«لو راقبنا سلسلة الأحداث التي مرت على العالم، في العقد الأخير، فلا شك في أن من السهل ملاحظة أن هناك تغيراً جوهرياً طرأ على سياسة العالم وتاريخه». هذه الجملة، التي استهل بها المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما مقالته الشهيرة عن«نهاية التاريخ»، تحتاج إلى الانتباه إليها مجدداً، لكن من منظور مختلف.
والتطورات التي حدثت في فترة الثمانينات من القرن الماضي أقنعت فوكوياما أن نهاية التاريخ حتمية وقريبة، حيث أشار في مقالته، التي كتبها عام 1989، إلى أن انتصار الغرب والفكرة الغربية أديا إلى استنزاف البدائل العملية لقيام ليبرالية حقيقية.
الاستثناء والقاعدة
واليوم لا تبدو على الغرب هالة النصر واضحة، كما كانت في الثمانينات، كما أن الأحداث التي جرت في العقد الأول من القرن الحالي قادت التاريخ إلى طريق آخر مختلف كلياً، صحيح أن الليبرالية الغربية حافظت على جانب من سمعتها وحب الناس لها، لكن الطريقة الغربية في الحرب طغت على كل شيء آخر، فالحرب جلبت الدمار والموت، ولم تترك مساحة من الفرح لكل من المنتصر والخاسر، وفقد الخبراء والسياسيون ثقتهم بالحرب على أنها حل، وهذا الاقتناع توصل له العالم قبل أن يكتب فوكوياما مقالته.
غير أن هناك دولتين في العالم لا تزالان مقتنعتين بجدوى الحرب، وهما إسرائيل والولايات المتحدة، فبحلول الخمسينات كانت كل منهما تعزف على وتر الأمن القومي، وتحشد لذلك القوة لضمان التفوق على الآخرين، ولم تكن كلمة«سلام» إلا مصطلحاً سياسياً أجوف بالنسبة لهما، إذ أن شرطهما الأهم المسبق للسلام هو تقبل الدول الأخرى لحالة خضوع وضعف دائمة.
لهذا فإن النخبة السياسية والعسكرية في الولايات المتحدة وإسرائيل تعدان دوماً العدة للحرب، رغم كل الحديث الذي يدور عن استعدادهما للسلام، وفي حرب الخليج الثانية عام 1991 ذهب محللون غربيون إلى تشبيه القوات الأميركية في عملية عاصفة الصحراء، والتي كان عرابها الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش، بالقوات الإسرائيلية.
حيث تحقق الانتصار السريع والرخيص وغير الإنساني، وطغت صورة الجنرال نورمان تشوارسكوف على قادة الحرب الإسرائيليين من أمثال موشي ديان وإسحق رابين، لكن الواقع مختلف، فحربا عام 1967 و1991 لم تحققا الكثير للبلدين.
كما أن التفوق في هاتين الحربين لم يؤد إلا إلى حسابات مستقبلية خاطئة، فإسرائيل استولت على الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان، وأصرت على الاحتفاظ بها، برغم الاعتراضات الأميركية، وما تلا ذلك من تدفق لموجات المستوطنين اليهود من كل بقاع الأرض، الذين لم ينجحوا في تدعيم الأمن القومي لإسرائيل.
وفي منطقة الخليج لم تحقق أميركا المراد من حربها الأولى مع العراق، فالرئيس العراقي صدام حسين ظل خطره قائماً، لهذا فإن الإدارات الأميركية اللاحقة بدأت تفكر في استراتيجية حرب جديدة في العراق، فلم تتوقف عند منع العراق من احتلال الكويت، بل بدأت تفكر في الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط كلها.
الهيمنة والسياسة
وفي فترة التسعينيات، ركزت البنتاغون جهودها على بناء القواعد العسكرية الأميركية في كل مكان، وهي أشبه ما تكون بالمستوطنات الإسرائيلية في فلسطين، ولم تكن لا المستوطنات ولا القواعد العسكرية موضع ترحيب من قبل أصحاب الأرض، لهذا عانت إسرائيل من المقاومة الفلسطينية، وعانت الولايات المتحدة مما تسميه الإرهاب والتشدد.
بات من الواضح أن الهيمنة العسكرية لا تحقق نتائج سياسية، ولن تقضي على المقاومة بل ستؤجج نارها، كما أنها لن تردع «الإرهابيين»، وهو مصطلح تطلقه أميركا وإسرائيل على كل من يقاومهما، كما لم تحقق العمليات العسكرية الإسرائيلية أهدافها، فالحروب القذرة التي شنتها إسرائيل ضد قوات غير نظامية في الانتفاضة الأولى (1987 ؟ 1993)، والانتفاضة الثانية (2000 ؟ 2005)، وحرب لبنان الثانية (2006)، وعملية«الرصاص المصبوب»، والحرب المخيفة على غزة 2008 -2009 كلها دليل على ذلك.
بقلم - آندرو باسيفيتش
