السياسي غير المستند على قاعدة أدبية عن الغاية والوسيلة، وتبرير الوسيلة من أجل الوصول للغاية.

الواقع الثقافي أليم

باعتبارك شاعرا وأديبا ومرشحا لأن تكون رئيسا لمصر، كيف ترى الواقع الثقافي العربي عامة والمصري على وجه الخصوص؟

للأسف الواقع الثقافي العربي عامة واقع أليم، كثر فيه الأدعياء وطمست من معالمه الأصالة والعراقة، وغلبت فيه المصالح الشخصية بعيداً عن كلمة ثقافة، فلم أر مبدعاً أو مثقفاً على العموم يبحث عن أن تكون له بصمة فعليه في تاريخ الأدب المعاصر، حتى أنني في بعض لقاءاتي مع شعراء كبار وأدباء كذلك.

سألتهم نفس السؤال « هل ترى أن هناك عملاً لك يمكنه أن يوضع في تاريخ الأدب العربي» والإجابة بالطبع معروفة مسبقاً، لأننا عشنا في عصر الاستهلاك والكتابة من أجل الكتابة، وبات الأدب في معظم الوسط الثقافي «سبوبة» وهيمنة من قطاع الطرق الأدبية، والحديث مؤلم في هذه المنطقة حقيقة.

هذا عن الثقافة، فماذا عن المؤسسة الثقافية المصرية؟

الحقيقة أنا أرى أن المؤسسة الثقافية عاجزة تماماً عن إدراك معنى ومغزى الثقافة، وأن الشللية والمحسوبية التي تفشت في أروقتها أثرت سلباً على المشهد الثقافي الحقيقي، وأن الإدارات الثقافية بما فيها من موظفين وإداريين وعمل روتيني لا يرقى لأن يتعامل مع مبدع، والأمر المثير للدهشة والإستغراب أن يتحكم هذا وذاك فيمَن مِن المفترض أنه حر.

والمعروف أن استسلام المبدع للروتين يفقده أساس إبداعه وهذا هو ما يحدث بالطبع، ويكفي أن نشير الى ما يتم طبعه من خلال هذه المؤسسة لنعلم مدى فشلها في تحديد هويتها الثقافية ومعالمها التي من المفترض أن تتميز عن أخرياتها، ومن المهم والضروري للغاية أن يكون هناك وقفة حقيقية مع هذه المؤسسة من خلال مجلس أدباء حقيقي غير محسوب عليها.

مجلس الحكماء

وما الذي يمكن أن تقدمه خلال برنامجك الانتخابي للنهوض بالثقافة في مصر؟

برنامجي الإنتخابي سيكون بالطبع برنامجا متكاملا للنهوض بالمجتمع ككل، ولن يكون موجها لمخاطبة فئة أو جماعة بعينها، ولكنني رغم ذلك حرصت في برنامجي الانتخابي على التأكيد على دور الثقافة والفكر، وأن يكون هناك مجلس للحكماء يتكون من الأدباء والمفكرين والمبدعين الذين لهم بصمة حقيقية في عالم الفكر ولديهم الثقافة البناءة، هذا المجلس سيكون هو المعبر الحقيقي عن شكل مصر في المستقبل.

بصراحة.. كيف استقبل المحيطون بك في الوسط الثقافي خبر ترشحك ؟

هناك من تعامل مع قراري بحماس كبير، وهناك من استقبله بتردد، وهناك من لا يصدق حتى الآن أنني أقدمت بالفعل على مثل هذه الخطوة.

مؤتمرات شكلية

نود التعرف على رؤيتك لمؤتمر المثقفين الذي تتبناه وزارة الثقافة المصرية، وهل دعيت اليه؟

هذه المؤتمرات، مؤتمرات شكلية لا نفع منها، ولا تشكل مصداقية حقيقية في نظر المبدع والمثقف الحقيقي، والكل يعلم أنها مجرد شكليات لترتيب بعض الأوراق الأدبية وتسديد خانات البرامج التي توضع على الورق ويتم من خلالها تكريم بعض المنتفعين وتجميل شكل الوزارة والعاملين بها، وبالطبع لم أدع لها لأنني لست من الأبواق التي يمكنهم الاعتماد عليها في تجميل الصورة، وقد لا يعرفون من الأساس بوجودي لأنهم مشغولون في أنفسهم.

بعد أن اتخذت قرار الترشيح للمنافسة على مقعد رئيس الجمهورية، في تقديرك ما فرصك للفوز في الانتخابات؟

إذا كان الحاكم نفسه غير متأكد من فرص فوزه في تلك الانتخابات، فكيف أستطيع أنا أن أجزم بفرصي في النجاح، ولكنني بطبيعة الحال أتمنى أن يعطي الشعب المصري لنفسه فرصة التحقق من كل مرشح كي يعرف الفرق الجوهري بين من يتقدم للحصول على ثقته.

حينها أستطيع أن أقول لك نعم ولا أظنها ثقة زائدة، لأني بالفعل أحمل مشروعاً وطنياً شبيها بمشروع عبد الناصر ولكنه بشكل عصري يتوافق مع روح العصر الذي نحياه، ويجب ألا ننسى أن الرئيس جمال عبد الناصر وكذلك الرئيس أنور السادات وحسين الشافعي وفتحي رضوان وكثير ممن أثروا الحياة السياسية نفعاً لمصر قد تخرجوا من مدرسة مصر الفتاة.

القاهرة ـ عماد الأزرق