كان الجنرال ماكريستال وأعضاء فريقه يميلون دوماً للتحدث بشكل سلبي عن فريق الرئيس باراك أوباما، وحين سئل عن رأيه بجون بايدن، نائب الرئيس الأميركي أجاب : «ومن يكون هذا بايدن؟».
لهذا كان ماكريستال يهيء جواً لفريقه لكي ينتقصوا بحرية من أعضاء فريق الإدارة الأميركية، لكن يا ترى لو أنه لو لم يتم إنهاء خدماته، وقام أحد الجنرالات العسكريين المعارضين لسياسته في أفغانستان بالتحدث عنه بالشكل الفظ نفسه الذي تحدث به عن الإدارة الأميركية وعن الرئيس الأميركي، فماذا كان يمكن أن يحدث؟ في الحقيقة فإن ماكريستال معروف بأنه غير مرن تجاه أي انتقاد أو أي تصرف مشاكس ضده، لكنه لم يتورع هو وحاشيته عن انتقاد الآخرين، وما يدريك فربما حين أدار ظهره لم ترحمه تلك الحاشية نفسها من الشتائم واللوم والانتقاد والسخرية. لا شك أن المسألة كلها مبتذلة وسخيفة.
بالمقابل يعتبر تعيين بترايوس في هذا المنصب خياراً حكيماً، وسوف يواجه انتقادات أقل بكثير مما واجهه عام 2007-2008 من جانب وسائل الإعلام والسياسيين الأميركيين، لأن نجاحه هذه المرة سوف ينعكس على باراك أوباما، وليس على جورج بوش. تخيلوا المفارقة الآن فأوباما فجأة مالت رياحه نحو بترايوس، لكنه كال له الكثير من النقد قبل فترة ليست طويلة، فخلال فترة قيادته للقوات الأميركية في العراق، وصف أوباما قيادته العسكرية بالفاشلة، لكنه بالطبع كان يسعى للوصول إلى الرئاسة اعتماداً على ما يرى أنه تصويب للخطأ، والآن هو يريد البقاء في الرئاسة اعتماداً على ما يرى أنه تدعيم للصواب، وهكذا هي السياسة دوماً.
ابتسمت قبل أيام وأنا أستمع لأوباما وهو يتحدث عن « الهدف العام»، وهذا صحيح ،لكن قبل زمن ليس بالبعيد، وفي فترة حرجة في العراق، كان أوباما منشغلاً بالانتخابات والاصطفافات الحزبية، ولم يكن «الهدف العام» في النجاح العسكري الأميركي في العراق يعنيه كثيراً. ذاك هو أوباما في عام 2007، عندما كنا في أمس الحاجة ل»هدف عام» مشترك.
لم تقد فظاظات ماكريستال القوة العسكرية الأميركية بالشكل السليم تماماً في أفغانستان، فالسياسات المتبعة هناك لم تكن توحي بالثقة، كما أن المواعيد النهائية لانسحاب القوات لم تكن تتحقق أبداً، لهذا لم يضرب الرئيس الأميركي السابق جورج بوش أي موعد نهائي لخروج تلك القوات، حتى أن أوباما لم يقابل ماكريستال منذ شهور عدة، وهناك شخصيات تعمل في الظل يستحقون أن يبرزوا أكثر مما هو عليه الوضع الآن. ومن تلك الشخصيات السفير رايان كروكر، حيث أن حرفيته وكفاءته حققتا الكثير من النتائج الإيجابية إذا ما قارناها بالفريق الدبلوماسي في أفغانستان، ونحن ندين لهذا الرجل بالكثير، فهو لم يكن من مؤيدي الحرب على العراق، لكن عندما طُلب لتأدية الواجب الوطني لم يتردد، بل عمل أفضل ما بوسعه ضمن سياسة أنقذت الكثير من الأرواح. لا شك أن كروكر كان يستحق أن ينال جائزة نوبل أكثر بكثير من باراك أوباما.
اعتمد ماكريستال، من وجهة نظري الشخصية، على سياسات غريبة الأطوار في أفغانستان، فقد اشتكى المحافظون والعديد من القادة العسكريين أسابيع عدة من قوانين القتال العقيمة، التي يجري تطبيقها في الميدان، فهي أسوأ بكثير جداً حتى من قوانين بترايوس خلال فترة «صحوة الأنبار»، مع هذا أظن أن القوات الأميركية في الميدان منقسمة حول قرار إنهاء خدمات ماكريستال، لكني أرجح أن الكثيرين مرتاحون لذلك.
نال بترايوس قسطاً وافراً من الراحة كان بحاجة له خاصة مع معاناته السابقة مع السرطان، ونوبات الإغماء التي تعتريه، وأرى أنه إذا فشل في أفغانستان، فهذا يعني أن تلك البلد عصية على الهزيمة، اللهم إلا إذا توقف أوباما عن الحديث عن الانسحاب، وأعطى له السلطة المطلقة، واستقدم شخصاً مثل كروكر لتغطية الجانب الدبلوماسي.
نهاية الأزمة
بطرد الجنرال ستانلي ماكريستال لتحدثه بحق رؤسائه المدنيين، أعاد الرئيس أوباما التأكيد على مبدأ السيطرة السياسية المدنية على الجيش. وبتعيين الجنرال ديفيد بترايوس، وهو اكثر الضباط كفاءة بين أفراد جيله، مكانه، يكون أوباما قد حل بذكاء مشكلة القيادة التي هددت بتقويض المهمة العسكرية في أفغانستان برمتها.
لقد انتهت الأزمة التي استمرت لثلاثة أيام، ربما على خير ما يرام بالنسبة للبيت الأبيض، لكن لأنها تمثل عرضا لمشكلة أكبر من مشكلات الحرب، فان الصيحة التي أطلقها ماكريستال سيظل يتردد صداها لزمن طويل رغم إطاحتها به شخصيا. فكل شيء يسير في الطريق الخاطئ فيما يتعلق بالحرب التي تقترب من إكمال عامها العاشر لتتفوق على حرب فيتنام كأطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة.
وربما كشف عدم انصياع فريق ماكريستال عن صراع داخلي تجسد في خلاف بينه وبين السفير الأميركي في أفغانستان.
ترجمة: يوسف جباعته
بقلم: فيكتور ديفيس هانسون

