أثار مقتل خمسة من الجنود الإسرائيليين، في حادث تحطم طائرة هليكوبتر في رومانيا، أخيراً، الكثير من علامات الاستفهام على امتداد العالم، إذ أنه كشف عن أن العلاقات الأوروبية الإسرائيلية وعلاقات إسرائيل بحلف«ناتو» أقوى مما يظهر على السطح الإعلامي العالمي، لكنه خبر مر بسلام ولم يتصدر الصحف، بينما لو قتل خمسة من عناصر حركة «حماس» في حادث تحطم مروحية في رومانيا، فسيكون ذلك ثالثة الأثافي.

وسيتصدر الخبر صحف العالم الغربي كله، وأنا هنا لا أقارن بين «حماس» وإسرائيل، إذ أن إسرائيل قتلت أكثر من 1300 مدني فلسطيني قبل أقل من عامين في غزة 300 منهم من الأطفال، أما حماس«الشريرة المتعطشة لسفك الدماء»، حسبما يصفها الإعلام المتحيز، فلم تقتل سوى 13 جندياً إسرائيلياً، منهم 3 قتلوا بنيران صديقة.

مقارنة للجرائم

لكن المقارنة موجودة عند ريتشارد غولدشتاين، ذلك القاضي اليهودي الجنوب إفريقي، الذي ذكر في تقريره الشهير عن غزة والمكون من 575 صفحة أن كلا الطرفين قد ارتكبا جرائم حرب، وعلى أثر ذلك نعتته القوى المساندة لإسرائيل وأميركا ب«الشرير».

وتم رفض تقريره من جانب سبع دول أوروبية، والآن من حقنا أن نتساءل عن مبرر وجود تمرينات مشتركة لحلف«ناتو» في رومانيا مع دولة ترتكب جرائم حرب، أو بتعبير أدق ما الذي يدفع الدول الأوروبية لأن تطلب القرب والمودة من إسرائيل؟

قرأت مسودة كتاب لم يصدر بعد للكاتب ديفيد كرونين يقول في مقدمته: «طورت إسرائيل علاقات قوية ومتينة من النواحي السياسية والاقتصادية مع الإتحاد الأوروبي، خلال العقد الماضي، ما يجعلنا نعتبرها عضواً فيه، حتى لو لم تحمل هذا اللقب»، كما أن خافيير سولانا، مسؤول الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي والأمين العام الأسبق لحلف «ناتو»، قال العام الماضي: «اسمحوا لي بالقول إن إسرائيل تعتبر عضواً في الاتحاد الأوروبي، حتى لو لم يكن انضمامها رسمياً إليه».

تساؤلات

هل نعلم نحن في أوروبا هذا؟ وهل صوتنا بالموافقة عليه؟ ومن سمح لهذا بأن يحدث؟ وهل يوافق رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، الذي يحاول جهده الآن لضم تركيا للاتحاد، على كل هذا؟ ربما نعم، لأنه دوماً يسمي نفسه«صديق إسرائيل»، حتى بعدما زورت إسرائيل جوازات سفر بريطانية، واستخدمتها لتنفيذ جريمة اغتيال المبحوح.

يقول كرونين في كتابه، الذي سيصدر في نوفمبر المقبل: «الاتحاد الأوروبي يعيش حالة كبيرة من التناقض في تعامله مع الفظاعات التي تجري في العالم، فهو يتعامل مع إسرائيل بجبن وخوف، ومع غيرها بشجاعة». في أعقاب حرب 2008 بين جورجيا وروسيا أرسل الاتحاد الأوروبي مبعوثاً لمتابعة وضمان تطبيق القانون الدولي على الأرض، كما طالب بتحقيق دولي في الانتهاكات التي حدثت، في مجال حقوق الإنسان، في حرب سريلانكا مع مقاتلي نمور التاميل.

حقائق وأرقام

غير أنه ليس هذا المراد الدقيق من الكلام. في عام 1999 بلغت قيمة مبيعات بريطانيا من الأسلحة لإسرائيل، التي تحتل الضفة الغربية وقطاع غزة، وتبني مستعمرات غير قانونية لليهود على الأرض العربية، 5 ,11 مليون جنيه إسترليني، وخلال سنتين فقط تضاعف ليصبح 5 ,22 مليون جنيه إسترليني، واشتملت صفقات السلاح على أسلحة خفيفة، ومعدات لصناعة القنابل، وأخرى لصناعة الطائرات والدبابات.

ولم تلاق إسرائيل انتقاداً كبيراً من بريطانيا، عندما استخدمت دبابة «سنتوريون» البريطانية المعدلة ضد المدنيين الفلسطينيين عام 2002، كما اعترفت في العام نفسه بأنها دربت 13 عسكرياً إسرائيلياً، وفي عام 2006، وافقت بريطانيا لإسرائيل على 200 رخصة سلاح، في العام نفسه الذي قتلت إسرائيل 1300 لبناني معظمهم من المدنيين.

بعض تلك الأسلحة البريطانية يصل لإسرائيل عن طريق الولايات المتحدة، كما أن الطائرات الأميركية التي كانت تنقل الأسلحة لإسرائيل عام 2006 كانت تتزود بالوقود في المطارات البريطانية، وفي الشهور الثلاثة الأولى من عام 2008 وافقت بريطانيا على صفقات سلاح لإسرائيل بقيمة 20 مليون جنيه إسترليني، وهي تستعد لشن اعتدائها المريع على قطاع غزة.

بقلم - روبرت فيسك - ترجمة - يوسف جباعتة