تعتزم الدول الأعضاء في حلف «ناتو»، في قمة الحلف المقرر عقدها في نوفمبر المقبل، تبني نهج استراتيجي جديد ومختلف، والأمر متعلق بروسيا هذه المرة، إذ تتصدر علاقة «ناتو» بروسيا أولويات أجندة الحلف في الفترة الحالية.

منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، تبنت الولايات المتحدة وأعضاء «ناتو» الآخرون نهجا جديداً، تم من خلاله غلق الأبواب في وجه روسيا، وفتحها على مصراعيها، في الوقت نفسه، أمام دول أوروبا الوسطى والشرقية، وتعاملوا مع روسيا على أنها دخيلة أو غريبة، واستثنوها من المؤسسات الرئيسة في المجتمع «اليورو أطلسي». لكن عزلة روسيا كانت مما جنته يداها، فتلكؤها في التحول إلى الديمقراطية، ومواقفها السياسية الخارجية، التي كانت تنبئ باحتمال الرغبة الروسية في التوسع، ساهمت في تعميق عزلتها. رغم كل هذا، فإن الغرب يرتكب خطأ كبيراً بتعامله مع روسيا وكأنها شخص منبوذ، إذ إن التسويات التي أعقبت الحروب النابليونية والحرب العالمية الثانية، باستثناء الحرب العالمية الأولى، دلت على أن ضم الخصوم السابقين واحتوائهم أمر مهم جداً لتعزيز السلام العالمي. لهذا فإن استقطاب روسيا وضمها إلى التحالف اليورو أطلسي، ينبغي أن يكون من أبرز الأولويات بالنسبة ل«ناتو» اليوم.

رؤية واقعية... أما الرؤية المتعلقة بضم روسيا إلى الفضاء اليورو أطلسي فهي واضحة وواقعية، إذ يجب ضم روسيا إلى «ناتو» لأن تلك خطوة منطقية في إطار نظام يورو أطلسي متوسع يمثل فيه «ناتو» دور المؤسسة الأمنية الأساسية، وبما أن الحلفاء الغربيين عكفوا، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، على توسيع نطاق «ناتو»، فعليهم الآن أن يفعلوا ما بوسعهم لضم روسيا والدول الأعضاء في اتحاد الكومنولث. تنطلق مسألة ضم روسيا ل«ناتو» من خمسة مفاهيم: أولاً، فتح أبواب «ناتو» لروسيا فيه ضمانة لواحد من الأهداف الرئيسة للنظام اليورو أطلسي، وهو تحقيق الأمن الجماعي للدول الأعضاء، فبحسب معظم أعضاء «ناتو»، فإن روسيا حالياً لا هي صديق ولا هي عدو، وضمها إلى «ناتو» سيحل هذا الإشكال، بالتالي على الحلف أن يسعى لضم روسيا، ومن ثم مساعدتها على التحول إلى الديمقراطية والإصلاح، كما حدث بالضبط مع ألمانيا في الخمسينات من القرن الماضي، ومع دول أوروبا الوسطى والشرقية في العقدين الأخيرين. ثانياً، سيعزز ضم روسيا التدريجي إلى الحلف من قوة وتماسك أوروبا، ويجعلها شريكاً أقوى، وهذا ما تبتغيه الولايات المتحدة بشكل كبير، لأن الاتحاد الأوروبي يتحرك ببطء وبدون فاعلية كبيرة في الأمور الدفاعية، وهناك إجماع في واشنطن من جانب كلا الحزبين حول ضرورة أن تكون أوروبا أقوى عسكرياً مما هي عليه الآن، لأنها قد تعرض التحالف اليورو أطلسي للمخاطر، إذا فشلت في أن تكون على قدر الحدث، وتضمنت معاهدة لشبونة، التي دخلت حيز التنفيذ العام الماضي، وضع اقتراحات لإصلاحات مؤسسية تقوي شوكة الاتحاد الأوروبي، وتعزز نفوذه السياسي والعسكري، لكن في أحسن الأحوال فليس من المرجح أن ينجح الاتحاد الأوروبي في تحقيق تقدم هائل في مجال تطوير القدرات الدفاعية، بينما يمكن لروسيا، في حال ضمها للحلف، أن تزيد من قوة أوروبا العسكرية، نظراً لما تملكه من قوة عسكرية كبيرة، وعلينا أن نعترف هنا، أنه ينبغي على «ناتو» التحرك بحذر شديد في مسائل حساسة، مثل التبادل التكنولوجي والتعاون الاستخباري، غير أنه من المؤكد أن تلك المسائل يمكن تنسيقها، بحيث تعزز القوة العسكرية ل«ناتو»، وتدعم أمن المجتمع اليورو أطلسي.

جورجيا واكوانيا

ثالثاُ، ضم روسيا ل«ناتو» سيساعد كلاً من جورجيا وأوكرانيا على الانضمام أيضاً للحلف، دون التسبب في أزمة مع موسكو، أما عدا ذلك فالأزمة لا شك قائمة، وبحسب الخبيرين الروسيين سيرجي كاراغانوف وتيموفي بورداشيف فإن انضمام هاتين الدولتين للحلف قد يسبب أزمة لا تعرف عواقبها، أما في حالة قرر الحلف عدم رغبته في ضم هاتين الدولتين فستتوقف الأزمة، لكن ذلك القرار لن يحل الأزمة الأخرى، وهي كيفية دمج روسيا وجيرانها في النظام اليور أطلسي الموحد.

من الصعب على جورجيا وأوكرانيا محاولة الانضمام للحلف، إن لم تكن موسكو عضوا فيه، أو على أقل تقدير، إن لم تكن على وشك أن تصبح كذلك، وهذه الطريقة الوحيدة لضمان أن انضمامهما لن يتسبب في أزمة سياسية وعسكرية، كما أنه إذا استمرت العضوية في اتحاد الكومنولث في كونها منفصلة عن العضوية في «ناتو» فإن هذا سيؤدي إلى تعرض أوروبا الشرقية والوسطى لانقسامات حادة وخلافات جغرافية، بالمقابل، إذ فتح الحلف أبوابه لتلك الدول، فلن يكون هناك احتمال لأي صراع، أو انقسام في المستقبل.

رابعاً، إن بناء نظام أمني في أوروبا مرتبط ب«ناتو» سيضمن هيمنة الحلف على تطور الفضاء اليورو أطلسي بشكل عام. أما في حال لجوء دول أوروبا لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، فمن شأن ذلك أن يمنح السلطة لمؤسسات أخرى، وهذا كان من ضمن الأسباب الرئيسة في تردد الدول الأعضاء في «ناتو» في قبول مقترحات موسكو الأخيرة، حول عقد معاهدة أمنية أوروبية.

قد يكون رد فعلهم مبرراً، لكن لروسيا أيضاً الحق في الاستياء من تجاهل «ناتو» لاقتراحاتها، خاصة أن الحلف لم يقدم أية مقترحات مضادة ذات قيمة، بالتالي فإن فتح الحلف أبوابه أمام موسكو سيكون مقترحاً منطقياً يقنع به «ناتو» موسكو، وفي الوقت ذاته، يبقي «ناتو» وسط اللعبة.

اعمق من الجوار

أخيراً، فإن انضمام روسيا ل«ناتو» سيعين المجتمع اليورو أطلسي على التركيز على قضايا أخرى، أعمق وأبعد من قضايا الجوار، فهناك الكثير من القضايا العالقة في أوروبا نفسها، بما فيها البلقان والقوقاز، والتي تحتاج لحل، غير أن المصالح الجماعية للدول، التي تقع في المنطقة الجغرافية الممتدة بين فانكوفر حتى فلاديفوستك تتأثر بالتطورات العالمية، كبروز القوى الصاعدة، والإرهاب، والانتشار النووي، والتغيرات المناخية، والهجمات الدائرة في الفضاء الحاسوبي، والجريمة الدولية.

وبخلاف كل شركاء الولايات المتحدة من الدول الأوروبية، التي تميل بطبعها في توجهاتها الإستراتيجية للتمركز حول ذاتها الأوروبية، فإن لروسيا آفاقاً جيوبوليتيكية أوسع، إذ إنها تلعب دوراً جوهرياً في المفاوضات مع إيران وكوريا الشمالية، كما أنها تتمتع بوزن وأهمية كبيرين في بكين.

بالإضافة إلى كونها من مزودي الطاقة الرئيسين في العالم، وهي عضو فاعل في الأمم المتحدة، ومجموعة الثماني الكبار، وفي مؤسسات دولية أخرى، ومن أهم التحديات الأساسية، التي تواجه الغرب، كيفية التعامل مع القوى الصاعدة، وبما أن روسيا واحدة من دول «بريك» (البرازيل وروسيا والهند والصين).

فيمكن لها أن تساعد المجتمع اليورو أطلسي في محاولته إجراء التعديلات المناسبة، بما فيها توسيع مظلة مجلس الأمن الدولي، وتحويل منظومة الثماني الكبار إلى العشرين الكبار. وفي اجتماع قمة «بريك» الأول، الذي استضافته موسكو في مدينة يكاترنبيرغ الروسية في يونيو من العام الماضي، تحدثت روسيا عن قدرتها على تشكيل العلاقة بين الغرب والقوى الصاعدة.

بالتالي، فإن ضم روسيا إلى الحلف سيحقق نتائج إيجابية خارج النطاق الأوروبي، وسيساعد على الإسراع في إكمال مشروع بناء المجتمع اليورو أطلسي بسلام ومن غير مشكلات، وسيعد ذلك المجتمع لمواجهة تحديات عالم المستقبل، المتعدد الأقطاب والمتنوع السياسات.

لا يوجد هناك ضمان، بلا شك، لأن تستجيب روسيا لمبادرات «ناتو»، وتتبنى سياسات داخلية وخارجية تتماشى وشروط عضويتها، لكن المؤكد أن قرار انفتاح «ناتو» على روسيا، إذا حدث، فسيكون قراراً بلا رجعة، فمن الصعب جداً العودة عن قرار بهذا الوزن، إلا إذا استغلت روسيا مبادرة «ناتو» وترحيبه بها، وحاولت أن تؤثر في عملية صنع القرار وتثير الانقسامات الداخلية في «ناتو» وأن تستمر بممارسة نهجها القسري ذاته مع جيرانها، حينها فإن اليد الممدودة لموسكو ستنسحب فوراً، وسيعود الحلف إلى سابق عهده، من محاولة بناء أمن جماعي في المنطقة الأوروبية إلى بناء نظام دفاعي جماعي ضد روسيا.

أما فيما يتعلق بمسألة أن انضمام روسيا سيوهن من تضامن وتكاتف الحلف، فقد تكون صحيحة لأن الحلف سيزداد حجمه وتنوع الدول المنضمة إليه، فلو افترضنا أن الحلف بحلول عام 2025 سيكون قد ضم روسيا وأوكرانيا وجورجيا ومجموعة من دول الكومنولث، فهذا يعني أن دوله أصبحت ما يقارب أربعين دولة، تتباين في حجمها ومستويات الثروة لديها وقدراتها العسكرية.

ومن المهم أن نتذكر، أخيراً، أن بوتين كان خلال الأيام الأولى من توليه رئاسة روسيا قد أكد أنه لن يستبعد انضمام روسيا إلى «ناتو» شريطة أن تؤخذ مصالحها في الاعتبار، ومن المؤكد أنه موقف لن يتردد مدفيديف في تبنيه، وقد آن الأوان للنظر في مصداقية ما طرحاه في هذا المجال.

مخاطر الضم

يثير ضم روسيا للحلف ثلاثة اعتراضات واضحة، وهي أن الغرب بذلك يكون قد جلب الثعلب لقن الدجاج، كما أن الضم سيضعف الحلف ويميعه، وكذلك فإنه سيكون نوعاً من التنازل عن إحدى القيم الجوهرية للحلف، والتي تقضي بعدم ضم دولة غير ديمقراطية له.

وفي الحقيقة، فإن ضم روسيا للحلف، الذي يخطط حتى اليوم للتصدي لخطر روسي محتمل، لا يخلو من مغامرة إستراتيجية، غير أن «ناتو» سيخاطر بشكل أكبر إذا استثنى روسيا من النظام اليورو أطلسي.

عملية ضم روسيا للحلف، إن تمت، ستجري بشكل بطيء ومقصود، وستنطلق المبادرة من «ناتو»، الذي سيرحب بعضوية روسيا كنوع من إظهار للنوايا الحميدة. ولا شك أن ضم روسيا سيسهم في تشجيعها على تغيير سياساتها واتخاذ إصلاحات ضرورية في البلاد، كما حدث عندما انضمت دول أوروبا الوسطى والشرقية للحلف وأبدت استعداداً كبيراً لأجراء إصلاحات عسكرية وسياسية.

وبالحد الأدنى، فإن ضم روسيا للحلف سيساعد كثيراً في زيادة النفوذ الغربي لدى روسيا، وسيكون من شأن التواصل الذي سيتم بين مسؤولي «ناتو» والمسؤولين الروس أن يقلل من مسألة انعدام الثقة بين الجانبين، كما سيكون هناك تعاون على عدة أصعدة، بما فيها مسائل الحد من الأسلحة ومنع الانتشار النووي والدفاع الصاروخي والتدريبات العسكرية وحفظ السلام والعمليات البحرية المشتركة لمقاومة القرصنة أو تهريب المخدرات والأمن الإلكتروني.

مثل ذلك التعاون لن يوطد أواصر الثقة بين روسيا و«ناتو» فحسب، بل سيكون بمثابة اختبار يمكن ل«ناتو» أن تتعرف فيه على نوايا موسكو ورغبتها في تعميق التعاون من عدمها.

استشراف المستقبل

يعمل تشارلز كوبتشان محاضراً في الشؤون الدولية في جامعة جورج تاون الأميركية، وهو أحد الأعضاء البارزين في مجلس العلاقات الخارجية بواشنطن، ومؤلف كتب كثيرة من أهمها:« كيف يصبح الأعداء أصدقاء» و«نهاية الحقبة الأميركية» و«انتقال السلطة: التغير السلمي في النظام الدولي» و«هشاشة الإمبراطورية»، وغيرها.

عمل في مجلس الأمن القومي، خلال فترة كلينتون الرئاسية الأولى، وكان مسؤولاً عن الشأن الأوروبي، وقبلها عمل في قسم التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأميركية، وقبل العمل في القطاع الحكومي، عمل محاضراً للعلوم السياسية في جامعة برنستون الخاصة.

حصل على درجة البكالوريوس من جامعة هارفرد، وعلى درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة أكسفورد، كما عمل محاضراً زائراً في كل من مركز الشؤون الدولية التابع لجامعة هارفرد، ومعهد دراسات الحرب والسلام التابع لجامعة كولمبيا، والمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن، ومركز «ديتودي أي دي غيشيرشيه إنترناشونال» في باريس، وكذلك معهد دراسات السياسة الدولية في طوكيو.

ترجمة يوسف جباعته

بقلم - تشارلز كوبتبشان